امطيريد: حادثة السراج تكشف خللًا في البنية الأمنية بطرابلس

قال الباحث السياسي، محمد امطيريد، إن السلوك الذي صدر عن أحد عناصر جهاز الأمن العام في حادثة منطقة السراج بالعاصمة طرابلس، لا يمكن اعتباره حالة فردية معزولة، بل يعكس، بحسب تعبيره، نمطًا متكررًا داخل بعض التشكيلات المسلحة في المدينة.
وأوضح امطيريد، في تصريحات على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “الساعة 24″، أن طبيعة عمل هذه المجموعات، وفق وصفه، تقوم على سلوكيات غير منضبطة، مشيرًا إلى أن بعض العناصر المنخرطة فيها لا تنتمي إلى مؤسسة عسكرية أو أمنية نظامية ذات معايير واضحة، وهو ما ينعكس على طريقة تعاملها مع المواطنين.
وأضاف أن ما يحدث في طرابلس، وكذلك في مدن أخرى بالمنطقة الغربية، يرتبط بغياب الضوابط المؤسسية التي تنظم سلوك الأفراد قبل انخراطهم في هذه التشكيلات، معتبرًا أن ذلك أسهم في ترسيخ مظاهر الفوضى داخل المشهد الأمني.
وأشار امطيريد، إلى أن بعض هذه التشكيلات، وفق قوله، تتعامل مع المواطنين بأساليب غير منضبطة، مؤكدًا أن هذه الممارسات طالت مختلف فئات المجتمع دون استثناء، بما في ذلك النخب والأشخاص ذوي المسؤولية.
ولفت إلى أن استمرار هذه الأوضاع أدى إلى تغول بعض المجموعات المسلحة داخل العاصمة، ما جعل من الصعب مواجهتها أو ضبط سلوكها في ظل غياب مؤسسات أمنية موحدة.
وفي سياق حديثه، اعتبر امطيريد، أن معالجة هذا الواقع تتطلب إعادة بناء المؤسسة الأمنية على أسس نظامية واضحة، بما يضمن ضبط السلاح وتنظيم التشكيلات تحت مرجعية رسمية واحدة.
وأشار إلى تجربة مدينة بنغازي، معتبرًا أنها شهدت تحولًا تدريجيًا نحو الانضباط الأمني بعد مرحلة من الفوضى، لافتًا إلى أن هذا التحول جاء نتيجة تنظيم التشكيلات تحت إطار مؤسسي واضح وموحد.
ورأى امطيريد، أن الإشكال في طرابلس يتمثل في غياب التمييز بين الأجهزة العسكرية والشرطية وتعدد المرجعيات، ما يخلق حالة من الارتباك الأمني ويضعف قدرة الدولة على فرض النظام.
وشدد على أن الهدف ليس التصعيد ضد أي طرف، بل الدفع نحو بناء مؤسسة أمنية منضبطة وموحدة تضمن الاستقرار وتعيد الثقة بين المواطن والأجهزة الأمنية.
وقال امطيريد، إن المقارنة بين الأوضاع في مدن ليبيا يجب أن تُفهم في إطار نموذج الدولة الواحدة، معتبرًا أن بنغازي وطرابلس وسائر المدن تخضع لانطباع اجتماعي وأمني واحد، وأن الفارق في الأداء الأمني يرتبط بوجود الجيش الوطني وانتشاره.
وأوضح أن وجود قوات مسلحة منظمة وفاعلة ينعكس بشكل مباشر على أداء الأجهزة الأمنية والشرطية، مشيرًا إلى أن التجارب الدولية تؤكد أن الجيش يمثل عنصرًا أساسيًا في فرض الاستقرار وتعزيز هيبة الدولة.
وأضاف أن ما تحقق في بنغازي من استقرار أمني جاء نتيجة انتشار القوات المسلحة وتنظيم المنظومة الأمنية، ما ساهم في تحسين أداء الشرطة والمرور وتعزيز هيبة مؤسسات الدولة، على خلاف الوضع في طرابلس التي لا تزال تعاني من غياب هذا العامل الحاسم.
وأشار امطيريد، إلى أن ليبيا، بجميع مدنها، مرّت بظروف أمنية صعبة شملت مواجهات مع تنظيمات مسلحة وإرهابية، مؤكدًا أن التجربة أظهرت أهمية وجود مؤسسة عسكرية موحدة قادرة على فرض الأمن والاستقرار.
وفي سياق اًخر، قال امطيريد، إن توصيات الحوار المهيكل بشأن تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تتضمن آليات متعددة ومراحل معقدة، تشمل لجانًا متتابعة ثم العودة إلى هيئة الحوار في حال الفشل، قبل الوصول إلى تشكيل مجلس رئاسي وحكومة موحدة.
واعتبر أن هذه التراتبية الزمنية المطروحة، والتي قد تمتد بين 18 و24 شهرًا، تعكس حالة من الإطالة السياسية التي لا تتناسب مع تطلعات الليبيين، مشيرًا إلى أن المسارات السابقة، مثل اتفاق الصخيرات واتفاق جنيف، لم تحقق نتائج حاسمة.
وأضاف أن تكرار النماذج السابقة داخل الحوار المهيكل يعكس، بحسب تعبيره، غياب الحلول الواقعية واستمرار الأزمة في حالة دوران مستمر.
وشدد امطيريد، على أن المبدأ الأساسي محل اتفاق هو ضرورة تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في آلية التنفيذ والمدة الزمنية وآليات الاختيار، مؤكدًا رفضه لفكرة التمديد المفتوح للمرحلة الانتقالية أو تعدد الأجسام التنفيذية.
وشدد على أن أي تسوية سياسية في ليبيا يجب أن تفضي إلى سلطة تنفيذية موحدة ومحددة المدة تمهيدًا لإجراء انتخابات وإنهاء حالة الانقسام المؤسسي.
وحسب امطيريد، فإن الفلسفة الأساسية من الحوار المهيكل تقوم على توسيع قاعدة المشاركة بين الليبيين، غير أنه اعتبر أن هذا التوجه لم يحقق أهدافه على أرض الواقع في ظل استمرار تعقيدات المشهد السياسي وتعدد مراكز القوة.
وأوضح أن التجارب السابقة، ومنها لجنة الـ75، لم تنجح في معالجة الأزمة، مشيرًا إلى أن الإشكال لا يكمن فقط في فكرة اللجان، بل في طبيعة الأطراف التي يتم اختيارها لتمثيل الليبيين داخل هذه المسارات.
وأضاف أن الواقع السياسي في ليبيا يتضمن أطرافًا فاعلة تفرض وجودها على الأرض في الشرق والغرب، ما يجعل إدخال شخصيات لا تحظى بتمثيل حقيقي داخل الحوارات الموسعة أمرًا يثير إشكالًا حول جدوى هذه الآليات.
وأشار إلى أن تصميم بعض مسارات الحوار يقوم على تشكيل أجسام سياسية جديدة وكأن الدولة في حالة استقرار، في حين أن الواقع يعكس استمرار الانقسام وعدم الاستقرار، ما يجعل هذه الأجسام غير قادرة على حل الأزمة.
وانتقد امطيريد، ما اعتبره إقحام شخصيات في العملية السياسية لا ترتبط مباشرة بمسار النزاع أو لا تمتلك خبرة كافية بالملف الليبي، معتبرًا أن ذلك أضعف مخرجات بعض المسارات السابقة.
وقال إن بعض الحكومات الناتجة عن هذه الحوارات، ومنها حكومة الوحدة المؤقتة، أصبحت طرفًا سياسيًا قائمًا بذاته بدل أن تكون أداة لتسوية النزاع.
وأضاف أن غياب التنسيق الفعّال بين البعثة الأممية والأطراف الفاعلة أسهم في إنتاج مخرجات وصفها بأنها ضعيفة، رغم أن الآلية في حد ذاتها قابلة للنجاح إذا طُبقت بشكل صحيح.
واعتبر امطيريد، أن المشكلة لا تتعلق فقط بالآلية، بل أيضًا بمدخلات العملية السياسية، مؤكدًا أن أي حوار لا يراعي تمثيل القوى الفاعلة ستكون مخرجاته غير قابلة للتطبيق.
وأشار إلى أن بعض المبادرات الدولية، بما في ذلك المبادرة الأمريكية، اتجهت إلى نماذج أكثر تركيزًا مثل اللجان المصغرة، معتبرًا أن هذا النهج أكثر قابلية للتنفيذ.
وختم امطيريد، بالتأكيد على أن نجاح أي تسوية سياسية يتطلب حوارًا واقعيًا مع الأطراف المؤثرة فعليًا على الأرض بما يضمن إنتاج حلول قابلة للتطبيق وليست مجرد مخرجات نظرية.









