أبو القاسم: الفراغ المؤسسي وانقسام السلطات يزيدان تعقيد الأداء الاقتصادي

أكد أبوبكر أبو القاسم، رئيس قسم المحاسبة بالأكاديمية العليا، أن غياب الحقيقة في الواقع الليبي أصبح “أثقل من أن يُقال”، مشيرًا إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على المصرف المركزي، بل تمتد لتشمل مختلف مؤسسات الدولة، سواء التشريعية أو التنفيذية أو النقدية. وأضاف أن المواطنين أصبحوا يفتقرون إلى اليقين في ظل غياب التأكيدات الرسمية، كما أن أي بيانات رسمية غالبًا ما تواجه انتقادات أو تسريبات، ما يزيد من حالة عدم الاستقرار المعلوماتي.
وقال أبو القاسم، في حديث لتلفزيون المسار، رصدته الساعة24، أن الواقع الليبي يعاني من حالة عامة من “عدم التأكد” تمتد عبر مؤسسات الدولة كافة، وهو ما ينعكس على أداء المسؤولين، الذين قد يعلنون عن سياسات أو خطوات لا يملكون القدرة الكاملة على تنفيذها بسبب تعقيدات المشهد المؤسسي والسياسي.
واستشهد بمصرف ليبيا المركزي، موضحًا أنه أعد منظومات لإدارة النقد الأجنبي وتنفيذ السياسات الضريبية وفق التشريعات، لكنه واجه تعثرًا نتيجة تغيّر مواقف الجهات المعنية أو إنكارها للقرارات، ما دفعه إلى إعادة ترتيب إجراءاته.
وأشار إلى أن المركزي رغم الجدل حول دقة تقاريره، يظل من الجهات القليلة التي توفر حدًا أدنى من المعلومات، سواء عبر تقارير رسمية أو التسريبات، وهو ما يتيح تكوين صورة جزئية عن الوضع العام في ظل غياب الشفافية لدى بقية المؤسسات. وأضاف أن حالة “عدم اليقين” تسهم في انتشار التسريبات والظهور الإعلامي غير المنظم، مؤكدًا أن مختلف السلطات تعاني من عزوف عن إظهار الحقائق، حتى ضمن حدود اختصاصاتها، وهو ما يزداد حساسية عندما يتعلق الأمر بمؤسسة مالية بحجم المصرف المركزي وتأثيرها المباشر على حياة المواطنين.
ولفت أبو القاسم إلى أن إشكالية الإفصاح ترتبط بغياب معايير واضحة، موضحًا من منظور محاسبي أن الإفصاح يفترض أن يكون محكومًا بقواعد تحدد ما يجب نشره وما يجب حجبه، وهو ما يفتقر إليه الواقع الحالي.
وأكد أن طرح الحقيقة يمثل تحديًا كبيرًا نظرًا لكونها “موجعة”، ما يدفع الجهات إلى تجنبها تحت ضغوط متعددة ضمن بيئة العمل المعقدة وغير المستقرة، مضيفًا أن نشر الحقائق الاقتصادية أصبح ضرورة ملحة، خاصة في ظل مؤشرات خطيرة تمس الإيرادات العامة للدولة، مشيرًا إلى أن فقدان نسب كبيرة من الإيرادات، وصلت في بعض التقديرات إلى نحو 60% خلال فترات معينة، لم يقابله أي تحرك جدي من السلطات التنفيذية أو التشريعية أو الرقابية.
وبينّ أبو القاسم أن هذه الحالة تعكس خللًا عميقًا في منظومة المساءلة، حيث لا يتم استدعاء الجهات المعنية أو التحقيق في التجاوزات المتعلقة بالإنفاق والإيرادات في مختلف مناطق البلاد، ما يعزز غياب المحاسبة ويضعف الثقة في المؤسسات.
كما أشار إلى ملف توريد النقد الأجنبي “الكاش”، الذي توقف منذ عام 2014 استنادًا إلى ما يُتداول كـ“قرار شفهي”، دون وجود وثيقة رسمية واضحة، مؤكدًا أن هذا الملف لم يخضع لأي مراجعة أو مساءلة رغم حساسيته وتأثيره المباشر على الاقتصاد الوطني.
وأضاف أن استمرار الإعلان عن تجاوزات في الإنفاق العام دون اتخاذ إجراءات حقيقية بحق المسؤولين عنها يعكس ضعف دور المؤسسات الرقابية والقضائية، متسائلًا عن الجهة المخولة بحسم هذه القضايا، ومؤكدًا أن ذلك يقع ضمن اختصاص السلطات التشريعية والتنفيذية والرقابية مجتمعة.
وأوضح أن الإفصاح عن هذه الحقائق من شأنه خلق ضغط على المسؤولين، إلا أن غياب ردود الفعل الرسمية يقلل من فعالية هذا الضغط في ظل ما وصفه بـ”وضع استثنائي وغريب” تعيشه الدولة.
وتطرق أبو القاسم إلى ظاهرة التسريبات، موضحًا أنها نتيجة مباشرة لحالة عدم اليقين داخل المؤسسات، بما فيها المصرف المركزي، مشددًا على أن هذا الأسلوب غير مثالي، وأن البديل يتمثل في إصدار بيانات رسمية واضحة عبر متحدث رسمي أو منصات إعلامية معتمدة، لتعزيز المصداقية لدى الرأي العام. وحذر من خطورة التسريبات غير المنضبطة، التي قد تُستخدم لخدمة مصالح فئات معينة أو التأثير على السوق، خاصة مع سرعة انتشار الأخبار وانعكاسها المباشر على سعر الصرف، وإن كان تأثيرها غالبًا مؤقتًا.
وبيّن أن جوهر الأزمة الاقتصادية في ليبيا لا يكمن في الأخبار أو التصريحات، بل في عاملين رئيسيين يتم تجاهلهما: ضعف الإيرادات العامة والانفلات في الإنفاق، مؤكّدًا أن استمرار تجاهل هذين العاملين يعني استمرار الأزمة، وأن أي حلول أخرى لا تتجاوز كونها “مسكنات مؤقتة”.
وأشار إلى أن محاولات سابقة لطرح الحقائق بصراحة واجهت ضغوطًا متزايدة، في ظل تنامي نفوذ قوى غير رسمية، سواء اقتصادية أو مسلحة، التي أصبحت أحيانًا أكثر تأثيرًا من المؤسسات الرسمية، ما يزيد تعقيد المشهد.
ولفت إلى أن استمرار هذه الأوضاع أدى إلى ما وصفه بـ”التطبيع مع الفساد”، حتى على المستوى الشعبي، حيث تراجع التفاعل مع قضايا الفساد مقارنة بالسنوات الماضية رغم تفاقمها، بما في ذلك الإنفاق المزدوج والمخصصات الكبيرة لقطاعات مثل النفط والكهرباء دون نتائج ملموسة، إضافة إلى ملفات مثل مقايضة الوقود التي لم تُوقف بعد. وأكد أن تراجع تأثير النخب والمؤسسات الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني أسهم في إضعاف الضغط على صناع القرار، مشددًا على أن استعادة هذا الدور يتطلب عملًا منظمًا ومشتركًا.
وفي المقابل، أشار إلى بعض التجارب التي أثبتت فاعلية الضغط الشعبي والإعلامي، مستشهدًا بملف الضرائب الذي تم التراجع عنه بعد حملة واسعة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بما يعكس أهمية الدور المجتمعي في التأثير على القرار. واختتم أبو القاسم بالتأكيد على أن غياب التفاعل المجتمعي الفاعل واستمرار السلبية سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع، مشددًا على أن آثار هذه السياسات تنعكس مباشرة على حياة المواطنين ومستقبل أسرهم، ما يستدعي تحركًا جماعيًا أكثر وعيًا وتأثيرًا.









