اخبار مميزةليبيا

عبد الله: تعيين رئيس جهاز المخابرات لا يزال في إطار إعلامي غير رسمي

قال مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية، أشريف عبد الله، إن الجدل الدائر حول تعيين عبد المجيد مليقة رئيسًا لجهاز المخابرات العامة في ليبيا، استنادًا إلى قرار منسوب لرئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، لا يزال في إطار غير رسمي حتى الآن، مؤكدًا أنه لم يصدر أي بيان رسمي واضح من المجلس الرئاسي بهذا الخصوص.

وأوضح عبد الله، خلال مداخلة على تلفزيون «المسار»، رصدتها «الساعة 24» أن كل ما يتم تداوله حتى اللحظة يندرج ضمن بيانات إعلامية ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من كونه قرارًا نافذًا أو إجراءً مؤسسيًا مكتمل الصيغة، مشيرًا إلى أن المرجعية الوحيدة التي يمكن الاستناد إليها حاليًا هي ما نُسب إلى عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني في تغريدة نُشرت ثم حُذفت لاحقًا.

وأضاف أن جهاز المخابرات العامة في أي دولة، ولا سيما الدول التي تمر بمرحلة انتقالية مثل ليبيا، يُعد خط الدفاع الأول عن الأمن القومي، ويتولى حماية سيادة الدولة من التدخلات الخارجية والاختراقات الداخلية، وهو ما يجعل ملفه من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا.

وشدد على أن طبيعة المرحلة الراهنة تفرض التعامل مع جهاز المخابرات والأجهزة الأمنية السيادية بعيدًا عن التعيينات الإدارية التقليدية أو التوازنات السياسية، باعتبار أن قرارات من هذا النوع تُصنف كقرارات سيادية تمس بصورة مباشرة استقرار الدولة واستمراريتها.

وأكد عبد الله أن الأجهزة الأمنية، بما فيها جهاز المخابرات والأمن الداخلي والبحث الجنائي، يجب أن تخضع لمعايير مهنية صارمة في اختيار قياداتها، بعيدًا عن أي محاصصة سياسية أو استخدامها أداة لتصفية الحسابات أو تعزيز نفوذ أطراف بعينها.

وفيما يتعلق بالصلاحيات القانونية، أوضح عبد الله أن للمجلس الرئاسي دورًا في تعيين رئيس جهاز المخابرات العامة، إلا أن هذا المسار – بحسب قوله – يتطلب أيضًا إجراءات وموافقات مؤسسية أخرى، من بينها تصديق مجلس النواب، ما يجعل العملية مرتبطة بسياق قانوني وسياسي متكامل.

وأشار إلى أن ما يجري حاليًا لا يتجاوز كونه حديثًا إعلاميًا متداولًا، لافتًا إلى أن اسم عبد المجيد مليقة سبق أن طُرح في فترات سابقة ضمن تكهنات إعلامية مماثلة، إلى جانب أسماء أخرى، دون أن يصل ذلك إلى قرارات رسمية نافذة. وأكد أن المرحلة الانتقالية في ليبيا تتطلب إبعاد الأجهزة السيادية عن التجاذبات السياسية والحسابات الضيقة، معتبرًا أن أي محاولة لإقحام هذه المؤسسات في الصراع السياسي قد تنعكس سلبًا على استقرار الدولة وأمنها القومي.

وقال عبد الله إن التصريحات المنسوبة إلى عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني عبر منشور على موقع “فيسبوك” ثم حذفه لاحقًا، تعكس – بحسب رأيه – وجود خلافات حقيقية داخل المجلس الرئاسي بشأن عدد من القرارات السيادية، وفي مقدمتها تعيين القيادات الأمنية. وأوضح أن الخلاف داخل المجلس الرئاسي لا يرتبط بهذا القرار فقط، بل يمتد إلى عدة ملفات أخرى، مشيرًا إلى أن طبيعة تشكيل المجلس الرئاسي نفسه باعتباره هيئة جماعية تضم ثلاثة أعضاء تجعل القرارات عرضة للاختلاف وعدم التوافق المستمر بينهم.

وأضاف أن ما يجري داخل المجلس الرئاسي هو انعكاس مباشر لحالة الانقسام السياسي القائمة في ليبيا، والتي يتداخل فيها المحلي مع الإقليمي، مؤكدًا أن هذا الوضع ينعكس بصورة مباشرة على ملفات حساسة، من بينها تعيين رئيس جهاز المخابرات العامة.

وفي سياق حديثه، شدد عبد الله على أن الأجهزة الأمنية، بما فيها جهاز المخابرات والأمن الداخلي والمباحث والاستخبارات العسكرية، يجب أن تُدار باعتبارها أدوات تنفيذية ضمن هندسة أمنية واضحة تضعها أعلى سلطة سيادية في الدولة، وليس وفق توازنات سياسية أو قرارات متفرقة.

وأشار إلى أن غياب ما وصفه بـ”النظرية والاستراتيجية الأمنية الموحدة” في ليبيا يجعل عملية اختيار القيادات الأمنية غير مبنية على أسس واضحة، لافتًا إلى أن المعايير المهنية يجب أن تكون الحاكمة في اختيار رئيس جهاز المخابرات، بما في ذلك الانتماء المؤسسي، والخبرة الأمنية، والقدرة على إدارة الأزمات.

ورأى أن من أهم الشروط – وفق رؤيته – أن يكون رئيس الجهاز من أبناء المؤسسة الأمنية نفسها، وأن يتمتع بكفاءة تقنية وتكنوقراطية عالية، إلى جانب القدرة على التعامل مع الملفات الأمنية المعقدة، مثل التهديدات السيبرانية والجريمة العابرة للحدود.

وفي المقابل، لمح عبد الله إلى أن ما يجري في ملف التعيين الحالي قد يعكس صفقة سياسية، مشيرًا إلى أن بعض التسريبات المتداولة توحي بأن القرار لا يخضع فقط للمعايير المهنية، وإنما أيضًا لتوازنات داخلية بين أطراف سياسية مختلفة داخل البلاد. وأضاف أن تسمية عبد المجيد مليقة لهذا المنصب – في حال صحت – لا تعكس، من وجهة نظره، معايير القيادة الأمنية المطلوبة، محذرًا من أن قبول مثل هذا المنصب في ظل الظروف الحالية قد يضع صاحبه أمام تحديات كبيرة ومعقدة.

وأكد أن جهاز المخابرات العامة جهاز بالغ الحساسية، وأن أي خلل في إدارته أو تسييس في اختيار قيادته قد ينعكس بصورة مباشرة على الأمن القومي الليبي، داعيًا إلى إعادة الاعتبار للمؤسسات الأمنية وفق أسس مهنية ووطنية واضحة. وقال عبد الله إن العاملين داخل الجهاز، وخاصة القيادات الوطنية التي تتولى إدارته، لا يقبلون بأي تدخلات خارجية تمس طبيعة عمله أو استقلاليته.

وأضاف أن محاولات التأثير على جهاز المخابرات ليست جديدة، إذ تعود إلى عام 2012 عندما تم تعيين ثلاث شخصيات داخل الجهاز، من بينها شخصيات من خارج المؤسسة، وهو ما أدى – وفق قوله – إلى إشكاليات في حينه. وأشار إلى أنه خلال عامي 2015 أو 2016 جرت محاولات لإعادة ترتيب القيادات على رأس الجهاز، إلا أن تلك المحاولات اصطدمت – بحسب وصفه – بتدخلات أطراف سياسية ومحاولات للمحاصصة في المناصب القيادية داخل الجهاز.

ولفت عبد الله إلى أن إحدى أبرز الإشكاليات تتمثل في أن اختيار رئيس جهاز المخابرات أصبح خاضعًا لتجاذبات بين أطراف سياسية مختلفة، حيث يسعى كل طرف – وفق قوله – إلى التأثير في هذا الاختيار بما يخدم رؤيته لبعض الملفات والقضايا والشخصيات. وأكد أن جهاز المخابرات هو جهاز مختص بتأمين الدولة من التهديدات الخارجية، ولا يضطلع بمهام داخلية داخل ليبيا، باستثناء متابعة بعض البعثات الدبلوماسية والسفارات، بينما يتركز عمله الأساسي خارج البلاد.

وفي ختام حديثه، شدد عبد الله على ضرورة مأسسة التعيينات في المناصب السياسية والأمنية، داعيًا المجلس الرئاسي إلى تحمل مسؤولياته في تحييد جهاز المخابرات والأجهزة الأمنية عن الصراعات السياسية. كما دعا إلى “تطهير” المفاصل الأمنية من أي عناصر دخيلة، محذرًا من أن وجودها قد يفتح منافذ لتدخل أطراف خارجية، مؤكدًا أهمية الالتزام بالقانون والمؤسسات، وترك إدارة هذه الملفات ضمن أطر مؤسسية واضحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى