اخبار مميزةليبيا

البكوش: لا نتائج لأي عملية سياسية أو انتخابية دون تنازل الأطراف عن مكتسباتها

قال المحلل السياسي، صلاح البكوش، إن الأزمة الليبية لا ترتبط بنقص المبادرات أو تعدد المسارات السياسية المطروحة، بقدر ما تعكس تمسك القوى المتنفذة بمواقع النفوذ التي تسيطر عليها، معتبراً أن أي عملية سياسية أو انتخابية لن تحقق نتائج ملموسة ما لم تكن هذه الأطراف مستعدة للتخلي عن جزء من مكتسباتها السياسية والمالية والعسكرية لصالح بناء دولة موحدة ومؤسسات مستقرة.

ورأى البكوش، في تصريحات على قناة “ليبيا الأحرار”، أن فهم المشهد السياسي يتطلب تبسيطاً بعيداً عن التعقيد والخلط القائم بين المسارات المختلفة، مشيراً إلى وجود تداخل في الأدوار بين المبادرات المطروحة حالياً، وهو ما يخلق حالة من عدم الوضوح لدى الرأي العام.

وبيّن أن الحوار المهيكل، وفق ما أعلنته بعثة الأمم المتحدة، يهدف إلى مناقشة ملفات توحيد المؤسسات والقضايا الاقتصادية والأمنية والسياسية وتقديم مقترحات بشأنها، إلا أنه لا يمتلك صفة الإلزام في تنفيذ مخرجاته.

وأضاف أن لجنة «4+4» تختلف في طبيعة عملها، إذ أُنشئت لمعالجة الخلافات بين مجلسي النواب والدولة، بشأن قوانين الانتخابات وآليات تنظيمها، في ظل تعذر التوصل إلى توافق نهائي بين الطرفين حول هذه الملفات، في حين تتركز جهود المبعوث الأمريكي، مسعد بولس، على مسار توحيد المؤسسات المالية ومعالجة الانقسام المالي والإداري، وهو مسار منفصل عن مهام الحوار المهيكل واللجان الأخرى.

ورأى البكوش، أن المقاربة الأممية للملف الليبي شهدت تحولاً في الفترة الأخيرة، حيث لم تعد الانتخابات تُطرح كهدف وحيد أو مركز العملية السياسية، بل أصبحت جزءاً من حزمة أوسع تشمل توحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات المالية والإدارية وتهيئة بيئة سياسية مناسبة تضمن نجاح أي استحقاق انتخابي مستقبلي.

وأكد أن جميع الأطراف الليبية، سواء الحكومات أو الأجسام السياسية أو الأحزاب أو القوى العسكرية، تعلن دعمها لتوحيد المؤسسات والحكم الرشيد، غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في حجم التنازلات التي يمكن تقديمها لتحقيق هذه الأهداف، لافتاً إلى أن الإشكال لا يكمن في الشعارات المعلنة، بل في الاستعداد الفعلي للتخلي عن جزء من النفوذ والمصالح.

وأضاف أن العقبة الأساسية أمام أي تسوية سياسية تتمثل في تمسك الأطراف الرئيسية بمواقع القوة التي تسيطر عليها سياسياً ومالياً وعسكرياً، وهو ما يجعل مسار الحلول النهائية بالغ التعقيد، متسائلاً عن مدى استعداد هذه القوى لإعادة هيكلة بعض المؤسسات أو إعادة توزيع النفوذ داخلها إذا كان ذلك شرطاً لإنجاز الانتخابات والدستور الدائم وإنهاء المرحلة الانتقالية.

وفي سياق متصل، شدد البكوش، على أن الإشكال لا يتعلق بأشخاص أو أطراف بعينها، وإنما بمبدأ خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة، باعتباره أحد أسس بناء الدولة الحديثة، موضحاً أن رفضه لتداخل العمل العسكري والسياسي يستند إلى تجارب دولية أثبتت صعوبة هذا التداخل عندما يكون العسكريون في مواقعهم التنفيذية والسياسية في آن واحد.

ودعا البكوش، إلى الابتعاد عن الشخصنة في النقاشات السياسية والتركيز على القضايا الجوهرية، مؤكداً ضرورة وضع ترتيبات دستورية ومؤسسية تضمن خضوع المؤسسات العسكرية والأمنية للسلطة السياسية المنتخبة، باعتبار ذلك أحد المفاتيح الأساسية لأي تسوية مستقبلية.

وأشار إلى أن النقاش حول بقاء حكومة أو رحيلها لا يكفي لمعالجة الأزمة، موضحاً أن المطلوب هو تحديد شكل النظام السياسي القادم وآليات إدارة الدولة والعلاقة بين السلطات المختلفة، معتبراً أن الحديث عن حواضن شعبية يجب أن يُحسم عبر الانتخابات والاستطلاعات العلمية لا عبر الخطابات السياسية.

ولفت البكوش، إلى أن عدداً من الأطراف الحالية في المشهد السياسي لم يصل إلى مواقع السلطة عبر انتخابات عامة تمنحه تفويضاً مباشراً من الشعب، وإنما جاء نتيجة ترتيبات سياسية وأمنية فرضتها ظروف المرحلة، ما يجعل الاحتكام إلى صناديق الاقتراع الوسيلة الأجدر لقياس الوزن الشعبي الحقيقي.

وفي تقييمه لمسار التسوية، اعتبر البكوش، أن الأزمة الليبية تدور في حلقة مفرغة نتيجة استمرار القوى النافذة في التمسك بمواقعها ومصالحها، مشيراً إلى أن الأطراف المنخرطة في المفاوضات هي نفسها المستفيدة من الوضع القائم، وهو ما يضعف فرص التوصل إلى حلول جذرية.

وأكد أن الحديث عن الدولة المدنية والدستور الدائم وتوحيد المؤسسات لم يتوقف عبر مختلف المبادرات، لكنه ظل دون تنفيذ فعلي، رغم تجارب متعددة شملت اتفاق الصخيرات ومسار جنيف ومبادرات لاحقة، والتي لم تنجح في إنهاء الانقسام أو بناء مؤسسات مستقرة.

ودعا البكوش، إلى إعادة الملف الدستوري إلى صدارة الأولويات باعتباره المدخل الأساسي لإنهاء المرحلة الانتقالية المتكررة، موضحاً أنه لا يدعو إلى خيار دستوري بعينه، سواء كان مسودة الدستور أو دستور الاستقلال أو أي صيغة أخرى، بل إلى إطلاق نقاش وطني شامل حول الأساس الدستوري للدولة الليبية.

كما أشار إلى أن المواطن الليبي بات أكثر اهتماماً بالاستقرار الاقتصادي ومستقبل الدولة من انشغاله بالصراعات السياسية، مؤكداً ضرورة الانتقال من مرحلة تقاسم النفوذ إلى مرحلة بناء مؤسسات شرعية قادرة على إدارة البلاد.

واختتم البكوش، تصريحاته مؤكدا على أن المسار السياسي الحالي بصيغته الراهنة قد يؤدي إلى إعادة توزيع السلطة والموارد بين القوى النافذة أكثر من كونه طريقاً لحل جذري للأزمة، مشدداً على أن نجاح أي تسوية مستقبلية سيظل مرهوناً بمدى استعداد الأطراف للتخلي عن جزء من نفوذها ومصالحها لصالح بناء دولة موحدة تخضع للقانون والمؤسسات المنتخبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى