الدريجة: استمرار اختلال السياسات المالية والنقدية يفاقم أزمة سعر الصرف

قال الخبير الاقتصادي، محسن الدريجة، إن استمرار ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية رغم الإجراءات التي يتخذها مصرف ليبيا المركزي يعود إلى أن المصرف يمثل جزءاً من منظومة الاقتصاد وليس كل عناصرها، مشيراً إلى أن غياب التكامل بين السياسات المالية والنقدية يحد من فاعلية هذه الإجراءات.
وأوضح الدريجة في تصريحات على قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها صحيفة “الساعة 24″، أن الاقتصاد الليبي يعاني من تضخم واضح في الوقت الراهن، معتبراً أن معالجة هذه الظاهرة لم تحظَ بخطوات فعلية، وأن هناك ضعفاً في إدراك تأثير التضخم على مستوى المعيشة اليومية لدى صناع القرار، ما ينعكس على فاعلية السياسات الاقتصادية.
وأضاف أن مصرف ليبيا المركزي يمتلك أداة توفير النقد الأجنبي، إلا أن هذه الأداة لا تحقق النتائج المطلوبة في ظل عدم تناغم السياسات العامة، لافتاً إلى أن استمرار زيادة المعروض من الدينار الليبي في الأسواق، سواء عبر الحسابات المصرفية أو النقد المتداول، يواصل الضغط على سعر الصرف.
وأكد الدريجة أن المصرف ضخ نحو 6 مليارات دولار في السوق، مع إعلان خطط لضخ 3 مليارات إضافية خلال يوليو، إلا أن تقييم هذه الأرقام يتطلب النظر إلى آلية توزيعها، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً منها يذهب إلى الاعتمادات المستندية التي تستحوذ عليها شركات محدودة، في حين يخصص جزء أقل للأغراض الشخصية.
وأشار إلى أن غياب البيانات التفصيلية حول الاعتمادات المستندية يحد من القدرة على تقييم عدالة توزيع النقد الأجنبي، موضحاً أن نمط الاستيراد في ليبيا يعكس عمليات تتجاوز الحاجة الفعلية للسوق المحلي، ما قد يفتح المجال لتسرب النقد الأجنبي عبر آليات مختلفة.
ولفت إلى وجود عامل خلق النقود، موضحاً أنه يتمثل في زيادة المعروض النقدي دون مقابل إنتاجي حقيقي، الأمر الذي يؤدي إلى تضخم وضغط على العملة المحلية وزيادة الطلب على النقد الأجنبي في السوق الموازية.
وبيّن أن خلق النقود قد يتم عبر المصارف التجارية أو عبر توسع غير منضبط في الكتلة النقدية، وهو ما يخلق خللاً بين حجم النقد المتداول وحجم الناتج المحلي، مؤكداً أن أي زيادة نقدية دون إنتاج يقابلها تؤدي تلقائياً إلى ارتفاع الأسعار وسعر الصرف.
وأوضح الدريجة أن التضخم في الحالة الليبية يرتبط مباشرة بزيادة النقد المحلي مقارنة بحجم الاقتصاد، مشيراً إلى أن الفجوة بين نمو النقود ونمو الناتج المحلي تؤدي إلى ارتفاع الطلب على الدولار.
وأكد أن مصرف ليبيا المركزي لا يسيطر بشكل كامل على منظومة خلق النقود، ما يحد من قدرته على ضبط عرض النقد، في ظل غياب سياسات واضحة للحد من التضخم أو التحكم في الإنفاق العام، وهو ما يجعل تأثيره على السوق محدوداً.
وانتقد الدريجة بعض السياسات، بما في ذلك اللجوء إلى توفير النقد الأجنبي نقداً عبر شركات الصرافة، معتبراً أن ذلك لم ينجح في خفض سعر الصرف، بل أسهم في تعقيد آليات التوزيع وخلق تحديات إضافية دون أثر فعلي على السوق.
وشدد على أن معالجة أزمة سعر الصرف تتطلب تكاملاً حقيقياً بين السياسات النقدية والمالية، وضبطاً للإنفاق العام ووقفاً لزيادة الكتلة النقدية دون غطاء إنتاجي، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي سيبقي الضغوط قائمة على الدينار الليبي.
وفي سياق آخر، قال الدريجة إن استمرار غياب تنفيذ اتفاق توحيد الإنفاق وتعدد مسارات الصرف بين الجهات الحكومية سيؤدي إلى تفاقم الاختلالات الاقتصادية، محذراً من أن استمرار الوضع دون إصلاحات سيزيد الضغط على الاقتصاد وسعر الصرف في السوق الموازية.
وأوضح أن الأزمة لا تقتصر على الإنفاق الموازي، بل تشمل مجمل السياسات المالية والإنفاق العام، مشيراً إلى أن توسع الإنفاق خلال السنوات الماضية، بما في ذلك زيادات غير منضبطة في المرتبات والتوظيف والإنفاق الخارجي، أسهم في خلق ضغط متواصل على الطلب على النقد الأجنبي.
وأضاف أن محدودية الدخل لدى المواطنين لا تتناسب مع حجم الطلب على الدولار في السوق، مرجحاً أن هذا الطلب يتركز في أيدي فئة محدودة تمتلك القدرة على الوصول إلى النقد الأجنبي بكميات كبيرة، ما يعكس اختلالاً هيكلياً في توزيع الموارد.
وأشار إلى أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية بشكل كبير، لافتاً إلى أن الاقتصاد الليبي يعاني تضخماً في حجم الدينار المتداول، ما ينعكس مباشرة على سعر الصرف ويجعل الاستقرار أمراً صعباً في ظل غياب سياسات مالية ونقدية منسقة.
وانتقد الدريجة بعض السياسات النقدية، بما في ذلك التوسع في ضخ العملة الورقية، مقابل حلول اعتبرها غير فعالة مثل توفير النقد الأجنبي نقداً عبر بعض القنوات، مؤكداً أن المشكلة ليست في شكل توفر الدولار بل في حجم التدفقات الموجهة إلى السوق.
ولفت إلى أن وقف نشر البيانات الاقتصادية ساهم في زيادة حالة الغموض، معتبراً أن غياب الشفافية يضعف الثقة في السياسات النقدية، خاصة مع تقديرات تشير إلى وجود كتلة نقدية كبيرة تحتاج إلى مليارات الدولارات لمعادلتها.
وأكد أن استمرار الوضع دون إصلاحات هيكلية سيقود إلى أزمة اقتصادية أكثر تعقيداً، داعياً إلى ضبط الإنفاق العام وترشيد استخدام الموارد النفطية وإعادة تنظيم العلاقة بين الإيرادات والنفقات ضمن إطار مالي واضح وشفاف.
وفيما يتعلق بمسؤولية غياب البيانات، أوضح الدريجة أن مصرف ليبيا المركزي يتحرك بين ضغوط متعددة، إذ يقع عليه جزء من المسؤولية في إدارة الشأن الاقتصادي، في حين تتحمل الحكومات والإنفاق العام الجزء الأكبر من الاختلالات، مشيراً إلى أن نشر البيانات قد يضعه في مواجهة انتقادات مباشرة.
وقال إن المصرف يجد نفسه بين خيارين: إما الإفصاح الكامل بما قد يثير ردود فعل سلبية، أو الاستمرار في الصمت النسبي، وهو ما يجعله في كثير من الأحيان عرضة لتحميل مسؤولية الأزمات بشكل منفرد.
وفيما يتعلق بالحلول، شدد الدريجة على أن نقطة البداية تتمثل في ضبط الإنفاق العام ومراقبة الطلب على النقد الأجنبي، مع وضع سقف واضح للإنفاق يتناسب مع قدرة الاقتصاد على الاستيعاب.
وأضاف أن الاستقرار يتطلب أيضاً إعادة توجيه الإنفاق التنموي نحو نشاط اقتصادي حقيقي ومنتج، بدلاً من أن يتحول إلى طلب مباشر على النقد الأجنبي لتمويل مشاريع تنفذها شركات أجنبية دون أثر محلي كافٍ.
وأوضح أن ضعف القاعدة الإنتاجية واعتماد جزء كبير من المشاريع على الخارج يؤدي إلى تسرب النقد الأجنبي خارج الاقتصاد، في حين أن تعزيز دور الشركات المحلية وربط الاستثمارات بالنشاط الداخلي من شأنه دعم الدورة الاقتصادية داخل البلاد.
وختم الدريجة بالتأكيد على أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من ضبط الإنفاق، وتطوير النشاط الاقتصادي المنتج، وإعادة هيكلة إدارة النقد الأجنبي بما يضمن استدامة الموارد وتحقيق الاستقرار النقدي على المدى الطويل.









