شاكر: التحريض والمبالغة في ملف الهجرة يهددان السلم الاجتماعي

قال الباحث في الشؤون الأوروبية، حسام شاكر، إن تحويل الاتهامات المتبادلة داخل المشهد الليبي حول ملف الهجرة إلى تحميل أطراف دولية مسؤولية التوطين، يعكس في كثير من الأحيان غياب قراءة دقيقة للتفاصيل والوقائع الموثقة، مقابل انتشار خطاب يقوم على المبالغات والهواجس.
وأوضح شاكر، في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة 24″، أن التركيز الأوروبي الأساسي في ملف الهجرة ينصب على منع تدفقات المهاجرين عبر البحر المتوسط، حتى لو أدى ذلك إلى نقل الأزمة إلى بلدان العبور، وفي مقدمتها ليبيا.
وأضاف أن الدول الأوروبية، وعلى رأسها إيطاليا، تنظر إلى ملف الهجرة باعتباره تهديدًا مباشرًا يستوجب احتواءه عبر ترتيبات ثنائية مع دول العبور، بما في ذلك التعاون مع الحكومات والسلطات الأمنية مثل خفر السواحل، بهدف منع وصول المهاجرين إلى السواحل الأوروبية.
وأشار شاكر، إلى أن هذا النهج يؤدي عمليًا إلى ما وصفه بـ“ترحيل الأزمة” نحو الدول الواقعة على خطوط العبور، ما يسبب تكدسًا بشريًا وضغوطًا اجتماعية واقتصادية داخل هذه البلدان، وفي مقدمتها ليبيا، مؤكدًا أن هذه النتائج كانت متوقعة منذ سنوات.
ولفت إلى أن ما يجري في ليبيا لا يرتبط بظاهرة جديدة بقدر ما يعكس أزمة مزمنة في إدارة تدفقات الهجرة، موضحًا أن الحديث عن توطين المهاجرين لا يعكس الواقع بقدر ما يعبر عن تداعيات الضغط المستمر على بلد العبور.
وأكد شاكر، أن أوروبا، في المقابل، لا تُبدي اهتمامًا مباشرًا بما يحدث داخل دول العبور طالما أن تدفقات الهجرة نحو أراضيها يتم احتواؤها، معتبرًا أن هذا النهج يعزز الاعتماد على تفاهمات ثنائية مع أطراف سياسية وأمنية داخل تلك الدول.
وفيما يتعلق بالإجراءات التي أعلنتها الحكومة الليبية، أشار شاكر، إلى أنها تمنح انطباعًا بوجود معالجات جزئية، لكنها لا ترقى إلى مستوى الحلول الشاملة، موضحًا أن المعالجة الحقيقية تتطلب رؤية استراتيجية متكاملة.
وشدد على أن أي مقاربة واقعية لأزمة الهجرة تمر عبر التعامل مع ليبيا بوصفها جغرافيا عبور أساسية تربط إفريقيا بأوروبا، مشيرًا إلى أن موقعها الجغرافي وحدودها الواسعة وسهولة التسلل عبرها تجعلها مركزًا رئيسيًا لحركة الهجرة غير النظامية.
وأضاف أن استمرار الانقسام السياسي داخل ليبيا يضعف القدرة على صياغة استراتيجية وطنية فعالة لإدارة هذا الملف، ما يحد من إمكانية بناء مركز موحد لصنع القرار والسيادة.
وفي المقابل، قارن شاكر، بين الوضع في ليبيا وتونس، مشيرًا إلى أن الأخيرة اعتمدت ترتيبات ثنائية مع الجانب الأوروبي ونجحت نسبيًا في احتواء بعض الضغوط، رغم تعرضها لانتقادات تتعلق بأساليب إدارة الملف، لافتًا إلى أن الوضع في تونس شهد أيضًا توترات اجتماعية، خصوصًا في مدينة صفاقس، ما يعكس حجم التحديات المرتبطة بالهجرة حتى في الدول الأكثر مركزية.
واعتبر أن تونس لا تمثل نموذجًا يمكن تعميمه أو اعتباره حلًا نهائيًا، مؤكدًا أن إدارة ملف الهجرة في الحالتين تظل عرضة للأزمات والتعقيدات المتصاعدة، وأن معالجة الأزمة تتطلب استراتيجيات شاملة تتجاوز الحلول الأمنية أو الثنائية.
وفي سياق متصل، أوضح شاكر، أن التداخل بين بعض الأجهزة المرتبطة بجهات رسمية وشبكات تهريب المهاجرين في ليبيا يعكس تعقيدًا متزايدًا في إدارة الملف، مشيرًا إلى أن ما يعني أوروبا بالدرجة الأولى هو منع وصول المهاجرين إلى أراضيها ضمن ما وصفه بـ“سياسة القلعة”، عبر وكالة “فرونتكس”، دون اكتراث كافٍ بتداعيات ذلك داخل دول العبور.
وأضاف أن التصريحات الأوروبية بشأن الانشغال بأوضاع دول العبور لا تعكس حجم الاهتمام الفعلي، معتبرًا أن إدارة الأزمة تتم عبر ترتيبات خارج الحدود الأوروبية مع دول متعددة في المتوسط، بما في ذلك ليبيا وتونس ومصر وتركيا وغيرها.
وأشار شاكر، إلى أن شبكات التهريب تعتمد على أنشطة ربحية معقدة، مستفيدة من ضعف مؤسسات الدولة في بعض دول العبور، ما يفتح المجال أمام إعادة إنتاج هذه الشبكات، في بعض الحالات مع وجود تسهيلات أو تواطؤ من أطراف داخلية.
واعتبر أن الرهان على إنهاء ملف الهجرة غير النظامية بشكل كامل في ليبيا غير واقعي، داعيًا إلى مقاربة تقوم على إدارة منضبطة للوجود البشري من خلال تصنيفات واضحة تحدد الوضع القانوني والإنساني للمهاجرين.
ورأى شاكر، أن المقاربة الواقعية يجب أن تجمع بين الحد من الدخول غير النظامي وفتح المجال أمام العمالة النظامية، مع الاستفادة من الوجود البشري في بعض القطاعات الاقتصادية بدل تحوله إلى عبء غير منظم، مشيرًا إلى وجود تناقض بين الخطاب الأوروبي الرسمي واحتياجات بعض القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على العمالة المهاجرة.
وشدد على أهمية التمييز بين البعد الإنساني ورفض مفهوم “التوطين”، موضحًا أن تحسين ظروف المهاجرين داخل دول العبور لا يعني بالضرورة تغيير التركيبة السكانية أو فرض حلول دائمة.
وانتقد شاكر، ما وصفه بـ“الهجمة” على بعض المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني، معتبرًا أن تقييد دورها قد يؤدي إلى غياب الرصد الموضوعي للأوضاع الإنسانية، ما يزيد من تعقيد المشهد.
كما حذر من أن التوترات المرتبطة بخطاب الهجرة قد تؤثر على البنية النفسية والقيمية للمجتمعات، مؤكدًا أن تحويل المهاجرين إلى تهديد مباشر قد يقود إلى تصاعد ردود فعل اجتماعية حادة، مستشهدًا بتجارب في بعض المدن الأوروبية التي شهدت اضطرابات على خلفيات مشابهة.
وأوضح شاكر، أن المهاجرين غالبًا ما يكونون ضحايا لظروف الحرب أو الفقر، محذرًا من أن تراكم الخطاب التحريضي قد يؤدي إلى ما وصفه بـ“هيجان اجتماعي” في حال وقوع حوادث فردية تُعمم على فئات بأكملها.
ورأى أن معالجة ملف الهجرة تتطلب مقاربة متوازنة تراعي البعد الإنساني والاجتماعي والأمني، مع ضرورة ضبط الخطاب العام وتجنب المزايدات، مشيرًا إلى أن ليبيا تمتلك قدرات بشرية يمكن أن تساعد في إدارة هذا الملف إذا توفرت رؤية متكاملة.
وفيما يتعلق بالمقاربة الاستراتيجية، قال شاكر، إن إدارة ملف الهجرة في ليبيا تحتاج إلى عقل دولة وليس عقل الحكومات، بما يفرض رؤية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية، معتبرًا أن الملف سيظل معضلة طويلة الأمد بحكم الجغرافيا والتداخل الإقليمي.
وأضاف أن ليبيا ستظل تواجه هذا الملف لفترة طويلة، ما يتطلب التعامل معه كـ“معضلة دائمة” عبر سياسات واقعية تشمل تنظيم الوجود البشري وتوفير الخدمات الأساسية، بدل تركه دون إدارة، محذرًا في الوقت نفسه من الترحيل غير المنظم لما قد يسببه من أزمات إضافية.
واختتم شاكر، بالتأكيد على ضرورة توضيح المفاهيم المتعلقة بـ“التوطين”، موضحًا أن مجرد الوجود البشري لا يعني توطينًا، وأن التوطين يرتبط بالإقامة الدائمة والتغير الديمغرافي المنظم، داعيًا الجهات الرسمية إلى تقديم تعريفات دقيقة بدل ترك المصطلحات في إطار فضفاض.









