ليبيا

الكيلاني: غياب الدولة وصراعات النفوذ وراء الاشتباكات المتكررة في الزاوية

أكد عضو التجمع الوطني في الزاوية، محمد الكيلاني، أن الانقسام السياسي وتعدد المرجعيات الأمنية والعسكرية، يعدان من أبرز أسباب استمرار حالة الفوضى الأمنية والاشتباكات المتكررة في مدينة الزاوية، مشدداً على أن الصراع القائم بين التشكيلات المسلحة يرتبط بشكل مباشر بغياب مؤسسات الدولة وتضارب الولاءات السياسية، في وقت يظل فيه المواطن المتضرر الأكبر من تداعيات الانفلات الأمني المستمر.

وأوضح الكيلاني، في حديث لتلفزيون “المسار”، رصدته “الساعة 24” أن الأزمة التي تعيشها الزاوية لا يمكن فصلها عن المشهد الليبي العام، مشيراً إلى أن الانقسام بين الأجسام السياسية انعكس على المؤسسات الأمنية والعسكرية، وأفرز تشكيلات تحمل شرعيات مختلفة وتتبع جهات متعددة، الأمر الذي أدى إلى تداخل الصلاحيات وتضارب المصالح واستمرار المواجهات رغم تعدد العمليات الأمنية والخطط الحكومية المعلنة.

وأكد أن معظم الأطراف المتورطة في الاشتباكات داخل المدينة تنتمي إلى تشكيلات تحمل صفات رسمية أو تعمل بموجب قرارات صادرة عن مؤسسات الدولة، لافتاً إلى أن المشهد الأمني أصبح أكثر تعقيداً بسبب وجود أفراد وعناصر لا يحملون صفات نظامية، إلى جانب شبكات مرتبطة بالاتجار بالمخدرات وتهريب الوقود والبشر، تعمل أحياناً تحت مظلات توفر لها الحماية أو الغطاء الرسمي.

وأشار الكيلاني، إلى أن تعدد الجهات المشرفة على التشكيلات المسلحة بين الحكومة والمجلس الرئاسي ووزارتي الداخلية والدفاع أدى إلى غياب رؤية موحدة لبناء مؤسسة أمنية وعسكرية قادرة على فرض القانون، موضحاً أن منح الشرعية من قبل الأجسام السياسية لبعض التشكيلات جعل ولاءها مرتبطاً بالجهات التي منحتها تلك الشرعية أكثر من ارتباطها بمؤسسات الدولة.

وأضاف أن المواطن في الزاوية يظل المتضرر الأول من هذه الصراعات، بينما تحصل بعض التشكيلات على الدعم والتمويل من مصادر متعددة، من بينها أنشطة غير مشروعة مرتبطة بالتهريب والاتجار غير القانوني، مؤكداً أن استمرار هذه الأوضاع يعكس ضعف الرقابة الرسمية وعدم وجود آليات فعالة للمحاسبة.

ولفت الكيلاني، إلى أن جميع المنافذ البرية والبحرية والجوية يفترض أن تكون تحت سيطرة المؤسسات الرسمية، إلا أن الواقع يكشف عن وجود اختلالات سمحت لأشخاص لديهم سوابق أو شبهات جنائية بالحصول على صفات رسمية والعمل ضمن أجهزة أمنية أو عسكرية تحمل قرارات ومراسيم صادرة عن الدولة.

وبين أن بعض الأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم سابقاً بملفات تهريب أو اتجار بالمخدرات أو جرائم أخرى حصلوا لاحقاً على شرعية رسمية، وأصبحوا جزءاً من المشهد الأمني، فيما لا تزال لدى بعضهم ملفات وقضايا مسجلة لدى جهات التحقيق أو مراكز الشرطة، الأمر الذي ساهم في استمرار دوامة العنف والصراع داخل المدينة.

كما انتقد الكيلاني، التصريحات الصادرة عن بعض المسؤولين بشأن عدم السيطرة على مناطق معينة، معتبراً أن إقرار الجهات الرسمية بعجزها عن فرض سيطرتها الكاملة يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الدولة على بناء مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على بسط الأمن ومكافحة الجريمة.

وفي معرض حديثه عن أسباب الاشتباكات، أوضح الكيلاني، أن كثيراً من المواجهات تبدأ نتيجة خلافات شخصية أو نزاعات فردية، وقد تكون مرتبطة أحياناً بتجارة المخدرات أو بصراعات نفوذ ومصالح داخل المنطقة الغربية، قبل أن تتوسع تدريجياً وتتحول إلى مواجهات مسلحة واسعة بسبب انخراط عناصر التشكيلات المختلفة فيها.

وتابع: الصورة المتداولة عن الصراع لا تعكس كامل الحقيقة، موضحاً أن بعض التشكيلات تتعاون وتتواصل فيما بينها في ملفات معينة، إلا أن الخلاف السياسي يبقى العامل الأكثر تأثيراً في تحديد طبيعة العلاقة بينها ومسار الصراع القائم.

وأكد الكيلاني، أن عدداً من العناصر المنضوية تحت بعض التشكيلات لم يتلقوا تأهيلاً نظامياً داخل المؤسسات العسكرية أو الأمنية، مشيراً إلى وجود أفراد لديهم سوابق جنائية أو قضايا مختلفة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول آليات الانتساب لهذه المؤسسات ودور الجهات المختصة في التدقيق والمتابعة.

وتساءل عن دور وزارتي الداخلية والدفاع والجهات الرسمية في مراقبة العناصر المنضوية تحت هذه التشكيلات، لافتاً إلى أن الالتحاق بالمؤسسات الأمنية والعسكرية يفترض أن يخضع لإجراءات قانونية وإدارية دقيقة، من بينها التحقق من السجل الجنائي والحصول على المستندات المطلوبة وفق الضوابط المعمول بها.

وفيما يتعلق بالمبادرات الاجتماعية الرامية إلى إنهاء الأزمة، أوضح الكيلاني، أن أعيان ومشايخ وأهالي الزاوية أطلقوا خلال السنوات الماضية مبادرات عدة للمصالحة ووقف الاقتتال، وعقدوا لقاءات متكررة مع مختلف الأطراف المسلحة، إلا أن هذه الجهود كانت تتعثر بعد فترات قصيرة من التهدئة بسبب عودة الاشتباكات وتجدد الخلافات.

ورأى أن السبب الرئيسي وراء فشل العديد من الاتفاقات، يتمثل في صراعات النفوذ والسيطرة على مناطق ومواقع داخل المدينة، فضلاً عن غياب الانضباط داخل بعض التشكيلات، حيث تتحول خلافات محدودة أو حوادث فردية إلى مواجهات واسعة النطاق تلحق أضراراً كبيرة بالمدنيين والممتلكات.

كما انتقد الكيلاني، ما وصفه بتغير المعايير في التعامل مع التشكيلات المسلحة، موضحاً أن بعض الجهات التي كانت تحظى سابقاً بدعم رسمي أصبحت لاحقاً تُصنف كجماعات خارجة عن القانون، بينما حصلت أطراف أخرى كانت على خلاف مع الحكومة على اعتراف رسمي وأصبحت جزءاً من الأجهزة التابعة للدولة، وهو ما يعكس غياب سياسة ثابتة في منح الشرعية.

وأكد أن بعض الأشخاص المتورطين في جرائم أو نزاعات سابقة يلجؤون إلى الانضمام لتشكيلات مسلحة توفر لهم الحماية من الملاحقة أو المساءلة، مشيراً إلى أن هذه التشكيلات تعمل في كثير من الأحيان تحت مظلات رسمية وتتمتع بشرعية صادرة عن مؤسسات الدولة.

وفي رده على التساؤلات المتعلقة بمن يمثل مدينة الزاوية، شدد الكيلاني، على أنه لا يتحدث باسم المدينة بأكملها وإنما يعبر عن رأيه الشخصي، موضحاً أن التجمع الوطني الذي أُعلن عنه جاء بعد مشاورات استمرت أكثر من شهرين وتركزت على العمل الاجتماعي والقانوني لمعالجة الأزمة.

وكشف أن التجمع يعتزم إعداد مذكرات قانونية وتقديمها إلى الجهات المسؤولة عن التشكيلات المسلحة، إلى جانب مخاطبة القضاء الليبي والنيابة العامة لاتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه الانتهاكات والتجاوزات القائمة.

وأضاف أن التجمع سيلجأ إلى مسارات قانونية أوسع إذا لم تتم الاستجابة لمطالبه، بما في ذلك المطالبة بآليات قضائية دولية للنظر في الجرائم والانتهاكات المرتبطة بالصراع، مستشهداً بتجارب دولية شهدت إنشاء محاكم خاصة لمعالجة النزاعات المسلحة والانتهاكات الجسيمة.

وأكد الكيلاني، أن المرحلة الأولى من عمل التجمع ستركز على الحلول السلمية والاجتماعية وتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، رغم الإقرار بصعوبة المهمة في ظل فشل محاولات سابقة بسبب عودة التوترات عقب أي حادث فردي أو خلاف محدود.

ووجه دعوة إلى أهالي الزاوية للمشاركة في الجهود الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام والعنف، مؤكداً أن المدينة تستحق واقعاً أفضل ودوراً أكبر من مختلف الفعاليات الاجتماعية والثقافية والوطنية لاستعادة الاستقرار.

وفي ختام حديثه، أوضح الكيلاني، أن محدودية الحضور خلال فعالية إطلاق التجمع تعود إلى تراكم خيبات الأمل الناتجة عن تجارب سابقة لم تحقق نتائج ملموسة، معرباً عن أمله في أن تشهد المبادرات المقبلة مشاركة أوسع، وأن ينجح المسار الاجتماعي والقانوني الذي أطلقه التجمع في إحداث تغيير حقيقي يساهم في استقرار مدينة الزاوية وعودة مؤسسات الدولة للقيام بدورها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى