اخبار مميزةليبيا

الفلاح: لا انتخابات دون توحيد الحكومة والقوى الفاعلة على الأرض هي مفتاح الحل

قال الباحث السياسي علّام الفلاح إن الطرح المتداول بشأن “الخطة الأمريكية” في ليبيا يعكس – وفق تقديره – توجّهًا نحو تراجع أولوية الانتخابات لصالح السعي إلى إبرام صفقة اقتصادية مع واشنطن، أكثر من كونه مسارًا سياسيًا متكاملًا لإدارة الحكم في البلاد.

وأوضح في حديث لتلفزيون «المسار» رصدته «الساعة 24» أن هذه الخطة لا يمكن اعتبارها أمريكية خالصة، مشيرًا إلى أن سلسلة لقاءات جمعتهم بعدد من السفراء والمبعوثين الدوليين، إلى جانب تواصلهم مع مسعد بولس والقائد العام للقوات المسلحة المشير خليفة حفتر، أظهرت وجود توجه نحو تبنّي مقاربة براغماتية قوامها تشكيل حكومة موحدة كمدخل أساسي لحل الأزمة.

وفي السياق ذاته، أبدى الفلاح تحفظه إزاء المسارات التي ترعاها الأمم المتحدة، معتبرًا أن مخرجاتها لم تحقق نتائج ملموسة، وواصفًا تلك الحوارات بأنها أقرب إلى “الكرنفالات السياسية”. مشيراً إلى أن اتفاقي اتفاق الصخيرات وحوار جنيف أفضيا إلى تشكيل حكومات لم تستند إلى توافق حقيقي بين الأطراف المؤثرة.

وشدد الفلاح على أن الأولوية يجب أن تُمنح للتوصل إلى تسوية سريعة ترضي مختلف الأطراف، حتى وإن استدعى ذلك تأجيل الانتخابات مؤقتًا، مقابل تحقيق قدر من الاستقرار الأمني والاقتصادي. مبيناً أن الانتخابات ينبغي التعامل معها كأداة ضمن مسار الحل، لا كغاية نهائية، مؤكدًا أن إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات يمثلان المدخل الفعلي للاستقرار.

ودعا إلى تشكيل حكومة موحدة تشارك فيها الأطراف الرئيسية، لافتًا إلى إمكانية أن يشمل ذلك شخصيات مثل أسامة حماد وعبد الحميد الدبيبة، ضمن تسوية سياسية شاملة. كما انتقد حصر الأزمة في ثنائية الشرق والغرب، متسائلًا عن موقع الجنوب (فزان)، ومشيرًا إلى أن السيطرة الميدانية للقوات المسلحة تمتد إلى مساحات واسعة في الشرق والجنوب، إضافة إلى مناطق في الغرب.

وفي سياق متصل، أكد الفلاح أن هذا الطرح لا يعني منح تفويض لأي طرف خارجي لإلغاء المسار الديمقراطي، موضحًا أن المقاربة الأمريكية – من وجهة نظره – تتسم بالبراغماتية وتركّز على تحقيق الاستقرار عبر ترتيبات مرحلية، سواء اقتصادية أو أمنية، تمهيدًا للانتقال لاحقًا إلى الاستحقاقات السياسية.

كما لفت إلى أن القفز مباشرة نحو إجراء الانتخابات دون وجود بنية مؤسساتية موحدة يطرح تحديات كبيرة، من بينها غياب جهاز أمني موحد يشرف على العملية، فضلًا عن الانقسام داخل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب الشكوك بشأن قبول النتائج من قبل الأطراف المختلفة.

وانطلاقًا من ذلك، رأى الفلاح أن الحل الواقعي يكمن في التفاوض مع القوى الفاعلة على الأرض، بدل الاعتماد على مسارات حوار تضم شخصيات تفتقر إلى التأثير الحقيقي، معتبرًا أن تجارب جنيف وتونس أثبتت محدودية هذا النهج. ودعا، في هذا الإطار، إلى اعتماد مقاربة تدريجية تبدأ بتوحيد السلطة التنفيذية، وصولًا إلى تهيئة الظروف لإجراء انتخابات قابلة للتنفيذ وتحظى بقبول واسع.

وفيما يتعلق بما يُثار حول دخول “خطة السلام” الأمريكية حيّز التنفيذ عبر إجراءات اقتصادية ومناورات عسكرية، شدد الفلاح على ضرورة الابتعاد عن التحليلات السطحية، داعيًا إلى تبنّي قراءة علمية معمّقة تستهدف فهم مسارات الحل بشكل دقيق. كما اعتبر أن الحديث عن فرض حلول أمريكية على الليبيين يُعد “مغالطة”، مؤكدًا أن فكرة توحيد الحكومتين جاءت نتيجة حوارات “ليبية – ليبية” شارك فيها نواب ومسؤولون في القيادة العامة، إلى جانب دبلوماسيين، وانتهت إلى قناعة مشتركة بأن توحيد السلطة التنفيذية يمثل المدخل الأساسي لإنهاء الأزمة.

وأشار الباحث السياسي إلى تصاعد المخاوف – حتى داخل أوساط القيادة العامة – من استمرار حالة الانقسام وتحولها إلى واقع دائم قد يفضي إلى تقسيم فعلي للبلاد، معتبرًا أن ذلك يستدعي البحث عن حلول عاجلة تحافظ على وحدة ليبيا، بدل تكريس معادلة “الشرق والغرب” التي استمرت لسنوات.

وفي الإطار ذاته، أوضح الفلاح أن توصيف هذه التحركات على أنها “مبادرة أمريكية” يُعد تبسيطًا مخلًا، مؤكدًا أنها في جوهرها “مبادرة وطنية”، وإن تقاطعت مع مصالح أو تحركات دولية.

كما لفت إلى أن الولايات المتحدة، في حال سعت لتنفيذ أجندات خاصة – مثل إنشاء قاعدة عسكرية في الجنوب أو الوسط – لن تتمكن من ذلك دون تفاهمات مع القوى الفاعلة ميدانيًا، وفي مقدمتها القيادة العامة، وهو ما يعكس بحسب رأيه طبيعة توازنات القوة داخل المشهد الليبي.

وفي سياق متصل، رفض الفلاح عقد مقارنات بين المسار الحالي وتجارب الحوارات السابقة، مشيرًا إلى أن اتفاق الصخيرات وحوار جنيف لم يضما الأطراف الحقيقية المؤثرة، بل اقتصر الحضور فيهما على شخصيات سياسية لا تمتلك القرار الفعلي على الأرض. وأضاف أن مخرجات تلك المسارات لم تُحترم، مستشهدًا بما حدث مع حكومتي فايز السراج وعبد الحميد الدبيبة، اللتين لم تلتزما بمضامين الاتفاقات التي أفرزتهما.

وانطلاقًا من ذلك، شدد الفلاح على ضرورة عدم تكرار الأخطاء السابقة، داعيًا إلى اعتماد مسار مختلف يقوم على التفاوض المباشر بين القوى المسيطرة فعليًا على الأرض، بهدف التوصل أولًا إلى تشكيل حكومة موحدة، على أن تُبحث لاحقًا مسألة تقاسم السلطة ضمن تسوية شاملة تراعي موازين القوى وتحقق حدًا أدنى من التوافق.

كما تطرق إلى المواقف الدولية والإقليمية، متسائلًا عن مدى قبول جميع الأطراف الخارجية، مثل مصر وتركيا، بأي تسوية محتملة، خاصة في ظل مؤشرات توحي بعدم وجود توافق كامل بشأن التحركات الأمريكية في الملف الليبي، الأمر الذي قد يفرض تحديات إضافية أمام أي مسار سياسي قادم.

وضمن هذا الطرح، استشهد الفلاح بمقولة “من يملك القمر لا ينشغل بالنجوم”، في إشارة إلى ضمانات تنفيذ أي اتفاق سياسي، مؤكدًا أن غياب جهة ضامنة كان من أبرز أسباب تعثر الاتفاقات السابقة، سواء من جانب الأمم المتحدة أو الدول الراعية، التي لم تتمكن من فرض الالتزام بمخرجات تلك التفاهمات.

وأضاف أن أي اتفاق محتمل بين القيادة العامة والسلطة القائمة في طرابلس يجب أن يكون مدعومًا بضمانات واضحة، معتبرًا أن واشنطن تمتلك أدوات “الضغط والترغيب” معًا، بما يمكّنها من دفع الأطراف نحو الالتزام، في حال تعثر التنفيذ أو انحرف عن مساره.

وفي سياق آخر، انتقد الفلاح الأطروحات المتعلقة بدمج المؤسسات العسكرية، موضحًا أن الواقع الميداني يعكس تفاوتًا كبيرًا، إذ تضم القوات النظامية التابعة للقيادة العامة عشرات الآلاف من العسكريين من مختلف أنحاء البلاد، في مقابل أعداد محدودة من العسكريين النظاميين في طرابلس، بينما تمثل بقية التشكيلات مجموعات مسلحة ذات طابع أمني أكثر من كونها قوات عسكرية نظامية.

كما أشار إلى أن هذه التشكيلات، رغم تعدد مسمياتها، لا تتبع في معظمها وزارة الدفاع، بل ترتبط بهياكل أمنية مختلفة، ما يجعل عملية دمجها في مؤسسة عسكرية موحدة أمرًا معقدًا، ويتطلب معالجة جذرية لوضعها القانوني والتنظيمي.

وفيما يتعلق برؤية الحل، اعتبر الفلاح أن المقاربة البراغماتية تفرض التركيز في المرحلة الحالية على تحقيق قدر من الاستقرار، حتى وإن تم ذلك عبر تفاهمات تفتح المجال أمام مصالح اقتصادية، بما في ذلك انخراط شركات أمريكية في قطاع النفط، مقابل تهدئة الأوضاع الأمنية.

ورغم إقراره بوجود أطراف داخلية قد تعارض هذه الترتيبات، شدد على أن الحل يجب أن ينطلق من الداخل الليبي، لا أن يُرتهن لمواقف قوى إقليمية، مؤكدًا أن التفاهم بين الأطراف الفاعلة – وفي مقدمتها القيادة العامة والسلطة في طرابلس – يمثل مسارًا وطنيًا يمكن البناء عليه، خاصة في ضوء اللقاءات التي استضافتها تونس وشاركت فيها شخصيات سياسية ليبية.

كما شدد على أن أي تسوية سياسية ينبغي أن تقوم على مبدأ الشراكة في إدارة الدولة، بدل الصراع على تقاسمها، مؤكدًا أن الهدف النهائي يظل الوصول إلى الانتخابات، ولكن بعد تهيئة الظروف المناسبة، وفي مقدمتها توحيد الحكومة والمؤسسات.

وبين أن إجراء انتخابات في ظل وجود حكومتين ومنظومة منقسمة لن يقود إلى نتائج مستقرة، بل قد يفاقم الأزمة، مجددًا التأكيد على دعمهم لإجراء الانتخابات “في أقرب وقت ممكن”، شريطة أن تتم ضمن إطار مؤسساتي موحد وقادر على إدارتها بكفاءة.

وبالانتقال إلى البعد الإقليمي، لفت الفلاح إلى أن مواقف دول مثل مصر وتركيا تظل عاملًا مؤثرًا في المشهد الليبي، إلا أنه شدد في الوقت ذاته على أن القرار النهائي يجب أن يبقى بيد الليبيين، مع ضرورة الحفاظ على السيادة الوطنية، خاصة فيما يتعلق بملف الوجود العسكري الأجنبي داخل البلاد.

وفي سياق متصل، تناول الفلاح مسألة إمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن سلطة رئاسية عليا دون توسيع دائرة المفاوضين، مؤكدًا ضرورة عدم “وضع العربة أمام الحصان”، ومشددًا على أن الأولوية في المرحلة الراهنة يجب أن تنصب على تشكيل حكومة موحدة قبل الخوض في تفاصيل الهياكل السياسية الأخرى.

كما أشار إلى أن النقاشات الجارية لا تزال تتركز حول إيجاد حكومة واحدة، معتبرًا أن الحديث عن مجلس رئاسي أو ترتيبات سياسية متقدمة في ظل غياب حكومة موحدة يُعد قفزًا على الواقع. وأضاف أن هذا التوجه لا يُفرض من الخارج، بل يعكس مقاربة وطنية توافقت عليها الأطراف الفاعلة على الأرض، ووجدت في الوقت ذاته قبولًا لدى بعض الأطراف الدولية المعنية بالملف الليبي.

وانتقد الفلاح بعض الأسماء والكيانات المطروحة ضمن هذه الترتيبات، معتبرًا أنها تفتقر إلى التأثير الحقيقي، مشيرًا إلى أن تجارب سابقة أظهرت تقلب مواقف بعض الأطراف التي عارضت حكومات ثم عادت لدعمها لاحقًا.

وأكد أن القوى المسيطرة ميدانيًا، وعلى رأسها القيادة العامة ومجلس النواب، قدمت تنازلات في سبيل الوصول إلى تسوية، رغم سيطرتها على مساحات واسعة من البلاد تشمل الشرق والجنوب، مقابل أطراف أخرى تتركز في نطاق جغرافي محدود نسبيًا، معتبرًا أن هذه التنازلات تأتي في إطار السعي لتوحيد مؤسسات الدولة وتحقيق الاستقرار.

وفي سياق حديثه، استحضر الفلاح خلفيات عملية الكرامة، مشيرًا إلى أنها جاءت استجابة لتهديدات أمنية خطيرة، ومؤكدًا أن هدفها كان حماية “كرامة الإنسان الليبي” وتعزيز الأمن والاستقرار.

كما أوضح أن الصيغة المطروحة للحل قد تتضمن الإبقاء على هيكل تنفيذي قائم على مجلس رئاسي مكوّن من ثلاثة أعضاء، إلى جانب حكومة برئاسة رئيس ونائبين، وذلك خلال فترة انتقالية تتراوح بين ستة أشهر وسنتين، تمهيدًا للوصول إلى الانتخابات. وشدد على أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بتوحيد المؤسسات، محذرًا من أن استمرار الانقسام الحكومي والأمني سيعرقل أي استحقاق انتخابي.

ولفت إلى وجود مؤشرات على قبول إقليمي بهذا التوجه، موضحًا أن كلًا من تركيا ومصر قد لا تعارضان أي تسوية تفضي إلى توحيد الحكومة الليبية، خاصة في ظل تضرر مختلف الأطراف من استمرار الانقسام المؤسسي.

واختتم الفلاح حديثه بالتأكيد على أن أي مقترح سياسي يظل جهدًا بشريًا قابلًا للنقد والتطوير، لافتًا إلى أن رفض المبادرات بشكل مطلق دون تقديم ملاحظات موضوعية لا يسهم في الحل، ومضيفًا أن العمل السياسي بطبيعته “نسبي” وليس مثاليًا، وبالتالي من الطبيعي أن يتضمن ثغرات يمكن معالجتها عبر الحوار والتعديل. كما شدد في ختام حديثه على أن الحل العملي يبدأ بتشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات، معتبرًا أن استمرار الانقسام المؤسسي سيظل العائق الأكبر أمام أي تقدم سياسي في ليبيا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى