إسماعيل: توحيد السلطة التنفيذية شرط أساسي قبل أي استحقاق انتخابي
أكد المحلل السياسي السنوسي إسماعيل، أن اجتماع “4+4” في تونس بين الأطراف الليبية لم يسفر عن أي نتائج ملموسة على صعيد التوافق حول القوانين الانتخابية أو القاعدة الدستورية، لافتًا إلى أن الأجواء الإيجابية التي أعقبت اللقاء لا تعكس بالضرورة تقدمًا حقيقيًا، بل تندرج في إطار ما وصفه بـ “الطمأنة السياسية”.
وأوضح إسماعيل، في حديث لتلفزيون «المسار»، رصدته «الساعة 24»، أن المقترحات التي طُرحت على طاولة النقاش، وفي مقدمتها مقترح “القانون رقم 10 لسنة 2014″، تتقاطع بشكل سلبي مع مسار توحيد السلطة التنفيذية، إذ إن هذا القانون سبق اعتماده في الانتخابات البرلمانية الماضية، ويقوم على النظام الفردي، الأمر الذي يحدّ من فرص تمثيل الأحزاب السياسية داخل البرلمان.
وأشار إلى أن القانون المذكور يقتصر على تنظيم الانتخابات التشريعية دون التطرق إلى شكل السلطة التنفيذية، وهو ما يجعله متعارضًا مع المبادرات الدولية، لا سيما تلك التي تقودها البعثة الأممية، والتي تسعى إلى تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد نحو الاستحقاق الانتخابي.
وعلاوة على ذلك، نبه إسماعيل إلى أن القوانين الانتخابية القائمة حاليًا، وعلى رأسها قانون “6+6″، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود سلطة تنفيذية موحدة تحظى بتوافق مجلسي النواب والأعلى للدولة، باعتبارهما الجهتين المخول لهما، بموجب الاتفاق السياسي الليبي، المشاركة في تشكيل هذه السلطة واعتماد الترتيبات السياسية اللازمة.
وفي سياق متصل، رجّح إسماعيل أن يكون اجتماع تونس قد أُجّل الحسم فيه بانتظار ما ستتمخض عنه مخرجات “الحوار المهيكل” المرتقب مطلع يونيو المقبل، مبينًا أن هذه المخرجات ستُعرض لاحقًا على الأطراف السياسية، بما في ذلك مجلسي النواب والدولة، لمناقشتها والتشاور بشأنها تمهيدًا للوصول إلى توصيات نهائية.
كما بيّن أن القضايا المطروحة ضمن الحوار المهيكل ليست جديدة، بل هي ذاتها الملفات التي سبق أن تناولتها لجنة “6+6″، مؤكدًا أن أي مخرجات سياسية أو دستورية يجب أن تستند إلى الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي الليبي، وهو ما يتطلب استمرار حالة التوافق بين المؤسستين التشريعيتين.
وردًا على الأطروحات التي تتحدث عن تراجع دور المجلسين عقب تشكيل لجان مصغرة لمعالجة القضايا الخلافية، شدد إسماعيل على أن النواب والدولة لا يزالان يشكلان ركيزة أساسية في المشهد السياسي، مشيرًا إلى أن البعثة الأممية تسعى في الوقت ذاته إلى إعادة تنشيط مسار التوافق بينهما بالتوازي مع جهود الدفع نحو تشكيل سلطة تنفيذية جديدة.
وفي منحى آخر، لفت إلى أن البعثة الأممية تلوّح بإمكانية اللجوء إلى “الخيار الرابع”، المرتبط بمخرجات اللجنة الاستشارية التي شكلتها الأمم المتحدة، غير أنه اعتبر أن هذا المسار لن يكون قابلاً للتطبيق ما لم يستند إلى قرارات واضحة وصريحة من مجلس الأمن الدولي، فضلًا عن الحاجة إلى تعديل الإعلان الدستوري أو إلغائه لإضفاء الشرعية القانونية على أي مسار جديد.
وأكد إسماعيل أن الاتفاق السياسي الليبي لا يزال يمثل الإطار الحاكم للمرحلة الانتقالية، وأن تجاوزه أو القفز على دور مجلسي النواب والدولة يظل أمرًا غير ممكن في غياب قرار دولي ملزم يعيد رسم قواعد العملية السياسية.
ولفت إلى أن معالجة الأزمة الليبية لا يمكن أن تتم عبر تجاوز الأسس الدستورية والقانونية، مشددًا على أن أي مسار سياسي ناجح ينبغي أن ينطلق أولًا من إقرار قاعدة دستورية واضحة، تعقبها قوانين انتخابية منظمة، ثم تشكيل هيئة مستقلة ومتوافق عليها للإشراف على الانتخابات.
ورأى المحلل السياسي، أن الخلافات القائمة في ليبيا باتت واضحة المعالم، إذ تتمحور حول جملة من الملفات الرئيسية، من أبرزها مسألة الدستور، والقاعدة الدستورية، وطبيعة الاستحقاق الانتخابي، سواء بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة أو الاكتفاء بالانتخابات البرلمانية، مؤكدًا أن الجهود المتعاقبة التي تبذلها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تهدف إلى بلورة خارطة طريق توافقية تجمع مختلف الأطراف الليبية.
وتابع: المسارات التي طرحتها البعثة الأممية، بما في ذلك اللجنة التأسيسية، والحوار المهيكل، واجتماعات “4+4″، لا تتناقض فيما بينها، بل تمثل محاولات متواصلة لمعالجة النقاط الخلافية المرتبطة بالقوانين الانتخابية، وكذلك بعمل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، داعيًا إلى التريث وانتظار نتائج هذه الحوارات قبل إصدار أي أحكام بشأن نجاحها أو تعثرها.
وأضاف إسماعيل أن الأمم المتحدة تسعى خلال المرحلة الراهنة إلى تحقيق قدر من المواءمة بين جهودها السياسية وما وصفه بـ “الدخول الأمريكي القوي” على خط الأزمة الليبية، موضحًا أن المستشار الأمريكي مسعد بولس لا يتحرك بشكل فردي، بل يعمل بتفويض واضح يهدف إلى البحث عن حلول سياسية قابلة للعرض على الإدارة الأمريكية.
ورأى أن إمكانية التوصل إلى مقاربات جديدة بشأن السلطة التنفيذية تظل قائمة في حال تعثر المسارات الحالية، إلا أنه شدد، في المقابل، على ضرورة أن تستند أي عملية انتخابية إلى أساس قانوني ودستوري واضح، محذرًا من مغبة القفز على القاعدة الدستورية أو تجاوز القوانين المنظمة للعملية الانتخابية.
وأكد إسماعيل أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بحاجة إلى دعم فعلي يضمن استقلاليتها وقدرتها على إدارة الاستحقاقات الانتخابية بكفاءة ومهنية، باعتبار أن العملية الانتخابية تمثل منظومة قانونية متكاملة تهدف في نهاية المطاف إلى إنتاج سلطتين تشريعية وتنفيذية تتمتعان بالشرعية.
كما لفت إلى أن مسعد بولس يحاول التعاطي بمرونة مع مختلف الأطراف الليبية، خاصة في ظل وجود تحفظات داخل المنطقة الغربية، مشيرًا إلى أن نجاح أي مبادرة سياسية يظل رهينًا باحترام الآليات القائمة وإشراك كافة القوى الفاعلة في المشهد.
وبيّن أن المشهد في المنطقة الغربية يبدو أكثر تعقيدًا مقارنة بالمنطقتين الشرقية والجنوبية، نتيجة تعدد الفاعلين السياسيين والعسكريين، الذين يشملون حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الأعلى للدولة، إلى جانب قوى أمنية وعسكرية متعددة الولاءات، بعضها يتبع المجلس الرئاسي الليبي وليس الحكومة.
وشدد على أهمية توسيع نطاق أي مبادرة سياسية لتشمل جميع الأطراف المؤثرة، معتبرًا أن تشكيل سلطة تنفيذية جديدة تمثل مختلف القوى الرئيسية في البلاد يعد خطوة محورية نحو إنهاء حالة الانقسام وتحقيق قدر من الاستقرار السياسي.
وعلى صعيد متصل، أكد إسماعيل أن الذهاب إلى الانتخابات في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي يظل أمرًا بالغ التعقيد، مشددًا على أن توحيد السلطة التنفيذية يمثل شرطًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه قبل المضي نحو أي استحقاق انتخابي.
وأردف: أن هناك شبه إجماع، على المستويين المحلي والدولي، بشأن ضرورة وجود سلطة تنفيذية موحدة تقود المرحلة المقبلة، لافتًا إلى أن أي انتخابات لن تحقق أهدافها ما لم تستند إلى قاعدة دستورية واضحة، وقوانين انتخابية متوافق عليها، فضلًا عن ضمان استقلالية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وحذر من أن غياب هذه المرتكزات سيجعل ملف الانتخابات مسألة ثانوية أو بعيدة المنال، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب إدخال تعديلات دستورية وتشريعية تتلاءم مع متطلبات ما قبل الانتخابات وأثناءها وما بعدها.
وأشار إسماعيل إلى أن القوانين الانتخابية الحالية أصبحت جزءًا من المنظومة التشريعية بعد اعتمادها من مجلس النواب الليبي، ما يفرض التعامل معها ضمن إطار سياسي ودستوري متكامل، بعيدًا عن الحلول الجزئية أو المؤقتة.
وأضاف أن التجارب السابقة في ليبيا أظهرت محدودية فاعلية تشكيل الحكومات في غياب توافق شامل، موضحًا أن حكومة الوحدة الوطنية لم تتمكن من إنجاز الانتخابات، في حين أخفقت الحكومات التي تلتها في فرض سيطرتها الكاملة، الأمر الذي أسهم في استمرار حالة الانقسام.
وأكد أن الاستفادة من أخطاء المراحل السابقة تظل ضرورة ملحة للوصول إلى سلطة تنفيذية فاعلة تضم مختلف القوى السياسية، بما يسهم في توحيد مؤسسات الدولة ومعالجة الأزمات الاقتصادية والسياسية القائمة.
وفيما يتعلق بالمبادرات الدولية، شدد إسماعيل على أهمية التزام أي مبادرة بخريطة الطريق المعتمدة، وعدم تجاوزها، مؤكدًا أن نجاحها يظل مرهونًا بتفاعل الأطراف الليبية معها بشكل إيجابي، بما يدفع نحو توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات تحت إشراف حكومة موحدة.
كما دعا إلى معالجة الإشكاليات المرتبطة بعمل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لنجاح العملية الانتخابية، لافتًا إلى أن بعض المقترحات المتعلقة بدور السلطة القضائية ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتقييم.
واختتم إسماعيل بالتأكيد على أن الجهود التي تقودها الأمم المتحدة، بدعم من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، يمكن أن تسهم في إنهاء حالة الانقسام، والحد من التدخلات الخارجية، فضلًا عن معالجة الملفات الاقتصادية والسياسية والأمنية، وذلك عبر تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد نحو الاستقرار.









