“المسماري”: المبادرة الأمريكية تتسم بالجرأة وتسعى لمسار تدريجي في ليبيا

قال أستاذ القانون في الجامعات الليبية راقي المسماري، إن المسار السياسي في ليبيا ظل منذ عام 2013، يُعاد إنتاجه بصورة متكررة دون أن يفضي إلى قيام سلطة حاكمة موحدة تشمل مختلف مناطق البلاد وأقاليمها، مشيرًا إلى أن هذا التكرار لم ينجح في تحقيق برامج تنموية أو دفاعية أو حتى خدمية، وأن المشهد العام بقي في حالة “تدوير” دون تقدم ملموس.
وأوضح المسماري، في حديث لتلفزيون “المسار”، ورصدته “الساعة24″، أن الطرح الأمريكي الذي بدأ يتبلور في نوفمبر 2025 يقوم على مقاربة تدريجية تنطلق من المسار الاقتصادي، ثم تنتقل إلى المسار الأمني قبل الوصول إلى معالجة سياسية، لافتًا إلى أن الرؤية الأمريكية تفترض أن تحسين الوضع الاقتصادي واستقرار الحالة الأمنية من شأنهما تهيئة أرضية مناسبة لإنتاج تسوية سياسية لاحقة.
وأضاف أن هذا الطرح يتسم – بحسب وصفه – بـ “الجرأة والسرعة”، مرجعًا ذلك إلى أن حكومة الدبيبة أصبحت تمثل “أمرًا واقعًا” في غرب ليبيا، بعد تمكنها من ترسيخ نفوذها ميدانيًا وتحركاتها خلال الفترة الماضية، بما في ذلك عمليات عسكرية وإعادة ترتيب لعدد من التوازنات داخل المنطقة الغربية، وهو ما جعلها في موقع متقدم داخل المشهد السياسي.
وأشار إلى أن هذا الواقع دفع الولايات المتحدة إلى التعامل مع الملف الليبي بمنطق الاختصار والتركيز على الفاعلين القائمين فعليًا على الأرض، بدلًا من محاولة إعادة تشكيل المشهد من جديد عبر ترتيبات سياسية شاملة، وهو ما يفسر، وفق رأيه، إعطاء الأولوية للمسارات الاقتصادية والأمنية.
وفيما يتعلق بالمسار الاقتصادي، قال المسماري، إن هناك تسارعًا ملحوظًا في طرح التفاهمات الاقتصادية مقارنة بالمسار السياسي الذي وصفه بالبطيء والمعقد، مشيرًا إلى أن بعثة الأمم المتحدة حاولت في أكثر من محطة بناء توافقات شاملة بين الأطراف الليبية، لكنها اصطدمت بصعوبة توحيد المواقف بين مختلف القوى السياسية.
أما في الجانب الأمني، فأكد أن التحركات الدولية، بما في ذلك المناورات والتدريبات التي يشارك فيها عدد من الأطراف الإقليمية والدولية، تعكس اتجاهًا نحو بناء ترتيبات أمنية موازية، في وقت تقدم فيه حكومة الوحدة وعدد من المؤسسات العسكرية في غرب البلاد على هذا المسار.
وفيما يخص المسار السياسي، اعتبر المسماري، أنه لا يزال الأكثر تعقيدًا، مشيرًا إلى أن الأطراف السياسية الليبية الرئيسية، بما فيها مجلس النواب ومجلس الدولة والمجلس الرئاسي، ما زالت تتحرك ضمن توازنات داخلية مرتبطة بدور حكومة الدبيبة، التي قال إنها أصبحت مؤثرة في مجمل التفاهمات والقرارات السياسية داخل المشهد الليبي.
وأكد أن أي ترتيبات سياسية قادمة ستظل مرهونة بمدى قدرة الأطراف الليبية على التوافق الداخلي، في ظل استمرار تأثير التوازنات القائمة داخل مؤسسات الدولة وتداخلها مع المبادرات الإقليمية والدولية.
وفي سياق متصل، قال المسماري، إن المجلس الرئاسي، المنبثق عن مخرجات حوار جنيف، ظل جزءًا من تركيبة السلطة التنفيذية المرتبطة بحكومة الوحدة الوطنية، وليس كيانًا منفصلًا عنها، مشيرًا إلى أن مواقفه خلال السنوات الماضية كانت في مجملها متوافقة مع الحكومة التي تتقاسم معه بنية الحكم.
وأوضح أن الرئاسي “رهين للشراكة السياسية” مع حكومة الوحدة المؤقتة، ولا يتحرك خارج إطارها، لافتًا إلى أن مواقفه المتقلبة من بعض الملفات، بما في ذلك التشكيل الوزاري، انتهت في حالات سابقة إلى التوافق مع الحكومة رغم اعتراضات معلنة لرئيسه محمد المنفي، وهو ما يعكس طبيعة الترابط بين المؤسستين.
وأضاف أن المجلس الرئاسي، ورغم امتلاكه صلاحيات دستورية وسياسية، لم ينجح خلال السنوات الماضية في دفع العملية السياسية نحو تسوية شاملة، سواء في تقريب وجهات النظر بين مجلسي النواب والأعلى للدولة أو في معالجة الملفات الخلافية الكبرى، مشيرًا إلى أن أداءه اتسم بالدفاع عن الحكومة أكثر من كونه وسيطًا توافقياً مستقلاً.
وفي السياق ذاته، اعتبر المسماري، أن المبادرة الأمريكية الجارية في ليبيا تتسم بالجرأة والواقعية، وتعتمد على مقاربة تدريجية تبدأ بالملف الاقتصادي عبر ترتيبات مالية وإصلاحات هيكلية بدعم من مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، قبل الانتقال إلى المسار الأمني ثم السياسي.
وأشار إلى أن هذه المقاربة تهدف إلى منع انهيار مالي محتمل في ليبيا عبر ضبط الإنفاق وتنظيم القطاع المصرفي وإعادة هيكلة بعض السياسات الاقتصادية، لافتًا إلى أن هذا المسار يسير بالتوازي مع تحركات أمنية ومناورات عسكرية تسعى إلى تقليص الفجوة بين الأطراف المسلحة في الشرق والغرب.
وأكد أن التحدي الحقيقي أمام أي مبادرة يبقى في غياب توافق ليبي قادر على إنتاج تسوية سياسية مستقلة، موضحًا أن كل طرف داخل المشهد الحالي يسعى إلى الحفاظ على موقعه في السلطة، وهو ما يجعل الوصول إلى تسويات داخلية خالصة أمرًا بالغ الصعوبة.
وفيما يتعلق بالمقاربة الدولية، قال إن الولايات المتحدة باتت تمارس دورًا محوريًا في إدارة ملف التسوية الليبية، في ظل تنافسات دولية وأوروبية، غير أن قوة الدفع الأمريكية تجعل من الصعب على أي طرف خارجي تعطيل مسار التسوية إذا ما استقر القرار الأمريكي على اتجاه معين.
وقال المسماري، إن تنفيذ الاتفاق التنموي في ليبيا سيتم عبر المصرف المركزي، معتبرًا أن ذلك يمثل تحولًا في طبيعة دوره من سلطة نقدية تقليدية إلى جهة تنفيذ مالي مباشر تتولى تطبيق الاتفاقات الاقتصادية والمالية داخل البلاد.
وأوضح أن المصرف المركزي أصبح الجهة المركزية المسؤولة عن تنفيذ الاتفاق المالي، لافتًا إلى أن التغييرات التي طرأت على إدارته أدت إلى حالة من العزلة المالية الجزئية لليبيا عن المنظومة النقدية العالمية، خصوصًا فيما يتعلق بعمليات التحويلات المالية من وإلى الخارج.
وأضاف أن واشنطن لا تمتلك حاليًا مصلحة اقتصادية مباشرة في ليبيا، مرجحًا أن تكون المصلحة الأمريكية ذات طابع جيوسياسي مرتبط بإعادة تشكيل التوازنات الدولية وإعادة توزيع المراكز اللوجستية العالمية.
كما أشار إلى احتمال تحول ليبيا مستقبلًا إلى منصة لوجستية دولية بديلة، مع وجود مؤشرات على تحركات اقتصادية في مدن مثل بنغازي ومشاريع لإعادة تموضع بعض الأنشطة الاقتصادية العالمية.
واعتبر المسماري، أن تجارب المبادرات والحوارات الأممية السابقة لم تحقق نتائج ملموسة على الأرض رغم ما صاحبها من إنفاق كبير، مشيرًا إلى أن مخرجات جنيف لم تُترجم إلى إنجازات تنموية أو مؤسساتية واضحة.
وقال إن المرحلة الحالية لم تقدم نتائج عملية ملموسة في ظل استمرار التباين السياسي وغياب الاستقرار المؤسسي الكامل.
وفيما يتعلق بدور بعثة الأمم المتحدة، أوضح أنها تحولت إلى إطار لنشاط سياسي قائم على الحوارات والندوات أكثر من كونها جهة تنفيذية قادرة على فرض حلول مباشرة، مرجحًا أن تتجه المبادرات الحالية إلى دعم تنفيذ الاتفاقات القائمة بدلًا من إنتاج مسارات جديدة.
وختم بالإشارة إلى أن المرحلة السياسية المقبلة في ليبيا تبدو مرحلة انتقالية مؤقتة تهدف إلى تهيئة الأرضية لمسار سياسي دائم يقوم على مخرجات الحوار المهيكل، وصولًا إلى دستور وانتخابات وإعادة تشكيل المؤسسات عبر آليات ديمقراطية قائمة على الصناديق الانتخابية.









