اخبار مميزةليبيا

الديباني: القيادة العامة طرف رئيسي لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية

قال القانوني والباحث السياسي عبد الله الديباني، إن التعامل مع الأزمة الليبية يجب أن ينطلق من قراءة الواقع كما هو دون إسقاط نماذج مثالية أو فلسفية غير قابلة للتطبيق، معتبرًا أن أي حلول سياسية لا تتناغم مع الواقع الميداني والمؤسسات القائمة ستظل خارج نطاق التنفيذ.

وأوضح الديباني، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته “الساعة 24″، أن الحديث عن “الدولة الفاضلة”، أو نماذج الحكم المثالية القائمة على التداول الكامل والانتخابات الدورية لا يعكس طبيعة الواقع الليبي، مشيرًا إلى أن بناء الحلول يجب أن يأخذ في الاعتبار التوازنات الفعلية على الأرض، بما في ذلك وجود قوى مسيطرة وفاعلة.

واعتبر الديباني أن القيادة العامة للقوات المسلحة تمثل طرفًا رئيسيًا ومؤثرًا في المشهد الليبي، مشيرًا إلى أنها تسيطر على نسبة كبيرة من الجغرافيا أو النفوذ، الأمر الذي يجعل أي تسوية سياسية غير قابلة للنجاح دون إشراك هذا الطرف بشكل مباشر.

ورأى أن أي مبادرة تتحدث عن الحوار “الليبي – الليبي” أو التوافق السياسي بينما تستثني أطرافًا فاعلة، تظل – على حد قوله – ناقصة وغير قابلة للتطبيق، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن بعض القوى السياسية تتعامل مع ملفات مثل الدستور أو الانتخابات بصورة انتقائية لا تنسجم مع متطلبات الحل الشامل.

كما انتقد الديباني تغير المواقف السياسية تجاه الاستحقاقات الانتخابية، مشيرًا إلى الجدل الذي رافق الانتخابات السابقة سواء الرئاسية أو البرلمانية، وما صاحبها من خلافات حول القوانين المنظمة والأسماء المرشحة.

وفي السياق ذاته، رأى أن الاعتراض على بعض المبادرات الدولية بحجة أنها “خارجية” لا يتسق مع الواقع السياسي، موضحًا أن أغلب الدول تتعامل رسميًا مع مبعوثين دوليين ضمن أطر دبلوماسية معتمدة ومعترف بها.

وأكد الديباني أن السياسة في جوهرها تقوم على “الصفقات والتوازنات”، مشددًا على أن الفرق يكمن بين الممارسة السياسية الواقعية والتنظير الذي لا يراعي تعقيدات المشهد على الأرض.

كما أشار إلى أن الجدل حول مشروع الدستور يُستخدم أحيانًا كأداة لإطالة الأزمة بدل حلّها، معتبرًا أن بعض الأطراف توظف الملف في الصراع السياسي بدل التعامل معه كمشروع وطني جامع.

وأوضح أن طرح الاستفتاء على الدستور بصيغته الحالية يثير إشكاليات، خاصة مع امتناع بعض الأطراف في مراحل سابقة عن المشاركة في أعمال الهيئة التأسيسية، لأسباب تتعلق بتمثيل المكونات الثقافية، وهو ما أدى إلى تعقيد مسار التوافق. مبيناً أن توظيف البعد الثقافي والهوية في الصراع السياسي ساهم في زيادة الانقسام بدل تقليصه، ما انعكس سلبًا على فرص التوصل إلى تسوية دستورية شاملة.

وشدد الديباني على ضرورة أن يحظى الدستور بقبول واسع، مقترحًا اعتماد آليات تضمن توافقًا وطنيًا حقيقيًا يعكس مختلف الأقاليم والمكونات الاجتماعية.

كما أشار إلى أن الخلافات حول آليات الاستفتاء، بما في ذلك الدوائر الانتخابية وطبيعة التصويت، تعكس انقسامًا سياسيًا عميقًا ما يزال قائمًا، معتبرًا أن استمرار التركيز على هذه النقاط دون حل سياسي شامل سيبقي الأزمة في حالة دوران مستمر.

وحول مسارات الحل، أكد الديباني أن الانتخابات البرلمانية المباشرة تمثل الخيار الأكثر واقعية للخروج من حالة الانسداد، منتقدًا في الوقت ذاته التجاذبات التي رافقت التجارب السابقة وأدت إلى تعطيل نتائجها أو إعادة إنتاجها خارج الإطار الديمقراطي.

كما تطرق إلى الوضع السياسي والأمني، مؤكدًا أن ليبيا لا تزال تعاني من تعدد مراكز القوة وغياب سلطة موحدة قادرة على فرض الاستقرار، لافتًا إلى أن الترتيبات الأمنية والمؤسساتية لم تكتمل بعد بالشكل المطلوب.

وشدد على أن الواقعية السياسية تقتضي التعامل مع ميزان القوى القائم على الأرض بدل القفز عليه، مضيفًا أن أي حل لا يأخذ هذا الواقع بعين الاعتبار سيبقى نظريًا وغير قابل للتطبيق.

وفي سياق آخر، أشار الديباني إلى أن المبادرة الأمريكية المطروحة لحل الأزمة الليبية تتقدم نحو مراحلها النهائية، موضحًا أنها تشمل معالجة الملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية في إطار متكامل يهدف إلى إنهاء حالة الانقسام. وبيّن أن المبادرة حققت، بحسب قوله، تفاهمات اقتصادية وتقدمًا في الترتيبات الأمنية، بما في ذلك خطوات أولية نحو تشكيل قوة مشتركة وتوحيد المؤسسة العسكرية.

وأضاف أن بعض الانتقادات التي تصف المبادرة بأنها “صفقة سياسية” ليست جديدة، بل تعكس نمطًا متكررًا من الاعتراض الذي صاحب مسارات سابقة في ليبيا.

كما أوضح أن المبادرة المطروحة منذ عام 2025 تتضمن معالجة شاملة للأزمة في أبعادها الثلاثة: الاقتصادية والأمنية والسياسية، معتبرًا أن ذلك يمثل تطورًا مقارنة بالمراحل السابقة.

وانتقد الديباني ما وصفه بازدواجية الخطاب السياسي، حيث يتم رفع سقف الاعتراضات علنًا مقابل الدخول في تفاهمات غير معلنة لاحقًا، مشيرًا إلى أن هذا السلوك تكرر في عدة محطات سياسية. لافتاً إلى أن نجاح المبادرة الحالية يعتمد على مدى قبول الأطراف الفاعلة لها أو مشاركتها في تعديل مساراتها بدل رفضها بالكامل، موضحًا أن الحلول الجزئية لا تكفي لإنهاء الأزمة.

واختتم الديباني بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب تعاملًا واقعيًا مع المبادرات المطروحة بدل الاكتفاء برفضها أو التشكيك فيها، مشددًا على أن أي تسوية سياسية لن تنجح ما لم تستند إلى موازين القوى الفعلية والتفاهمات العملية بين الأطراف المؤثرة في المشهد الليبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى