راغب: الانفتاح الدولي على المؤسسة العسكرية الليبية خطوة إيجابية
أكد الخبير العسكري والاستراتيجي سمير راغب أن تحقيق الاستقرار في ليبيا يتطلب مسارًا تدريجيًا ومتكاملًا يشمل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية، مشددًا في الوقت ذاته على أن بناء الثقة في توحيد المؤسسة العسكرية يمثل الركيزة الأساسية في هذه المرحلة.
وأوضح راغب، في حديث لتلفزيون «المسار»، رصدته «الساعة 24»، أن الحل يجب أن يكون وطنيًا شاملًا، لافتًا إلى وجود رؤيتين لمستقبل ليبيا، إحداهما متفائلة والأخرى أقل تفاؤلًا، مضيفًا أن تحقيق التقدم يستوجب العمل بالتوازي على ثلاثة مسارات رئيسية هي: العسكري والسياسي والاقتصادي، مع إعطاء أولوية خاصة للمسار العسكري. كما أشار إلى أن نجاح الليبيين في بناء جيش موحد يحظى بدعم دولي ويمثل خطوة مهمة إلى الأمام، حتى وإن لم تظهر نتائجه بشكل فوري.
وأضاف أن وجود جيش موحد، إلى جانب موازنة عامة موحدة ومسار سياسي واضح، يمكن أن يقود في نهاية المطاف إلى استحقاقات دستورية تشمل صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، مؤكدًا أن هذه العملية لن تتحقق دفعة واحدة، بل عبر مراحل متتالية ومترابطة.
ولفت راغب إلى أن أحد أبرز التحديات التي واجهت ليبيا في الفترة الماضية هو تعامل المجتمع الدولي معها باعتبارها دولة تنتشر فيها الميليشيات، وتفتقر إلى مؤسسات حقيقية، مشددًا على أن تغيير هذه الصورة عبر الاعتراف بوجود جيش موحد يُعد خطوة مفصلية في استعادة الثقة الدولية. وفيما يتعلق بالعلاقات الدولية، أوضح أن الانفتاح على قوى مثل روسيا يُعد أمرًا طبيعيًا، إلا أنه حذّر في المقابل من الاعتماد على طرف واحد، مؤكدًا أن صناعة القرار تتطلب تنوعًا في الشراكات الدولية وتوازنًا في العلاقات.
وأشار إلى أن مصر تركز بشكل أساسي على دعم توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية في ليبيا، باعتبار ذلك شرطًا ضروريًا لإجراء انتخابات آمنة، متسائلًا عن كيفية تنظيم انتخابات في ظل غياب مؤسسة عسكرية وأمنية قادرة على تأمينها، حتى لا تتم العملية “تحت فوهات البنادق”. وأكد أن الجهود الليبية في مكافحة الإرهاب منذ عام 2014، بما في ذلك مواجهة تنظيمات مثل “داعش”، تمثل أساسًا مهمًا يجب البناء عليه، مع ضرورة الحفاظ على الجاهزية العسكرية وتعزيزها.
كما شدد على أن أي تدريبات أو مناورات عسكرية مشتركة لا تستهدف طرفًا بعينه، بل تهدف إلى رفع كفاءة القوات الليبية في مواجهة الإرهاب، وهو ما ينعكس إيجابًا على ليبيا ومصر والمنطقة بأكملها، موضحًا أن وجود قوات دولية أو تعاون عسكري خارجي يتم في إطار دعم الأمن الليبي لا بديلاً عنه، وأن هذه الخطوات تسهم في إرسال رسائل إيجابية بشأن استقرار ليبيا، بما ينعكس على الاقتصاد والاستثمار والسياحة.
ورأى راغب أن هذه التحركات تمثل خطوات إيجابية إلى الأمام، حتى وإن لم تؤدِ إلى نتائج فورية، إلا أنها تضع ليبيا على مسار استعادة الاستقرار وبناء الدولة. وأضاف أن معالجة الأزمة الليبية تتطلب التعامل مع الواقع القائم على الأرض وليس مع تصورات نظرية منفصلة عن المعطيات الفعلية، مشددًا على أن الانقسام بين الشرق والغرب لا يمكن تجاوزه عند البحث عن تسوية حقيقية.
وبينّ أن أي طرح يتجاهل وجود قوى فاعلة على الأرض، مثل الجيش الوطني الليبي، لن يفضي إلى نتائج عملية، لافتًا إلى أن المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، بدأ يُظهر انفتاحًا تدريجيًا تجاه هذا التشكيل بعد فترة من عدم الاعتراف به. وأشار إلى أن التدخلات الإقليمية والدولية كانت أحد أبرز أسباب تعثر المسارات السياسية، خصوصًا في ظل تضارب المصالح والدعم المتبادل بين أطراف خارجية، وهو ما انعكس سلبًا على مبادرات الحل، مثل مسار “5+5”.
وأضاف أن التطورات الحالية لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تراكمات وصراعات ممتدة، مؤكدًا أن أي تحرك سياسي جديد سيواجه بطبيعة الحال معارضة وتشكيكًا، إلا أنه يمثل امتدادًا لمحاولات بناء مؤسسات عسكرية ودولة موحدة. وشدد على أهمية الدور المصري في دعم استقرار ليبيا، معتبرًا أن القاهرة تنتهج سياسة واقعية تقوم على إدارة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية بما يخدم هدف إقامة دولة ليبية مستقرة تمتلك مؤسسات فاعلة وجيشًا موحدًا.
كما لفت إلى أن الانفتاح على الولايات المتحدة قد يكون عاملًا مهمًا في دعم الاستقرار، موضحًا أن واشنطن، رغم تعقيد سياساتها، يمكن أن تلعب دورًا في حماية المسارات السياسية مقارنة بأطراف دولية أخرى. وأكد أن ليبيا بعد سنوات من الفوضى لن تعود إلى ما كانت عليه سابقًا، بل ستتشكل وفق معطيات جديدة، ما يستوجب اعتماد مقاربة واقعية في التحليل والحلول بعيدًا عن الشعارات أو التمنيات.









