الغرياني: رفض التوطين يرتبط بالسيادة والتركيبة السكانية لا بالعنصرية

اعتبر الناشط السياسي، عبد الله الغرياني، أن الحراك الشعبي الرافض لتوطين المهاجرين في ليبيا، يختلف عن التحركات السابقة من حيث اتساع نطاقه وارتباطه بمخاوف متزايدة لدى المواطنين بشأن التداعيات الديموغرافية والسيادية للهجرة غير النظامية، مشدداً على أن القضية تجاوزت البعد الأمني وأصبحت مرتبطة بمستقبل الدولة الليبية وتركيبتها السكانية.
ورأى الغرياني، في حديث لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته صحيفة الساعة 24، أن المطالب المطروحة تنطلق من ضرورة تنظيم ملف الهجرة وصون السيادة الوطنية والحفاظ على التوازن الديموغرافي بعيداً عن أي اعتبارات عنصرية أو تمييزية.
وأوضح أن تنامي الرفض الشعبي للهجرة غير النظامية جاء نتيجة شعور متزايد لدى الليبيين بأن هذا الملف بات يتخذ مسارات تتجاوز الأطر المؤقتة المعروفة دولياً، لافتاً إلى أن منح بعض المهاجرين بطاقات تعريف أو وثائق انتظار من قبل جهات دولية معنية بشؤون اللاجئين أثار مخاوف واسعة بشأن إمكانية تحول الإقامة المؤقتة إلى واقع دائم ينعكس على البنية السكانية للدولة.
وأشار الغرياني، إلى أن جذور الظاهرة تعود جزئياً إلى السياسات السابقة والانفتاح الليبي على العمق الأفريقي عبر مشاريع اقتصادية وسياسية واتحادية، وهو ما ساهم في ترسيخ صورة ليبيا لدى العديد من الشعوب الأفريقية باعتبارها وجهة واعدة للهجرة والعمل، الأمر الذي دفع أعداداً متزايدة من المهاجرين إلى اعتبار الأراضي الليبية محطة رئيسية للبحث عن فرص أفضل أو بوابة للوصول إلى أوروبا.
وبينّ أن آلاف المهاجرين ينفقون مبالغ مالية كبيرة للوصول إلى السواحل الليبية أملاً في العبور إلى القارة الأوروبية، إلا أن جزءاً منهم يبقى داخل ليبيا لفترات طويلة بانتظار إعادة التوطين أو تسوية أوضاعه القانونية، ما يجعل القضية أكثر تعقيداً من كونها مجرد حركة عبور مؤقتة.
وانتقد الغرياني، آليات عمل بعض المنظمات الدولية المعنية باللاجئين، معتبراً أن منح صفة أو بطاقات للاجئين والمهاجرين داخل ليبيا يتم أحياناً بصورة تتجاوز اختصاصات الدولة الليبية والقوانين الوطنية المنظمة لدخول الأجانب وإقامتهم، مشيراً إلى أن حصول مهاجرين دخلوا بطرق غير نظامية على وثائق من جهات دولية يثير تساؤلات قانونية تتعلق بحق الدولة في تنظيم الهجرة وضبط الحدود وتطبيق التشريعات النافذة.
وشدد على أن الدولة الليبية تمتلك الحق، وفق القوانين المعمول بها، في تنظيم أوضاع المهاجرين المخالفين واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم، بما في ذلك فرض العقوبات أو الغرامات أو الترحيل وفقاً للتشريعات الوطنية، مؤكداً ضرورة احترام السيادة الليبية وعدم تجاوز صلاحيات المؤسسات الرسمية المختصة.
وفي معرض رده على الاتهامات التي تربط الحراك الرافض للتوطين بخطاب الكراهية أو التمييز العنصري، نفى الغرياني، وجود أي توجه عنصري لدى المجتمع الليبي تجاه الشعوب الأفريقية، مؤكداً أن ليبيا أقامت على مدى عقود علاقات سياسية واقتصادية واستثمارية واسعة مع العديد من الدول الأفريقية، وضخت استثمارات كبيرة في دول عدة من بينها غانا، كينيا، نيجيريا، النيجر، مالي، والسودان.
وأضاف أن المطالب الحالية تتركز على تنظيم ملف الهجرة وحماية الحدود والحفاظ على التوازنات السكانية، ولا تستهدف الجاليات الأفريقية أو تمس كرامتها وحقوقها الإنسانية، مشدداً على أن أي دعوات متطرفة أو ممارسات تستهدف المهاجرين على أساس العرق أو اللون تبقى مرفوضة وغير مقبولة.
كما أشار إلى تقارير وتحقيقات صحفية دولية تناولت ملف الهجرة غير النظامية في المنطقة وتحدثت عن اتهامات موجهة لبعض الدول المجاورة بدفع أو نقل مهاجرين نحو الحدود الليبية، وهو ما يضاعف الأعباء الأمنية والاقتصادية على الدولة ويزيد من تعقيدات إدارة هذا الملف.
ورأى الغرياني، أن الموقف الرافض للتوطين يستند إلى اعتبارات تتعلق بتنظيم الهجرة واحترام القوانين الوطنية وصون السيادة الليبية والحفاظ على التوازن الديموغرافي، داعياً إلى معالجة الملف ضمن إطار قانوني ومؤسسي يراعي حقوق الإنسان ويحفظ في الوقت ذاته مصالح ليبيا وأمنها الوطني.
وفي سياق متصل، اعتبر الغرياني، أن التعامل مع ملف الهجرة، يجب أن ينطلق من اعتبارات السيادة والأمن والتنظيم القانوني، لافتاً إلى أن الاتهامات الموجهة للمجتمع الليبي بممارسة العنصرية تتجاهل التحديات الحقيقية المرتبطة بتدفقات المهاجرين واتساع نطاق الظاهرة خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يفترض أن تضطلع بدور الميسر والداعم للحلول السياسية، إلا أنها لا تعكس بصورة كافية، من وجهة نظره، الهواجس والمخاوف التي يطرحها الليبيون بشأن ملف الهجرة، مشيراً إلى ضرورة التمييز بين دور البعثة الأممية واختصاصات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين باعتبارها الجهة الدولية المعنية بملفات اللجوء والنزوح.
وأردف: أن نشاط المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في ليبيا بدأ في إطار التعامل مع أوضاع اللاجئين والنازحين، غير أن تطور الظاهرة وتزايد أعداد الوافدين جعل الملف أكثر تعقيداً، خاصة مع استمرار تدفق المهاجرين من دول أفريقية مختلفة نحو الأراضي الليبية.
وقارن الغرياني، بين التجربة الليبية والتجربة المصرية في إدارة ملف اللاجئين، موضحاً أن الإجراءات المتبعة في مصر تعتمد على وجود مسارات قانونية واضحة لدخول الأجانب وتسجيلهم بما يضمن معرفة الجهات الرسمية بهوياتهم وأوضاعهم القانونية، بينما تواجه ليبيا تحديات أكبر نتيجة اتساع حدودها البرية واستمرار تدفقات الهجرة غير النظامية.
ولفت إلى أن إحدى الإشكاليات الرئيسية تتمثل في محدودية المعلومات المتوفرة حول بعض الوافدين القادمين من مناطق تشهد نزاعات أو نشاط جماعات متطرفة، موضحاً أن غياب قواعد بيانات دقيقة وآليات تحقق فعالة يجعل من الصعب التعرف على الخلفيات الأمنية أو الاجتماعية لبعض المهاجرين، ما يفرض تحديات إضافية على المؤسسات الأمنية الليبية.
كما شدد على أن ليبيا لا تمتلك معرفة كافية بالتركيبة الاجتماعية والثقافية للعديد من المجموعات الوافدة من بعض الدول الأفريقية، ما يتطلب تطوير أدوات الرصد والمتابعة والتنسيق الأمني والإداري لضمان إدارة أكثر فاعلية لهذا الملف.
وربط الغرياني، بين تنامي الهجرة نحو ليبيا والسياسات التي رسخت عبر عقود صورة البلاد كوجهة للعمل والاستقرار والاستثمار داخل القارة الأفريقية، مؤكداً أن الأزمة الحالية تتطلب تحركاً دولياً أوسع، وداعياً الاتحاد الأوروبي إلى تحمل جزء من المسؤولية باعتبار أن تدفقات الهجرة غير النظامية تمثل تحدياً مشتركاً بين ليبيا وأوروبا.
كما طالب بتعزيز التعاون الأمني والفني مع الدول الأوروبية وتوفير التقنيات الحديثة ووسائل المراقبة والاستطلاع التي تساعد على تأمين الحدود الجنوبية الشاسعة ومكافحة شبكات تهريب البشر، مؤكداً أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات المحلية فقط، بل تحتاج إلى شراكات إقليمية ودولية فعالة تسهم في ضبط الحدود وإدارة حركة الهجرة بصورة منظمة.
وفي جانب آخر، أرجع الغرياني، تفاقم أزمة الهجرة غير النظامية إلى غياب السيطرة الفعالة والتراخي في إدارة الملف خلال السنوات الماضية، معتبراً أن تراكم أعداد كبيرة من المهاجرين داخل المدن الليبية خلق تحديات أمنية واجتماعية وإنسانية متزايدة تتطلب معالجة عاجلة ومنظمة.
وتابع: الواقع الحالي يكشف عن صعوبات كبيرة في التعامل مع أعداد من المهاجرين القادمين من خلفيات ثقافية ولغوية متنوعة، مشيراً إلى أن غياب المعرفة الدقيقة بهويات بعض الوافدين وخلفياتهم الاجتماعية والثقافية يضاعف من تعقيد المشهد ويجعل من الصعب على المؤسسات الرسمية والمجتمعات المحلية التعامل مع الظاهرة بصورة فعالة.
وأضاف أن بعض المظاهر السلبية المرتبطة بالهجرة غير النظامية أصبحت أكثر وضوحاً في عدد من المناطق، مشيراً إلى مخاوف تتعلق بانتشار تعاطي المخدرات وبعض السلوكيات الخارجة عن القانون، ما يستوجب تعزيز الرقابة الأمنية وملاحقة الشبكات الإجرامية التي تستغل أوضاع المهاجرين وتستفيد من أنشطة الاتجار بالبشر والمخدرات.
وأكد الغرياني، أن ليبيا تتحمل أعباء تفوق قدراتها في ظل الانقسام السياسي وضعف الإمكانات المتاحة، مشدداً على أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق السلطات الليبية التي ينبغي أن تضع سياسات واضحة وفعالة لمعالجة الأزمة وتنظيم حركة الدخول والإقامة داخل البلاد.
وفي المقابل، أشاد الغرياني، بطريقة تعامل المؤسسات الليبية مع اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، موضحاً أن السلطات اعتمدت آليات تنظيمية شملت الحصر والتسجيل وإصدار البطاقات الصحية والوثائق اللازمة، ما ساهم في إدارة الملف بصورة أكثر انضباطاً وسهّل تقديم الخدمات الإنسانية للوافدين.
واعتبر أن نجاح هذه التجربة يؤكد أهمية وجود منظومة تنظيمية واضحة للتعامل مع أي موجات نزوح أو هجرة، بما يضمن معرفة أوضاع الوافدين وتحديد احتياجاتهم والتعامل معهم وفق إجراءات قانونية وإدارية محددة.
كما انتقد الغرياني، أداء بعض المنظمات الدولية العاملة في ليبيا، معتبراً أن دورها في ملف الهجرة يحتاج إلى مراجعة وتقييم، خصوصاً فيما يتعلق بتحديد الوضع القانوني للمهاجرين واللاجئين وآليات التعامل معهم داخل الأراضي الليبية.
ورأى أن الإشكالية الأساسية تكمن في غياب توصيف قانوني واضح لبعض الفئات الموجودة داخل ليبيا، متسائلاً عما إذا كانوا مهاجرين يبحثون عن فرص عمل واستقرار دائم، أم عابرين في طريقهم إلى دول أخرى، أم لاجئين تنطبق عليهم المعايير الدولية الخاصة بالحماية.
واعتبر الغرياني، أن أي سياسة ناجحة لمعالجة الملف يجب أن تنطلق من تحديد الوضع القانوني للوافدين واحتياجات سوق العمل الليبي، مع الاستفادة من الكفاءات والخبرات التي يمكن أن تسهم في دعم قطاعات الدولة المختلفة بدلاً من ترك الملف في حالة من الفوضى وعدم الوضوح.
وفي تعليقه على الجدل المرتبط بالحراك الرافض للتوطين، شدد الغرياني، على ضرورة الحفاظ على الطابع السلمي والقانوني للاحتجاجات والابتعاد عن أي ممارسات أو خطابات يمكن أن تُفهم باعتبارها استهدافاً لجنسية أو فئة بعينها، مؤكداً أن القضية تتعلق بإدارة الدولة لملف الهجرة وليس بالصراع مع المهاجرين أنفسهم.
وأشار إلى أن توجيه اتهامات جاهزة للحراك الشعبي أو للناشطين المشاركين فيه لا يسهم في معالجة الأزمة، بل يزيد من حالة الاستقطاب، مؤكداً أن النقاش ينبغي أن يتركز على كيفية إدارة ملف الهجرة غير النظامية والتعامل مع تداعياته الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.
وأضاف أن جميع الأطراف المشاركة في النقاش العام أجمعت على رفض أي دعوات تحمل طابعاً عنصرياً أو تحريضياً، وأن الأصوات الرافضة للتوطين سبق أن أدانت مثل هذه الممارسات وشددت على ضرورة الالتزام بالقانون واحترام الكرامة الإنسانية لجميع المقيمين داخل ليبيا.
كما أكد الغرياني، أن ليبيا، شأنها شأن مختلف دول العالم، تمتلك الحق في سن القوانين التي تنظم الإقامة والعمل وحركة الأجانب داخل أراضيها، مشيراً إلى أن الدول الأوروبية نفسها تفرض ضوابط قانونية صارمة على المقيمين والمهاجرين وتتخذ إجراءات مشددة بحق المخالفين للقوانين.
واختتم الغرياني، تصريحاته بالتأكيد على أن ليبيا تواجه أزمات سياسية واقتصادية وخدمية متعددة تجعل قدرتها على استيعاب أعداد متزايدة من المهاجرين محدودة، داعياً إلى تبني سياسات واضحة تقوم على القانون والتنظيم والإدارة الفعالة، وتوازن بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن والسيادة والمصلحة الوطنية، مع توفير عمالة أجنبية منظمة ومعلومة الهوية والكفاءة تلبي احتياجات سوق العمل وتسهم في دعم قطاعات الإنتاج المختلفة.









