اخبار مميزةليبيا

بو الرايقة: انفتاح تركيا على بنغازي يعكس قراءة جديدة للمشهد الليبي

قال المهتم بقضايا الأمن القومي، فيصل بو الرايقة، إن الزيارة الأخيرة التي أجراها الوفد التركي رفيع المستوى إلى بنغازي ولقاءه نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق صدام حفتر، تمثل ثمرة لمسار من الاتصالات والتفاهمات بدأ منذ أغسطس 2025، مشيرًا إلى أنها تعكس تحولًا مهمًا في نظرة أنقرة إلى المشهد الليبي.

وأوضح بو الرايقة، في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، أن هذه الزيارة يمكن اعتبارها نتاجًا لمرحلة طويلة من التفاوض وجس النبض، بدأت مع زيارة رئيس جهاز المخابرات التركي، إبراهيم قالن، إلى ليبيا في أغسطس 2025، وهي الزيارة التي جاءت بناءً على طلب من الجانب التركي.

وأضاف أن هذا التطور النوعي يحمل رسالة مهمة مفادها أن تركيا باتت تقرأ الواقع الليبي من منظور أشمل، ولم تعد تنظر إلى ليبيا من خلال العاصمة طرابلس فقط، بل اتجهت نحو الانفتاح على شرق البلاد عبر بوابة بنغازي والقيادة العامة للقوات المسلحة.

وأشار بو الرايقة، إلى أن هذا الانفتاح يعكس رغبة تركية في التعامل مع ليبيا كوحدة متكاملة، بعيدًا عن الانحياز لأي طرف، مؤكدًا أن القيادة العامة أصبحت شريكًا استراتيجيًا في إطار هذا المسار الجديد من العلاقات.

ولفت إلى أن اللقاء الذي جمع الوفد التركي بالفريق صدام حفتر يكتسب أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور السياسي الذي يؤديه نائب القائد العام، لا سيما فيما يتعلق برؤية ليبيا 2030، معتبرًا أن هذا اللقاء جاء تتويجًا للمفاوضات والاتصالات التي جرت على مدار العام الماضي.

وأوضح بو الرايقة، أن الزيارات السابقة اقتصرت على مستويات عسكرية من خلال رئاسات الأركان والوفود المتبادلة، إلا أن النقلة النوعية في هذه المرحلة تمثلت في مشاركة مسؤولين بارزين من وزارة الخارجية التركية، وعلى رأسهم المسؤول عن ملفي شمال أفريقيا وشرق أفريقيا، والذي يُعد من أكثر الشخصيات تأثيرًا داخل الوزارة.

وأضاف أن حضور هذا المستوى من المسؤولين يعكس رغبة تركية في الإشراف المباشر على مسار الانفتاح مع شرق ليبيا، بعيدًا عن القنوات التقليدية المتمثلة في البعثة الدبلوماسية التركية داخل البلاد.

وأكد بو الرايقة، أن هذه الزيارة تمثل حصيلة لمرحلة الاستطلاع والاستكشاف التي سبقتها، مشيرًا إلى أن الحوار السياسي كان بمثابة الغطاء الاستراتيجي لهذا المسار، الذي انتقل الآن من مرحلة جس النبض إلى مرحلة تثبيت الشراكة والتعامل المباشر مع القيادة العامة باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة شرق ليبيا.

وأشار إلى أن البيان الصادر عن القيادة العامة عقب اللقاء عكس هذا التوجه بوضوح، حيث تكررت فيه مفردات مثل ليبيا والتنمية والإعمار والاستقرار، وهي مفاهيم أصبحت تشكل جوهر الخطاب المشترك بين الجانبين.

كما أوضح بو الرايقة، أن الزيارات المتكررة التي أجراها نائب القائد العام إلى تركيا خلال العام الماضي أتاحت للمسؤولين الأتراك فرصة تقييم الأوضاع في شرق ليبيا وجنوبها بصورة مباشرة.

وأضاف أن الجانب التركي لمس حالة الاستقرار والأمن القائمة في هذه المناطق، إلى جانب وجود مركز ثقل سياسي وأمني واضح، وهو ما شجع على تطوير مستوى التعاون والانفتاح.

كما أشار بو الرايقة، إلى أن القنصلية التركية في بنغازي لعبت دورًا مهمًا في متابعة وتقييم الأوضاع الميدانية، مؤكدًا أن الخطاب الرسمي التركي يركز باستمرار على مفاهيم الاستقرار والتنمية والحفاظ على وحدة ليبيا.

وأكد أن القيادة العامة تنتهج سياسة متوازنة في علاقاتها الإقليمية والدولية، وتسعى إلى الانفتاح على مختلف الأطراف شرقًا وغربًا بما يحقق المصالح الاستراتيجية للدولة الليبية، بعيدًا عن الارتهان لأي محور أو طرف خارجي.

وأضاف أن اللقاءات الأخيرة قد تكون تناولت ملفات أكثر حساسية تتعلق بمنظومة الأمن القومي الليبي، وتطوير قدرات القوات المسلحة، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، والطيران المسيّر، بالإضافة إلى قضايا مرتبطة بشرق المتوسط، إلا أن مثل هذه الملفات تُناقش عادة بعيدًا عن وسائل الإعلام وفي إطار من السرية.

وشدد بو الرايقة، على أن المصلحة الوطنية الليبية تظل العامل الحاكم في أي تفاهمات أو شراكات محتملة ضمن هذه الملفات.

وفي تعليقه على إشادة رئيس الوفد التركي بجهود القيادة العامة في دعم الاستقرار وانعكاس ذلك على الأمن الإقليمي، قال بو الرايقة، إن ملف الشراكات الاستراتيجية لا يزال يتأثر بالظروف التي صاحبت الاتفاقيات الموقعة خلال فترة الانقسام السياسي، ولا سيما الاتفاقيات التي أُبرمت في نوفمبر 2019.

وأوضح أن الاتفاقيات ذات الأبعاد السياسية والاستراتيجية المرتبطة بتمثيل الدولة الليبية ما تزال تحتاج إلى بيئة سياسية أكثر توافقًا، إلا أن برامج التدريب والتأهيل والصيانة والتطوير العسكري تبقى من الملفات القابلة للتقدم خلال المرحلة الحالية.

وأشار بو الرايقة، إلى أن الزيارات المتبادلة خلال الفترة الماضية أظهرت اهتمامًا واضحًا بتأهيل الكوادر العسكرية الليبية من مختلف المناطق، سواء من شرق البلاد أو غربها، وهو ما يعكس دعمًا لجهود توحيد المؤسسة العسكرية.

وأضاف أن الجانب التركي يدرك أهمية البعد الوطني للمؤسسة العسكرية الليبية، وهو ما انعكس كذلك في البيان الصادر عن القيادة العامة، الذي ركز على مفاهيم التعاون والشراكة والاستقرار والإعمار والبنية التحتية، دون التطرق إلى الملفات الحساسة المتعلقة بالتعاون العسكري المباشر أو الاتفاقيات البحرية أو التكنولوجيا الدفاعية.

واختتم بو الرايقة، حديثه بالتأكيد على أن صياغة البيان بهذه الطريقة تعكس رغبة في فتح المجال أمام تطوير العلاقات والتعاون في مختلف المجالات، مع تجنب إثارة الملفات التي قد تثير حساسيات داخلية أو إقليمية في المرحلة الراهنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى