الدخيل: إدخال قوات غير مهنية إلى مدينة الزاوية قد يوسع دائرة الفوضى
أكد عضو مجلس أعيان وحكماء الزاوية، الهاشمي الدخيل، أن مدينة الزاوية تتعرض منذ سنوات لمحاولات إضعاف وتهميش بسبب مكانتها وتأثيرها في المشهد الليبي، معتبراً أن الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تعيشها البلاد هي نتيجة مباشرة لصراع مستمر على النفوذ والمال والسيطرة على الموارد الحيوية للدولة.
وقال الدخيل، في حديث لتلفزيون «المسار»، رصدته «الساعة 24»، إن الزاوية عُرفت تاريخياً بأنها من المدن المناضلة التي لعبت أدواراً بارزة في مختلف المحطات الوطنية وأسهمت في العديد من التحولات السياسية والاجتماعية، الأمر الذي جعلها، بحسب وصفه، هدفاً لأطراف تسعى إلى إخضاعها أو الحد من دورها الوطني.
وأضاف أن القوى المتصارعة في ليبيا تنظر إلى المدينة باعتبارها إحدى المدن المؤثرة التي يصعب التحكم في قرارها، لذلك فإن من يعجز عن استقطابها يسعى إلى إضعافها.
وأوضح الدخيل، أن السنوات الماضية، التي شهدت وجود حكومات ومؤسسات متوازية في الشرق والغرب، كشفت أن جوهر الصراع في ليبيا، يتمثل في السيطرة على الموارد المالية والنفطية ومنافذ العبور البرية والبحرية والجوية وخطوط التهريب، مشيراً إلى أن مختلف الأطراف المتنافسة تسعى إلى بسط نفوذها على هذه الموارد بما يضمن استمرار سيطرتها السياسية والأمنية.
وأشار إلى أن الفساد أصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في المشهد الليبي، حيث عملت قوى نافذة على شراء الولاءات واستقطاب الشخصيات والمجموعات التي تمتلك نفوذاً عسكرياً أو اجتماعياً، بغض النظر عن مواقعها أو صفاتها، بهدف الحفاظ على موازين القوة القائمة.
وتابع: الليبيون كانوا يأملون بعد عام 2011 أن تنجح المؤسسات السياسية المنتخبة، سواء المؤتمر الوطني العام أو مجلس النواب، في بناء دولة المؤسسات وتحقيق الاستقرار والتنمية، إلا أن البلاد شهدت توسعاً في شبكات الفساد واستغلال النفوذ واستخدام بعض المنافذ والمطارات والموانئ في أنشطة غير قانونية شملت تهريب المخدرات والمواد المحظورة واستنزاف مقدرات الدولة خارج الأطر الرسمية.
ورأى الدخيل، أن تنامي المصالح المالية غير المشروعة أسهم في تعزيز ظاهرة شراء الولاءات للمجموعات المسلحة، سواء “المشرعنة” منها أو غير “المشرعنة”، وتوظيفها لخدمة أجندات سياسية، لافتاً إلى أن بعض هذه المجموعات تمتلك ملفات مرتبطة بانتهاكات أمنية وحقوقية ما تزال عالقة دون حسم.
وحذر من أي تدخل عسكري أو أمني غير منظم في مدينة الزاوية، معتبراً أن إدخال قوات تضم عناصر غير مهنية أو مرتبطة بتشكيلات مسلحة قد يؤدي إلى اتساع دائرة التوتر والفوضى ونقل الأزمة إلى مناطق أخرى، خاصة في ظل انتشار السلاح وتعدد الولاءات والانقسامات المحلية.
وشدد الدخيل، على أن الحلول الأمنية وحدها لن تكون كافية ما لم تترافق مع إجراءات فعلية لتجفيف منابع الجريمة المنظمة والتهريب وتجارة المخدرات، مؤكداً أن استمرار تدفق الأموال غير المشروعة يغذي الصراع ويشجع على التنافس على النفوذ والمكاسب الشخصية.
وبينّ أن البنية الاجتماعية والقبلية لا تزال تؤثر بشكل كبير في المشهد الليبي، حيث تلتف المدن والقبائل حول أبنائها وتوفر لهم الحماية والدعم، ما يزيد من تعقيد جهود بناء مؤسسات دولة قوية وقادرة على فرض القانون على الجميع.
ولفت الدخيل، إلى أن مدينة الزاوية تضم أكثر من 38 قبيلة، الأمر الذي يجعل من الصعب احتكار قرارها أو فرض رؤية واحدة على جميع مكوناتها الاجتماعية.
ودعا الحكومة والنيابة العامة والوزارات المختصة إلى تحمل مسؤولياتها في متابعة التشكيلات التي منحت الشرعية القانونية ومحاسبة كل من يثبت تورطه في تجاوزات أو خروقات تمس أمن المواطنين أو تنحرف عن المهام التي أنشئت من أجلها تلك المؤسسات.
كما طالب الدخيل، النيابة العامة باتخاذ إجراءات حاسمة بحق كل مسؤول استغل منصبه أو استخدم الجماعات المسلحة لتعزيز نفوذه أو ضمان بقائه في السلطة، مشدداً على أهمية استقلال القضاء وحياده في التعامل مع جميع الملفات دون استثناء.
وكشف عن وجود آلاف المحاضر والقضايا المحالة إلى الجهات المختصة خلال السنوات الماضية، معتبراً أن عدم حسمها ساهم في صعود بعض المتهمين وأصحاب السوابق إلى مواقع قيادية داخل تشكيلات مسلحة حصلت لاحقاً على الدعم والسلاح والمناصب، ما أضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
وأشار الدخيل، إلى أن تقارير دولية وأممية عكست حجم الأزمة التي تعيشها ليبيا، وأظهرت، بحسب قوله، عدم قدرة العديد من المسؤولين الحاليين على إدارة مؤسسات الدولة، معتبراً أن بعضهم انشغل بالحفاظ على النفوذ السياسي أكثر من التركيز على خدمة المواطنين.
وفي سياق متصل، قال الدخيل، إن عدداً من الشخصيات التي برزت خلال ثورة 17 فبراير وحظيت بتقدير واسع من الليبيين تعرضت لاحقاً للتهميش وعدم الإدماج في مؤسسات الدولة، ما جعل بعضها عرضة للاستغلال أو التشويه وتحميلها مسؤولية ملفات وقضايا مختلفة في إطار الصراعات السياسية.
وأضاف أن بعض القوى النافذة تتبع سياسة تقوم على مبدأ “إما أن تكون معي أو ضدي”، من خلال استهداف المعارضين واتهامهم بملفات تتعلق بالتهريب، أو المخدرات، أو القتل، أو بسط النفوذ، بهدف إضعافهم وإقصائهم من المشهد العام.
وأكد الدخيل، أن البيان الأخير الصادر عن أبناء الزاوية جاء نتيجة سلسلة من الاجتماعات والحوارات التي شارك فيها أكاديميون وشخصيات عامة وفاعلون من المدينة لبحث سبل معالجة الأزمات الوطنية ومناقشة آليات الضغط القانونية والسياسية على الأطراف المتسببة في الانقسام والفوضى.
وأوضح أن المشاركين يمثلون نخبة من أبناء الزاوية ممن يشغلون مناصب علمية وأكاديمية وإدارية، وأنهم يسعون إلى استخدام الوسائل القانونية والسياسية للدفاع عن حقوق المواطنين وممارسة الضغط المشروع من أجل الإصلاح.
وكشف الدخيل، عن وجود فريق قانوني يعمل في طرابلس بالتعاون مع شخصيات من مختلف المدن الليبية لمتابعة ملفات الانتهاكات والجرائم المرتكبة خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أنه في حال تعذر تحقيق العدالة محلياً فسيتم اللجوء إلى مسارات قانونية أخرى، بما في ذلك المطالبة بإنشاء محكمة خاصة للنظر في تلك القضايا.
وفي ختام تصريحاته، حمّل الدخيل، المسؤولية لكل من تولى منصباً عاماً أو موقعاً قيادياً في الدولة خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن تحقيق الاستقرار لا يزال ممكناً إذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية لخدمة الوطن والمواطن، وأن الليبيين يتطلعون إلى مرحلة جديدة من الإصلاح والتغيير، معتبراً أن الحراك الأخير في مدينة الزاوية عكس رغبة الأهالي في الحفاظ على الأمن والسلم الاجتماعي والمساهمة في تجاوز الأزمات التي تمر بها البلاد.









