اخبار مميزةليبيا

بويصير: غياب الشفافية في ملف الهجرة يغذي القلق الشعبي ويضعف الثقة

اعتبر المحلل السياسي، محمد بويصير، إن الجدل الدائر حول ما يُطرح بشأن التوطين في ليبيا يعكس حالة رفض شعبي واسع لأي محاولات محتملة في هذا الاتجاه، رغم غياب معطيات دقيقة حتى الآن تثبت أو تنفي هذه الاتهامات بشكل قاطع.
وأوضح بويصير، في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة 24″، أن أزمة الهجرة في ليبيا ليست طارئة، بل تمتد جذورها إلى عقود سابقة منذ السبعينات، مشيرًا إلى أنها تفاقمت بشكل أكبر بعد انهيار مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القوة وتداخل الأدوار بين الأجهزة الرسمية والتشكيلات المسلحة.
وأضاف أن ليبيا تحولت إلى بيئة جاذبة للهجرة بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها وكونها ممراً رئيسيًا نحو أوروبا، لافتًا إلى أن ضعف الدولة وتعدد السلطات المتنافسة زاد من تعقيد إدارة هذا الملف، وجعل السيطرة عليه شبه مستحيلة في ظل الوضع القائم.
ورأى أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بملف الهجرة، بل تعكس في جوهرها إشكالات أعمق تتعلق بانقسام الدولة وتراجع قدرتها على ضبط الحدود، إضافة إلى توسع الأنشطة غير النظامية داخل بعض التشكيلات المسلحة التي تستفيد من استمرار هذا الوضع.
وأشار بويصير، إلى أن غياب الإحصائيات الدقيقة حول أعداد المهاجرين، وعدم التمييز بين المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، ساهم في تعقيد المشهد ورفع منسوب القلق في الشارع الليبي، في ظل تزايد مظاهر الوجود البشري غير المنظم في عدد من المدن.
واعتبر أن المشكلة لا يمكن حلها عبر إجراءات سريعة أو شعارات سياسية، بل تتطلب إدارة مؤسسية متكاملة، قد لا تكون متاحة في ظل الانقسام الحالي وضعف الإمكانيات، مؤكدًا أن ما يجري هو نتاج تراكمات طويلة منذ ما قبل 2011 وصولًا إلى انهيار الأجهزة الموحدة للدولة.
وأوضح بويصير، أن بعض السياسات السابقة، بما فيها التوجه نحو الانفتاح على أفريقيا، إلى جانب مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، ساهمت في تغيير طبيعة حركة الهجرة عبر الأراضي الليبية، ما جعل البلاد نقطة عبور رئيسية نحو أوروبا.
وأشار إلى أن تداخل شبكات التهريب مع بعض التشكيلات المسلحة، وغياب الحدود الفعالة، جعلا من ليبيا ساحة مفتوحة أمام تدفقات بشرية يصعب ضبطها، لافتًا إلى أن كثيرًا من هذه المجموعات باتت جزءًا من اقتصاد غير رسمي مرتبط بتهريب الوقود والبشر.
وأكد بويصير، أنه حتى في حال توحيد المؤسسات السياسية في ليبيا، فإن معالجة ملف الهجرة ستظل معقدة للغاية، نظرًا لطبيعة الجغرافيا والانقسامات الأمنية، معتبرًا أن أقصى ما يمكن تحقيقه في المرحلة الحالية هو تحسين إدارة الأزمة وتقليل آثارها.
وقال إن الحلول الواقعية تكمن في تنظيم الملف داخليًا وتعزيز التعاون مع أوروبا في مجال دعم الحدود والاستثمار في دول المصدر، لكنه اعتبر أن هذه الرؤية لا تزال أقرب إلى الطموح منها إلى الإمكان الفعلي في الظروف الحالية.
وحسب بويصير، فإن الوضع السياسي في ليبيا، في ظل وجود حكومات متنافسة، يفرض صياغة مقاربة وطنية موحدة في التعامل مع ملف الهجرة، تقوم على تغليب المصلحة الوطنية في أي حوار مع أوروبا، بدل الاكتفاء بتلبية تصورات الخارج.
وأوضح أن الخطاب التفاوضي مع أوروبا يجب أن يراعي مخاوف الليبيين ويضعها في الحسبان، سواء من جانب حكومة الوحدة في الغرب أو السلطات في الشرق، مؤكدًا أن المجتمع الليبي يجب أن يكون أولوية في هذا الملف.
وانتقد بويصير، ما وصفه بغياب الشفافية في التعامل مع الاتصالات والزيارات الدولية المرتبطة بملف الهجرة، مشيرًا إلى ضرورة أن يتم إطلاع الرأي العام على ما يجري من تفاهمات أو نقاشات مع الدول الأوروبية، بدل ترك المجال للتكهنات حول اتفاقات تُبرم خلف الأبواب المغلقة.
وأضاف أن ضعف التواصل الحكومي مع المواطنين يعزز حالة القلق ويفتح المجال أمام انتشار المخاوف، داعيًا إلى اعتماد خطاب إعلامي رسمي متوازن يوضح الحقائق ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.
وفي سياق حديثه، شدد بويصير، على أهمية التمييز بين الخطاب الشعبوي والخطاب الحكومي المسؤول، معتبرًا أن أي معالجة لملف الهجرة يجب أن تقوم على احترام حقوق الإنسان وفي الوقت نفسه حماية المصلحة الوطنية الليبية.
وأشار إلى أن تجارب اللاجئين والمهاجرين في دول مختلفة تُظهر تعقيد الظاهرة، لافتًا إلى أن كثيرًا من المهاجرين مروا بتجارب لجوء إنساني عبر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهو ما يستدعي، بحسب قوله، عدم اختزال الملف في بعده الأمني فقط.
كما أكد بويصير، أن هناك ضرورة لفهم التحولات داخل أوروبا نفسها، في ظل تصاعد التيارات اليمينية والشعبوية المعارضة للهجرة، ما يفرض على ليبيا صياغة خطاب دبلوماسي وإعلامي مدروس يوازن بين مصالحها الداخلية ومتطلبات العلاقات الدولية.
وحذر من خطورة غياب التوازن في الخطاب العام، معتبرًا أن الاتهامات الجماعية أو التعميم بشأن المهاجرين قد تضر بسمعة ليبيا وتضعف موقفها في المحافل الدولية.
واختتم بويصير، بالتأكيد على أن ليبيا مطالبة بتبني خطاب عقلاني ومنفتح في إدارة ملف الهجرة، يعكس مسؤولية الدولة ويحافظ في الوقت ذاته على كرامة المجتمع، مع ضرورة الاستفادة من تجارب الهجرة التي عاشها الليبيون أنفسهم في فترات سابقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى