اخبار مميزةليبيا

الفنيش: الغرب الليبي لا يمكن اختزاله في حكومة أومدينة أو مجموعة واحدة

أكد المحلل السياسي، حسام الفنيش، أنه في لحظات التحول الكبرى لا تكون المعركة الحقيقية فقط حول من يمتلك السلطة بل حول من يمتلك القدرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة وصناعة التوازنات الجديدة.

وبين عبر حسابه بـ”فيس بوك”، أن الصراعات السياسية لا تُحسم دائماً بمن يملك المؤسسات أو النفوذ بل بمن يستطيع تحويل التعدد إلى مشروع والخلافات إلى توافقات ومراكز القوة المتنافسة إلى صيغة سياسية قادرة على البقاء.

وتابع: “من هنا يبرز السؤال الأكثر تعقيداً في المشهد الليبي اليوم: من يمثل الغرب الليبي؟ ومن يستطيع تحويل تعدد مراكز النفوذ إلى كتلة سياسية متماسكة قادرة على فرض نفسها في المعادلة الوطنية؟”

ونوه بأن الحديث عن الغرب الليبي ككتلة واحدة يحتاج إلى مراجعة عميقة؛ فهو ليس جسماً سياسياً متجانساً بل مساحة تتداخل فيها الجغرافيا مع التاريخ والمصالح والأمن والاقتصاد.

وأشار إلى أن طرابلس بما تمثله من مركز الدولة والمؤسسات ومصراتة بثقلها الاقتصادي والسياسي والأمني ومدن الجبل الغربي والساحل التي تمتلك حضورا اجتماعيا وسياسيا وامني إضافة إلى قوى محلية متعددة تبحث عن دور في صياغة مستقبل البلاد.

وشدد على أن المعضلة الأساسية ليست في غياب القوة بل في غياب القدرة على جمع هذه القوى داخل مشروع سياسي واحد، موضحًا أن الغرب الليبي يمتلك عناصر تأثير متعددة لكنه لم ينجح حتى الآن في تحويل هذه العناصر إلى مركز قرار موحد.

وذكر أن كل طرف يمتلك جزءاً من المعادلة لكن لا أحد استطاع أن يقدم نفسه باعتباره قادراً على تمثيل الجميع، مبينًا أن التجربة السياسية خلال السنوات الماضية أظهرت أن امتلاك السلطة التنفيذية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على بناء تمثيل سياسي شامل.

وقال إن حكومة الدبيبة حاولت تقديم نفسها باعتبارها مركز التوازن القادر على قيادة المرحلة الانتقالية، منوهًا بأن التجربة كشفت أن إدارة العاصمة لا تعني بالضرورة تمثيل مدينة طرابلس والغرب الليبي بأكمله وأن السيطرة على مؤسسات الدولة لا تكفي لصناعة كتلة سياسية منسجمة.

وأردف: “بقيت التباينات داخل الغرب الليبي قائمة وظلت العلاقة بين السلطة التنفيذية ومراكز القوة المختلفة أقرب إلى تفاهمات ظرفية ومتغيرة أكثر من كونها شراكة استراتيجية قائمة على رؤية مشتركة لمستقبل الدولة”.

وشدد على أن الغرب الليبي لا يمكن اختزاله في حكومة كما لا يمكن اختزال تمثيله في مدينة أو مجموعة واحدة. فالتمثيل الحقيقي يحتاج إلى مشروع قادر على طمأنة الجميع لا إلى محاولة فرض مركز واحد على مراكز أخرى.

وأكمل: “ترى هانا أرندت فإن القوة لا تنبع فقط من القدرة على فرض الإرادة بل من قدرة الجماعة على العمل المشترك، وهذه الفكرة تنطبق بشكل واضح على الحالة الليبية؛ فالقوى المتعددة قد تمتلك قدرة على التعطيل لكنها لا تتحول بالضرورة إلى قوة قادرة على البناء”.

وشدد على أنه خلال سنوات الأزمة انشغلت النخب السياسية بسؤال السلطة والشرعية وتقاسم النفوذ بينما بقي صوت المواطن حاضراً فقط في لحظات الانفجار الاجتماعي والأزمات اليومية.

وذكر أنه عندما تنقطع الكهرباء أو تتراجع الخدمات أو ترتفع الأسعار يظهر صوت المجتمع للحظات ثم يعود إلى الهامش بعد انتهاء الأزمة، متسائلًا: هل يمكن بناء دولة مستقرة دون سؤال المواطنين عن شكلها ومستقبلها؟.

وقال إن أي كتلة سياسية جديدة لن تنجح بمجرد جمع القوى السياسية والأمنية فقط بل بقدرتها على استعادة الثقة مع المجتمع، وأشار إلى أن واشنطن والمجتمع الدولي بعد سنوات من التعامل مع أزمات متكررة يدركان أن المشكلة الليبية ليست فقط في غياب الحكومة بل في غياب طرف يمتلك القدرة على جمع التناقضات وإنتاج استقرار مستدام.

وأضاف: “لهذا قد لا يكون الرهان الدولي على شخصية واحدة بل على صيغة سياسية قادرة على استيعاب مراكز القوة المختلفة داخل إطار واحد”، مبينًا أن التجربة أثبتت أن الخارج يستطيع دعم التسويات لكنه لا يستطيع خلق شرعية وطنية من خارج المجتمع. فالشرعية الحقيقية تُبنى عندما يشعر المواطن أن المشروع السياسي يعبر عنه وليس مجرد ترتيب بين النخب.

وأكد أن اختبار المرحلة القادمة المعادلة الجديدة في الغرب الليبي لن يحسمها فقط من يملك القوة الأمنية أو السيطرة على المؤسسات بل من يستطيع الانتقال من منطق إدارة النفوذ إلى منطق بناء الدولة.

وشدد على أن القيادة الحقيقية ليست القدرة على إقصاء الآخرين بل القدرة على جمعهم، متسائلًا: “هل سيبقى الغرب الليبي ساحة تنافس بين مراكز قوة متعددة حيث يمتلك الجميع جزءاً من القوة ولا يمتلك أحد رؤية شاملة للمستقبل؟”.

وقال إن ليبيا لا تحتاج فقط إلى حكومة جديدة بل إلى فلسفة جديدة للحكم تقوم على الشراكة والعدالة والتمثيل الحقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى