اخبار مميزةليبيا

العبود: المبعوثة الأممية وجدت في المبادرة الأمريكية رافعة لإنهاء الجمود السياسي

أكد المحلل السياسي أحمد العبود، أن التحركات الأمريكية الأخيرة في الملف الليبي تمثل نقطة تحول مفصلية في مسار التسوية السياسية، مشيراً إلى أن المبعوثة الأممية “هانا تيتيه” وجدت في المبادرة الأمريكية التي يقودها مسعد بولس “رافعة سياسية وتنفيذية” يمكن أن تُخرج العملية السياسية من حالة الجمود والفشل التي رافقتها خلال السنوات الماضية.

وأوضح العبود، في حديث لقناة «ليبيا الأحرار»، رصدته «الساعة 24»، أن المبعوثة الأممية واجهت منذ بداية مهامها صعوبات كبيرة في تنفيذ خارطة الطريق الأممية، وذلك بسبب استمرار الانسداد السياسي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وهو ما دفعها إلى التوجه نحو مجلس الأمن الدولي والتأكيد على أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر دون حلول حاسمة.

وفي هذا السياق، أشار إلى أن المبعوثة بدأت فعلياً في إشراك ما وصفها بـ”أطراف القوة الفاعلة” في المشهد الليبي، بعدما تبيّن لها أن إقصاء هذه الأطراف كان أحد أبرز أسباب فشل المبادرات السابقة، وهو ما تكرر مع مبعوثين دوليين سابقين مثل عبد الله باتيلي، وستيفاني وليامز وغيرهم.

وأضاف العبود أن البعثة الأممية باتت تعتمد رؤية مختلفة تقوم على معالجة ما وصفه بـ “الخلل الأممي” في إدارة الأزمة الليبية، لافتاً إلى أن ” تيتيه” رأت في التحرك الأمريكي بارقة أمل حقيقية لإعادة إحياء المقترحات السياسية، خاصة مع تفعيل مسارات متوازية تشمل الجوانب الأمنية والعسكرية والاقتصادية والمالية، إلى جانب المسار السياسي الذي انطلق عبر لقاءات في واشنطن وروما وباريس.

وبحسب العبود، فإن الاجتماع الأول للجنة “4+4” الذي عُقد في العاصمة الإيطالية روما أفضى إلى نتائج وصفها بـ “الناجحة”، مشيراً إلى أن اللافت فيه هو غياب الأصوات المعارضة من داخل مجلس الدولة الاستشاري، بينما يُنتظر أن يحقق اللقاء المرتقب في تونس مخرجات إضافية تعزز هذا المسار.

كما أوضح أن أهمية المبادرة الأمريكية لا تكمن فقط في طرح الحلول السياسية، بل تتجاوز ذلك إلى توفير ضمانات دولية لتنفيذها، معتبراً أن الانخراط الأمريكي المباشر يعني وجود مؤسسات ضامنة قادرة على فرض تطبيق التفاهمات، وهو ما افتقدته المبادرات الأممية السابقة.

وفي سياق متصل، قال العبود إن الحديث عن الرعاية الأمريكية لا يقتصر على البعد السياسي، بل يشمل أبعاداً أمنية وعسكرية واقتصادية، إذ يرتبط المسار الأمني بأدوار تقودها القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “أفريكوم” ووزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، إلى جانب حلف شمال الأطلسي “الناتو”، بينما يقود الجانب الاقتصادي مؤسسات مثل الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي.

وأضاف أن واشنطن تعمل كذلك على إشراك الأطراف الإقليمية والأوروبية في هذا المسار، بما يمنحه زخماً دولياً غير مسبوق، داعياً إلى عدم التسرع في الحكم على المبادرة أو التنبؤ بفشلها في هذه المرحلة المبكرة.

وأكد أن من المبكر الحديث عن تعثر المسار، خصوصاً أن المراحل الأولى أظهرت مؤشرات نجاح أولية، لافتاً إلى أن الحوار الموسع الجاري الحديث عنه قد يشكل امتداداً لما وصفه بـ “الترويكا الرباعية”، وهي صيغة سبق أن طرحتها المبعوثة الأممية باعتبارها إطاراً جامعاً للأطراف الليبية.

وفي سياق تقييم التجارب السابقة، أوضح العبود أن الاتفاقات السياسية وحدها لم تكن كافية، مستشهداً بما حدث في عام 2021 عندما تم التوصل إلى قوانين انتخابية لم تُنفذ بسبب غياب الضمانات الدولية وعدم وجود آليات تنفيذ فعالة.

كما أضاف أن ليبيا جربت منذ عام 2014 مختلف المبادرات الأممية، لكنها اصطدمت دائماً بغياب الرعاية الدولية الفعلية، وهو ما أدى إلى استمرار ما وصفه بـ “المراحل الانتقالية الفاشلة” لأكثر من عقد من الزمن.

وفي ضوء ذلك، اعتبر العبود أن المبادرة الأمريكية الحالية تمثل فرصة حقيقية أمام الليبيين، داعياً القيادات السياسية إلى التعامل معها بجدية وعدم التفريط فيها، باعتبارها قد تفتح الباب لأول مرة أمام تسوية قابلة للتطبيق على أرض الواقع.

ومن جهة أخرى، أكد العبود أن النقاشات الجارية تتركز حول القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، نافياً وجود توجه رسمي لإجراء الانتخابات البرلمانية فقط وتأجيل الرئاسية. وأشار إلى أن بعض الأطروحات داخل لجنة “6+6” اقترحت إجراء الانتخابات التشريعية أولاً، مع تأجيل الرئاسية أو ربطها بالجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية، خاصة في ظل الحديث عن نظام تشريعي مزدوج يضم مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

وبيّن أن المركز التفاوضي في شرق البلاد وجنوبها، ممثلاً في مجلس النواب والقيادة العامة للقوات المسلحة، شارك بشكل إيجابي في الجولة الأولى من مفاوضات روما، انطلاقاً من المسؤولية الوطنية والرغبة في إنهاء الانقسام المستمر منذ عام 2014.

وشدد على أن جميع الملفات لا تزال قيد التفاوض، موضحاً أنه لا توجد أي معلومات مؤكدة بشأن تنازلات تتعلق بترتيب الانتخابات، مؤكداً أن الموقف الثابت هو إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بشكل متزامن.

كما أضاف أن النقاشات الحالية تشمل مراجعة الملاحظات الإجرائية الواردة في مسودة لجنة “6+6″، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة ستكون معقدة لكنها ضرورية للوصول إلى تسوية شاملة تنهي الانقسام السياسي.

وفيما يتعلق بشروط الترشح، خصوصاً ما يخص العسكريين ومزدوجي الجنسية، أوضح العبود أن هذه القضايا كانت محوراً أساسياً في المفاوضات، مشيراً إلى أن البعثة الأممية سابقاً لم تفرض قيوداً على العسكريين خلال حوار “تونس – جنيف”، وهو ما انعكس لاحقاً في القوانين الانتخابية لعام 2021.

وأضاف أن لجنة “6+6” قدمت حلولاً إجرائية لهذه الإشكاليات، منها إلزام مزدوج الجنسية بالتخلي عن جنسيته الأجنبية في حال الفوز، وكذلك تقديم استقالة العسكري قبل استكمال الترشح النهائي.

وأشار إلى أن الجولة المقبلة في تونس ستناقش الإطار العام للانتخابات، إضافة إلى معالجة أسباب تعثر انتخابات 2021، مؤكداً أن ليبيا لم تعد تحتمل المزيد من التأجيل.

وفي سياق متصل، أوضح أن العملية الانتخابية لا تقتصر على القوانين فقط، بل تشمل ملفات معقدة مثل الرقم الوطني، وقضايا الجنسية، وآليات العدالة، وهي ملفات تحتاج إلى معالجة شاملة قبل أي استحقاق انتخابي.

كما لفت إلى أن جولة تونس قد تحسم ما إذا كان سيتم العودة إلى مخرجات “6+6” أو التوجه نحو مناقشة أعمق لقضايا بناء الثقة بين الأطراف، في ظل أزمة ثقة وصفها بـ “الهيكلية”، أدت إلى تفصيل بعض القوانين وفق مصالح شخصيات بعينها.

وفيما يتعلق بصلاحيات رئيس الدولة، أوضح العبود أن المشروع الحالي لا يمنح صلاحيات مطلقة، إذ تخضع القرارات السيادية، مثل إعلان الطوارئ أو إقالة الحكومة، لتشاور مع السلطة التشريعية، بما يحقق توازناً مؤسساتياً.

كما أشار إلى أن لقاء روما الأخير مثّل خطوة مهمة في مسار التفاهم بين مجلسي النواب والدولة، لافتاً إلى أن مسار “4+4” يعكس تقارباً نسبياً رغم استمرار الخلافات داخل مجلس الدولة. ورأى أن نجاح لقاء روما لم يرتبط فقط بالانتخابات، بل شمل أيضاً الإصلاحات الاقتصادية وتوحيد المسار المالي، إضافة إلى التنسيق العسكري والأمني بين شرق وغرب البلاد.

وأشار كذلك إلى مشاركة مؤسسات أمريكية في دعم الإصلاح المالي، إلى جانب تدريبات عسكرية مشتركة ضمن تمرين “فلينتلوك 2026″، ما يعكس وجود دعم دولي متزايد.

وختم العبود بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب بناء الثقة بين الأطراف الليبية، معتبراً أن هذا الشرط هو الأساس لأي انتخابات قادمة ضمن جدول زمني واضح ومتفق عليه. مبيناً أن المشهد السياسي يشهد حراكاً تفاوضياً متقدماً، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الانقسام داخل غرب ليبيا، خصوصاً حول مستقبل حكومة الوحدة الوطنية، إضافة إلى الخلافات حول توحيد المؤسسات.

وفي النهاية، شدد على أن المجتمع الدولي لم يعد قادراً على انتظار استمرار الانقسام، خاصة في ظل الأزمات الإقليمية المتفاقمة، داعياً إلى استثمار الفرصة الحالية لتوحيد المؤسسات وإنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة، مؤكداً أن المواطن الليبي هو المستفيد الأول من أي عملية إصلاح حقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى