الخضر: التشريعات الليبية بحاجة لتفعيل صارم ورفض قاطع لتوطين المهاجرين
قال الناشط المدني، عبد الرؤوف الخضر، إن محاولات توطين المهاجرين في ليبيا ليست جديدة، مشيراً إلى أن جذور التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية تعود إلى ثمانينات القرن الماضي، حين بدأت جهود دولية وأوروبية للحد من تدفق المهاجرين من أفريقيا نحو أوروبا، في ظل ما وصفه بظروف تاريخية مرتبطة بالاستعمار السابق الذي خلّف أزمات اقتصادية واجتماعية في دول القارة الأفريقية.
وأوضح الخضر، في حديث لقناة «ليبيا الحدث»، رصدته «الساعة 24»، أن الدول التي تعرضت للاستعمار الفرنسي والإيطالي والبريطاني عانت لاحقاً من الفقر والجوع وتدهور الأوضاع المعيشية، ما دفع سكانها إلى البحث عن الهجرة نحو أوروبا باعتبارها بديلاً للحياة.
وأضاف أن أوروبا، بعد استفادتها من ثروات الدول الأفريقية خلال فترات الاستعمار، أصبحت لاحقاً تسعى إلى الحد من وصول المهاجرين إليها، ما أدى إلى تشديد السياسات الأوروبية، لافتاً إلى أن أوروبا بدأت تعاني لاحقاً من تدفقات الهجرة، وأن جذور هذه الأزمة تعود إلى مراحل الاحتلال السابقة في 1950 وما قبلها، والتي خلفت آثاراً إنسانية واقتصادية عميقة دفعت السكان نحو الهجرة.
وبينّ الخضر، أن ليبيا كانت خلال الفترة ما بين 1987 و2010 تتعامل مع تدفقات الهجرة عبر تشريعات، من بينها القانون رقم 19 لسنة 2010 لمكافحة الهجرة غير الشرعية، مشيراً إلى أن أوروبا بدورها طورت قوانين صارمة لمكافحة الهجرة، إلا أن الملف عاد للواجهة بشكل أكبر بعد 2017، حيث شهدت تلك المرحلة انفتاحاً أكبر على نقاشات تتعلق بإمكانية إقامة أو توطين المهاجرين غير النظاميين داخل ليبيا، مع إدراج الملف ضمن أولويات الحكومات الانتقالية المتعاقبة.
وأكد أن ليبيا تاريخياً كانت محطة عبور وليست محطة استقرار للمهاجرين، إلا أن التحولات التي أعقبت عام 2011 جعلت البلاد في قلب مسارات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا عبر السواحل الليبية، موضحاً أن السياسات الأوروبية ركزت على حماية الحدود عبر دول شمال أفريقيا مثل ليبيا وتونس والمغرب ومصر، غير أن هذه التطورات جعلت ليبيا مركزاً رئيسياً لمرور المهاجرين من العمق الأفريقي نحو البحر.
واعتبر الخضر، أن تشديد الرقابة على الحدود والاتفاقيات الخاصة بحماية السواحل أسهمت في تقليص العبور نحو أوروبا، ما أدى إلى بقاء أعداد كبيرة من المهاجرين داخل ليبيا، في ظل صعوبات تتعلق بإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية، لافتاً إلى أن بعض الدول مثل تونس ومصر تمتلك أنظمة أكثر صرامة وتنظيماً في التعامل مع الأجانب مقارنة بليبيا، التي تعاني من ثغرات تشريعية وقانونية واضحة.
وأكد أن المرجعية القانونية في ليبيا تتمثل في القانون رقم 6 لسنة 1987 الخاص بتنظيم دخول وإقامة الأجانب، إلى جانب القانون رقم 19 لسنة 2010 المتعلق بمكافحة الهجرة غير الشرعية، مشيراً إلى أن القانون رقم 24 لسنة 2023 بشأن توطين الأجانب يتضمن عقوبات تشمل الغرامة المالية والسجن لكل من يثبت قيامه بإيواء أو حماية أو تشغيل أجانب داخل الأراضي الليبية بطرق غير قانونية، إضافة إلى إجراءات ترحيل المهاجرين غير النظاميين.
وفيما يتعلق بملف اللجوء، أشار الخضر، إلى أن بعض التوجيهات الصادرة عن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تمنع إعادة بعض طالبي اللجوء إلى بلدانهم الأصلية، ما يضع الدول أمام خيارين إما السماح بعبورهم نحو أوروبا أو تحمل بقائهم داخل ليبيا، مؤكداً أن ليبيا ليست طرفاً في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 ولا بروتوكول 1967، وبالتالي فهي، بحسب قوله، غير ملزمة ببعض الالتزامات الدولية في هذا الملف.
ورأى الخضر، أن ملف التوطين أصبح من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل ليبيا، مشيراً إلى وجود محاولات لاستغلاله في سياقات سياسية وأمنية، لأن بعض الأطراف قد تكون مستفيدة من استمرار الوضع القائم، وربط ذلك بتفاهمات واتفاقات دولية، خاصة بين الجانب الأوروبي وإيطاليا والحكومة الليبية، على حد قوله، مشيراً إلى أن هذه التفاهمات تهدف إلى حماية الحدود الجنوبية لأوروبا على حساب دول مثل ليبيا.
وتابع: ضعف الضوابط المؤسسية والفساد والوساطات داخل بعض الأجهزة ساهمت في جعل ليبيا بيئة أكثر استقطاباً للمهاجرين مقارنة بدول الجوار مثل مصر وتونس والمغرب، ما أدى إلى تداعيات اقتصادية وصحية واجتماعية، من بينها الضغط على العملة الصعبة وارتفاع الاستهلاك وانتشار أزمات متعددة، معتبراً أن جزءاً من هذه التداعيات يرتبط بوجود ليبيين متورطين في تسهيل هذا الوضع عبر الفساد.
وأشار الخضر، إلى أن الضغط المتزايد على ليبيا في ملف الهجرة يرتبط بما وصفه بـ “الهشاشة المؤسسية” التي أعقبت عام 2011 والانقسام الإداري والأمني، ما جعل البلاد عرضة لتدخلات وضغوط إقليمية ودولية.
وفي السياق الأمني، أوضح الخضر، أن تشديد الإجراءات على الحدود من قبل القوات المسلحة الليبية ساهم في الحد من عمليات التهريب، مشيراً إلى قرارات عسكرية تتعلق بمنع استخدام مركبات الدفع الرباعي في عمليات التهريب داخل الجنوب ومصادرتها عند ضبطها، معتبراً ذلك مؤشراً على وجود توجه صارم لمكافحة الهجرة غير النظامية.
ودعا الخضر، إلى تكثيف الجهود الأمنية لضبط العمالة الأجنبية والوافدين غير النظاميين، مؤكداً أن المسؤولية تشمل جميع المؤسسات الأمنية من مديريات الأمن والمنافذ الحدودية والبوابات الإلكترونية وأجهزة المرور، مع ضرورة تطبيق القانون دون تدخلات عرفية أو وساطات أو فساد.
كما شدد على أن تمكين الأجانب داخل ليبيا، يجب أن يتم وفق إجراءات قانونية واضحة تشمل ختم الدخول الشرعي والإقامة القانونية وبطاقة الحصر الأمني وعقود العمل الموثقة، محذراً من أن أي تجاوز لهذه الإجراءات يعرّض المواطنين للمساءلة القانونية، سواء عبر القانون رقم 6 لسنة 1987 أو القانون رقم 24 لسنة 2023، والتي قد تصل عقوباتها إلى السجن والغرامة.
وفي سياق حديثه عن الواقع الميداني، أشار الخضر، إلى تدخلات عرفية ووساطات اجتماعية تؤدي إلى تعطيل تطبيق القانون، موضحاً أن الواقع يشهد تساهلاً في بعض الحالات المتعلقة بإيواء أو تشغيل مهاجرين داخل مساكن خاصة أو ورش أو مزارع دون إجراءات قانونية، ما يعرض أصحابها للمساءلة. مبيناً أن بعض المهاجرين يدفعون مبالغ مالية كبيرة للوصول إلى ليبيا عبر شبكات تهريب منظمة، قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات، وهو ما يعكس وجود “سوق نشط” لتهريب البشر، على حد وصفه.
وحذر الخضر، من تداعيات أمنية وصحية واجتماعية، مشيراً إلى ما وصفه بانتشار بعض الأمراض المعدية مثل السل والتهاب الكبد والإيدز في عدد من دول المصدر، معتبراً أن دخول مهاجرين دون فحوصات دقيقة قد يشكل خطراً على الأمن الصحي، إضافة إلى ارتباط بعض الحالات بجرائم مثل السرقة والسلب، وما قد يمثله ذلك من تهديد لأمن الأسر.
وأكد أن المهاجرين في الغالب لا يأتون ضمن الكفاءات المهنية أو الحرفية القادرة على الإضافة المباشرة للاقتصاد، بل يفرون من ظروف معيشية صعبة بحثاً عن حياة جديدة، ما يفرض تحديات إضافية على الدولة الليبية.
وفيما يتعلق بتغيير التركيبة السكانية، قال الخضر، إن الضغط على ليبيا في ملف الهجرة مرتبط بما وصفه باستهداف قائم على الهشاشة المؤسسية بعد 2011، مشيراً إلى أن ضعف الدولة والانقسام الأمني والقانوني جعل البلاد عرضة لضغوط خارجية.
وأردف: استهداف ليبيا في ملف الهجرة يرتبط أيضاً بتشديد الإجراءات على الحدود الجنوبية من قبل القوات المسلحة الليبية، وبمحاولات ضبط عمليات التهريب، مشيراً إلى أن هناك قرارات عسكرية بمنع استخدام بعض المركبات في التهريب ومصادرتها، معتبراً ذلك جزءاً من مواجهة الظاهرة.
وأشار الخضر، إلى أن بعض الدول الأوروبية تحاول معالجة أزماتها الداخلية عبر نقل عبء الهجرة إلى دول جنوب المتوسط مثل ليبيا، نتيجة ما وصفه بالهشاشة المؤسسية داخل البلاد. داعياً إلى إعادة النظر في المنظومة التشريعية والإدارية بما يضمن حماية الأمن القومي الليبي، معتبراً أن الحل لا يكمن في البيانات السياسية، بل في تفعيل القوانين وتشديد الرقابة على الحدود وتوحيد المؤسسات الأمنية.
واختتم الخضر، بالتأكيد على أن التعامل مع ملف الهجرة واللجوء يجب أن يتم وفق التشريعات الوطنية الليبية، بعيداً عن الضغوط الخارجية، وبما يضمن حماية السيادة الوطنية والأمن الاجتماعي والاقتصادي.









