ليبيا

“علي”: رفض التوطين لا يبرر الاعتداء على المهاجرين أو استهداف المقار الدولية

قال الأكاديمي والباحث في القانون الدولي، حمزة علي، إن أي دعوات تتضمن التحريض على الاعتداء ضد المهاجرين أو العمالة الوافدة في ليبيا مرفوضة بشكل قاطع، مشدداً على أنها لا تمثل قيم المجتمع الليبي ولا ثقافته أو دينه أو أعرافه، كما أنها تشكل خرقاً للقانون وتعرض مرتكبيها للمساءلة القانونية.

وأكد علي، في مداخلة على قناة “التناصح”، أن الاعتداء على أي شخص أو الدعوة إلى ممارسة العنف ضده أمر غير مقبول، معتبراً أن العديد من الدعوات التحريضية المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تثير الشبهات ولا تخدم معالجة المشكلة الحقيقية.

وأوضح أن ليبيا بحكم موقعها الجغرافي على الساحل الشمالي لقارة أفريقيا تمثل إحدى أهم نقاط العبور للمهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء ومن مناطق أخرى باتجاه أوروبا، وهو ما يجعل قضية الهجرة غير النظامية من القضايا المعقدة التي تمس الجوانب الأمنية والاقتصادية والصحية والديمغرافية في البلاد.

وأشار إلى أن هذه التحديات تتطلب حلولاً حقيقية وفعالة من خلال سياسات واضحة ومؤسسات قادرة على إدارة الملف، بدلاً من اللجوء إلى خطاب الكراهية أو استهداف المهاجرين أنفسهم.

وأضاف أن ما شهدته بعض الدول المجاورة من اعتداءات ضد مهاجرين لم يسهم في حل المشكلة، بل أدى إلى وقوع انتهاكات بحق أشخاص ضعفاء يعيش كثير منهم ظروفاً إنسانية صعبة، مؤكداً أن العنف ضدهم لا يحقق أي نتائج عملية، وإنما يفاقم الأزمة ويخلق مشكلات إضافية.

ورأى أن توجيه الغضب الشعبي نحو المهاجرين يعد انحرافاً عن جوهر المشكلة، موضحاً أن القضية الأساسية تتعلق بشبكات تهريب البشر والمسارات المنظمة التي تنقل المهاجرين من بلدانهم الأصلية مروراً بعدد من المحطات وصولاً إلى الأراضي الليبية ثم إلى السواحل الشمالية.

وأكد أن هذه الشبكات معروفة في كثير من الحالات، وأن معالجة الظاهرة تستوجب التركيز على تفكيك منظومات الاتجار بالبشر والتهريب بدلاً من تحميل المهاجرين أنفسهم مسؤولية الأزمة، مشيراً إلى أن هؤلاء غالباً ما يكونون ضحايا لعمليات استغلال واسعة النطاق.

وأضاف أن كثيراً من المهاجرين يتعرضون خلال رحلاتهم إلى انتهاكات خطيرة ويضطرون إلى دفع مبالغ مالية كبيرة أو بيع ممتلكاتهم أملاً في الوصول إلى أوروبا، بعد أن يتعرضوا لعمليات تضليل من قبل شبكات التهريب التي تقدم لهم وعوداً غير واقعية بشأن مستقبلهم.

وفي سياق متصل، تناول الباحث حمزة، مسألة الحدود القانونية الفاصلة بين الحق في التظاهر السلمي وحرية التعبير من جهة، وبين الأفعال التي قد تشكل انتهاكاً للقانون من جهة أخرى.

ورأى أن التظاهر السلمي والاعتصام والتعبير عن الرأي تعد حقوقاً مكفولة في النظم الديمقراطية، سواء بموجب التشريعات الوطنية أو وفق المبادئ العامة للقانون الدولي، مؤكداً أن من حق المواطنين التعبير عن رفضهم لأي سياسة أو ظاهرة، بما في ذلك ملف الهجرة أو المخاوف المرتبطة بمشروعات التوطين.

وشدد على أن الاعتداء على الأشخاص، أو التحريض ضدهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو أي وسيلة أخرى، يشكل مخالفة قانونية واضحة، كما أن استهداف مقار المؤسسات، أو المنظمات الدولية، أو محاولة اقتحامها، أو تخريبها يدخل ضمن الأفعال المجرّمة قانوناً.

وأكد أن جزءاً كبيراً من المطالب التي يرفعها المحتجون بشأن ملف الهجرة يعكس مخاوف حقيقية ومشروعة لدى قطاعات واسعة من المواطنين، إلا أن التعبير عن هذه المخاوف يجب أن يتم عبر الوسائل السلمية والقانونية، مع توجيه المطالب إلى الجهات المسؤولة والقادرة على معالجة الأزمة بصورة مؤسسية.

وشدد على أن معالجة ملف الهجرة تتطلب مقاربة متوازنة تجمع بين حماية الأمن الوطني واحترام القانون وحقوق الإنسان، مع التركيز على مكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر باعتبارها أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الظاهرة وتفاقم تداعياتها داخل ليبيا.

وقال حمزة، أن الدولة الليبية قد تتحمل مسؤوليات قانونية دولية في حال وقوع اعتداءات على المهاجرين أو العمالة الوافدة أو مقار المنظمات الدولية العاملة في ليبيا، مشدداً على أن مسؤولية حماية جميع الأشخاص الموجودين على الأراضي الليبية تقع في المقام الأول على عاتق الدولة ومؤسساتها.

وبين أهمية التمييز بين مفهومي “المهاجر” و”اللاجئ”، باعتبار أن لكل منهما وضعاً قانونياً مختلفاً في القانون الدولي.

وأضاف أن المنظمة الدولية للهجرة تنفذ في ليبيا برامج للعودة الطوعية للمهاجرين، تتضمن المساعدة في تنظيم إجراءات العودة إلى بلدانهم الأصلية، بما في ذلك توفير وسائل النقل اللازمة لذلك.

وحذر من خطورة الدعوات التحريضية المنتشرة عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي، والتي تدعو إلى الاعتداء على المهاجرين أو ممارسة العنف ضدهم، معتبراً أن هذه الدعوات لا تساهم في حل المشكلة، بل قد تؤدي إلى ارتكاب جرائم وانتهاكات تترتب عليها عواقب قانونية خطيرة.

وأكد أن معالجة ملف الهجرة يجب أن تنطلق من مواجهة الأسباب الحقيقية للظاهرة، وفي مقدمتها شبكات تهريب البشر والاتجار بالأشخاص التي تنشط عبر مسارات الهجرة المختلفة، وتحقق أرباحاً كبيرة من استغلال معاناة المهاجرين. مشيراً إلى وجود أبعاد سياسية ودولية مرتبطة بملف الهجرة، لافتاً إلى أن بعض الأطراف الليبية أجرت خلال السنوات الماضية تفاهمات وتنسيقات مع دول أوروبية تتعلق بملف الحد من تدفقات الهجرة عبر البحر المتوسط، مقابل مكاسب سياسية أو اقتصادية أو دعم في ملفات أخرى.

وأكد على أن أي معالجة مستدامة لأزمة الهجرة في ليبيا يجب أن تقوم على احترام القانون الوطني والالتزامات الدولية ذات الصلة، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وضمان حماية حقوق الإنسان لجميع الموجودين على الأراضي الليبية، بما يحفظ الأمن والاستقرار ويجنب البلاد أي تبعات قانونية أو سياسية على المستوى الدولي.

وختم حمزة علي، حديثه بالتأكيد على أن حل أزمة الهجرة في ليبيا ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتنسيقاً مؤسسياً فعالاً، واستراتيجية شاملة تقوم على حماية الحدود، ومكافحة شبكات التهريب والاتجار بالبشر، وتنظيم العمالة الوافدة وفق الأطر القانونية، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن الوطني واحترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى