اخبار مميزةليبيا

خالد علي: الصراع في الزاوية يتجاوز الخلاف على السجون إلى النفوذ والثروة

قال المحلل السياسي خالد علي، إن حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة تتحمل المسؤولية الكاملة عن استمرار المواجهات المسلحة في المنطقة الغربية، باعتبار أن غالبية التشكيلات الموجودة على الأرض تتبع بشكل مباشر أو غير مباشر جهات رسمية في حكومة الدبيبة، مشيراً إلى أن استمرار هذه الاشتباكات يعكس عمق الانقسام الأمني والسياسي في ليبيا، ويكشف عن عجز السلطات الرسمية عن ضبط التشكيلات المسلحة المنتشرة في المنطقة.

وأوضح علي، في لقائه مع قناة الوسط، رصدته صحيفة الساعة 24، أن الإشكالية الحالية تعود في جانب أساسي منها إلى أن الخلافات التي اندلعت منذ عام 2021 عقب المواجهات التي شهدتها البلاد بين قوى الشرق والغرب لم تُحسم حتى الآن، لافتاً إلى أن مجلس الوزراء، بصفته القائد الأعلى في ذلك الوقت، أصدر في 15 أغسطس 2021 قراراً بإنشاء المنطقة الغربية الساحلية، بما أدى إلى فصل المنطقة الغربية التي كانت تُعرف بالجبل الغربي أو المنطقة الغربية إلى منطقتين، ساحلية وجبلية.

وأشار إلى أن هذا القرار أسهم في تهيئة الظروف أمام الجماعات المسلحة للتنافس على مناطق الساحل، نظراً لأهميتها الاستراتيجية واحتوائها على عدد من المؤسسات والمنشآت الحيوية، موضحاً أن المنطقة الساحلية كانت في تلك الفترة مرتبطة بصلاحيات وزارة الدفاع ورئاسة الأركان والقيادة العليا.

وأضاف أن المنطقة التي أنشئت بموجب القرار تتبع تعبوياً القائد الأعلى للجيش، ومالياً وزارة الدفاع، وإدارياً رئاسة الأركان، وتضم عدداً من التشكيلات والأجهزة، من بينها جهاز مكافحة التهديدات الأمنية، الذي أشار إلى أنه يتولى مهام تتعلق بمكافحة التهديدات الأمنية، وحماية المناطق، ومحاربة شبكات التهريب والجريمة المنظمة، والتصدي للهجرة غير النظامية وملاحقة مروجي المخدرات.

وفي المقابل، تحدث علي عن الكتيبة 103، موضحاً أنها تشكيل عسكري ينتشر في منطقة الساحل الغربي، وخصوصاً في مدينة الزاوية وما حولها، وأنها تتبع وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة وتخضع لأوامر الجهات العسكرية التابعة لها. وأكد أنه لا ينحاز إلى أي طرف من الأطراف المتصارعة، لكنه يرى أن هذه التشكيلات، أياً كانت طبيعتها، ترتبط في الأساس بهيكل الدولة، وبالتالي فإن المسؤولية تقع على الجهات الرسمية التي يفترض أن تراقب أداءها وتحاسب قياداتها.

وتابع أن ما يثير الاستغراب هو عدم صدور إجراءات واضحة من حكومة الدبيبة أو وزارة الدفاع أو رئاسة الأركان لإحالة قادة التشكيلات المتورطة في المواجهات إلى التحقيق، لمعرفة أسباب اندلاع الاشتباكات والجهات التي تقف وراءها، مشيراً في المقابل إلى أن وزارة العدل والشرطة القضائية فتحتا تحقيقات بشأن واقعة فرار سجناء من سجن صرمان.

وذكر أن أعداد الفارين تتراوح بين 860 وألف شخص، بينهم أكثر من 38 محكوماً بالإعدام، و142 موقوفاً على ذمة قضايا قتل، إضافة إلى نحو 400 شخص من الأفارقة، وحوالي 420 موقوفاً في قضايا مختلفة، الأمر الذي يجعل قضية السجن والتحقيق في عملية الفرار من الملفات الخطيرة التي تستوجب كشف ملابساتها.

وحذر علي من أن خطورة التطورات لا تتوقف عند الاشتباكات ذاتها، وإنما تمتد إلى نوعية الأسلحة المستخدمة، مشيراً إلى استخدام أسلحة ثقيلة داخل الشوارع، فضلاً عن وجود أعداد كبيرة من الطائرات المسيرة لدى بعض التشكيلات، متسائلاً عن كيفية وصول هذه الكميات من الأسلحة والمعدات إلى مجموعات لا تخضع لسيطرة الدولة بصورة كاملة.

وأكد أن المسؤولية في هذه الحالة موزعة بين عدة مؤسسات رسمية، موضحاً أن القول إن المنطقة تتبع تعبوياً للقيادة العامة في المنطقة الغربية ومالياً لوزارة الدفاع في حكومة الدبيبة وإدارياً لرئاسة الأركان في المنطقة الغربية قد يؤدي إلى تشتيت المسؤولية، بدلاً من تحديد الجهة التي يجب أن تتحمل تبعات ما يحدث.

وشدد على أن مدينة الزاوية تمثل نقطة شديدة الحساسية، ليس فقط بسبب المواجهات المسلحة، وإنما بسبب موقعها وما تحتويه من منشآت حيوية وثروات ومرافق استراتيجية، مبيناً أن المدينة تضم مصفاة الزاوية النفطية التي تعد أكبر مصفاة في ليبيا، وتصل قدرتها الإنتاجية إلى نحو 120 ألف برميل يومياً، كما تمد مناطق محلية بالوقود، إلى جانب مستودعات الزاوية النفطية التابعة لجهات التسويق، والطرق الرئيسية والمنشآت الحيوية.

ولفت كذلك إلى محطة الزاوية المزدوجة للكهرباء، التي تعمل بالغاز وتغذي الشبكة العامة بنحو 1490 ميغاوات، فضلاً عن المراكز الصحية ومراكز البحوث والطرق الرئيسية ومنافذ وممرات التهريب، معتبراً أن كل هذه العناصر تجعل الزاوية مصدر قلق دائم، وفي الوقت ذاته تمثل جزءاً مهماً من ثروة الليبيين ومقدرات الدولة.

ودعا إلى اتخاذ إجراءات رسمية حازمة لوقف المهدرات التي لا تقتصر آثارها على الزاوية، بل تمتد إلى مناطق أخرى، مشدداً على ضرورة تنظيم التشكيلات المسلحة ووضعها تحت سلطة مؤسسات الدولة، لأن استمرار الخلاف بينها تحت أي ذريعة، سواء كان بسبب السجون أو إخراج مجموعة من السجناء، لا يمكن أن يكون مبرراً لاستمرار الفوضى.

وأضاف أن السؤال الأهم يتمثل في معرفة ما إذا كانت المواجهات قد اندلعت بالفعل بسبب قضية السجن وفرار السجناء، أم أنها مرتبطة بالصراع على مناطق النفوذ والثروة، مؤكداً أن تحديد السبب الحقيقي يمثل مسألة أساسية يجب أن يعرفها الشارع الليبي.

وفي تعليقه على الحاضنة الاجتماعية والسياسية لبعض التشكيلات المسلحة، قال خالد علي إن تحميل حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة المسؤولية لا يعني الانحياز إلى طرف ضد آخر، وإنما يرتبط بكون هذه الحكومة صاحبة المسؤولية المباشرة عن المنطقة الغربية، وباعتبار أن التشكيلات الموجودة فيها ترتبط بدرجات مختلفة بمؤسسات الدولة.

وأوضح أن رئاسة الأركان في المنطقة الغربية تعاني منذ فترة من مشكلة تتعلق بشغور منصب رئيس الأركان وتكليف صلاح النمروش، معتبراً أن وزارة الدفاع تواجه بدورها إشكالية كبيرة، في ظل غياب موقف واضح وحاسم تجاه التشكيلات الموجودة على الأرض.

وأشار إلى أن النمروش ترك جانباً من الملفات المرتبطة بالتشكيلات المسلحة وانشغل بملفات أخرى، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى معالجة مباشرة للواقع الأمني، مؤكداً أن جهاز مكافحة التهديدات الأمنية، الذي فضل عدم التركيز على أسماء قياداته، أُنشئ بقرار من جهات رسمية ويتبع حكومة الدبيبة، وبالتالي يمكن لرئيس حكومة الوحدة المؤقتة استدعاء مسؤوليه والتحقيق معهم أو إعفاؤهم أو استبدالهم إذا ثبت فقدان السيطرة على الجهاز.

كما أوضح أن الكتيبة 103 تتبع وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، وأن النظر في المهام المنوطة بكل طرف يكشف عن تداخل واضح في الاختصاصات؛ فجهاز مكافحة التهديدات الأمنية يفترض أن يتولى مكافحة التهديدات، ومحاربة شبكات التهريب والجريمة المنظمة، والتصدي للهجرة غير النظامية ومكافحة المخدرات، في حين ترتبط مهام الكتيبة 103 بالانتشار في المناطق التي تشهد اشتباكات، ووقف إطلاق النار، وتأمين الطرق والتقاطعات الرئيسية، وحماية المدنيين وممتلكاتهم، والتنسيق مع الأعيان والشيوخ لمعالجة المشكلات المحلية.

وحذر من أن استمرار التوتر في منطقة الزاوية يهدد بالامتداد إلى صرمان وصبراتة، موضحاً أن طبيعة القوى الموجودة في المنطقة تجعل المشهد أكثر تعقيداً، في ظل وجود قوى مستقلة في مناطق أخرى مثل زوارة، فضلاً عن اختلاف مناطق النفوذ في الجبل الغربي، وهو ما يعكس تشابكاً كبيراً في الخارطة الأمنية.

ورأى أن الحديث عن الطائرات المسيرة، وعن وجود قوات تركية في قاعدة الوطية، وعن انتشار مجموعات مسلحة ثقيلة التسليح، يؤكد أن المنطقة الغربية أصبحت تعاني من تراجع واضح في السيطرة الرسمية، مشيراً إلى أن بعض التشكيلات تحتمي بالسلاح وبالمدنيين الذين يتحولون إلى دروع بشرية لاستمرار الصراع وتحقيق أهداف معينة.

وربط علي بين أحداث صرمان والتحركات التي شهدتها منطقة سوق الجمعة ومحاولات إسقاط حكومة الدبيبة، قائلاً إن الشارع في البداية طالب بإسقاط الحكومة، غير أن التطورات اللاحقة أظهرت وجود حسابات داخلية وخارجية متداخلة، خصوصاً مع الحديث عن أن سقوط حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في الغرب قد يفتح الطريق أمام ما يعرف بمبادرة بولس.

وأكد أن استمرار هذه الصراعات يدفع المواطن الليبي إلى تحمل الثمن مباشرة، سواء من خلال ساعات انقطاع الكهرباء أو الأضرار التي تلحق بالممتلكات والخدمات، مشيراً إلى أن المواطن قد يتحمل انقطاع الكهرباء لعشر أو اثنتي عشرة ساعة، بينما تكتفي حكومة الدبيبة بعد انتهاء الاشتباكات بإرسال لجان لحصر الأضرار، من دون أن يكون واضحاً من سيتحمل تكاليف التعويض والإصلاح.

وأضاف أن هذه التشكيلات تتحرك تحت عباءة حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، وبالتالي فإن الحكومة أمام خيارين واضحين: إما تحمل مسؤوليتها ومواجهة هذه التشكيلات، أو الإعلان صراحة أمام المجتمع الدولي بأنها فقدت السيطرة عليها، خصوصاً إذا كانت تمتلك أسلحة خطيرة وتتمترس خلف المدنيين.

وفي السياق نفسه، رأى علي أن الأحداث الأخيرة يجب ألا تُفهم بمعزل عن المبادرات السياسية المطروحة، سواء المبادرة الأممية أو التحركات الدولية الأخرى، مشيراً إلى أن الإعلان الأممي عن آلية لتعيين رئيس جديد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب الزخم الذي حظيت به مبادرة بولس، يأتي في ظل مشهد أمني وسياسي شديد التعقيد.

وأكد أن المشكلة في غرب ليبيا ليست وليدة اللحظة، بل هي أزمة متداخلة ومتفاقمة تمثل إرثاً يمتد لنحو 15 عاماً، داعياً إلى طرح أسئلة حول أسباب عودة التحركات المسلحة بهذا الشكل، وما إذا كانت أحداث صرمان وما تبعها من أزمة في الكهرباء، ثم تحركات قوات الردع في طرابلس، قد ارتبطت ببعضها البعض.

وأشار إلى أن سرعة إيقاف بعض التحركات بعد تصاعد الضغوط تكشف، من وجهة نظره، عن وجود عوامل سياسية وأمنية تتجاوز الحدود المحلية، معتبراً أن القوى الفاعلة على الأرض ترتبط، بدرجات مختلفة، بعوامل فكرية وقيادية ومالية وأيديولوجية وبمؤثرات من خارج البلاد، وهو ما يجعل الوصول إلى حل ليبي-ليبي أمراً بالغ الصعوبة.

وفي هذا الإطار، أشاد بدور بعض التشكيلات المحلية التي تدخلت لوقف النزاعات، ومن بينها القوة 52 مشاة بقيادة محمود بن رجب، معتبراً أن تدخلها ساهم في إيقاف جانب من المواجهات التي اندلعت بين الأطراف المتخاصمة، رغم استمرار الغموض بشأن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى اندلاعها، وما إذا كانت مرتبطة بالسجن أو بمصالح أخرى أو بدفع أطراف معينة لهذه التشكيلات للتحرك.

ووصف حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة بأنها ضعيفة في طرابلس ولا تمتلك سوى التحالفات والولاءات، معتبراً أن بعض الشخصيات داخلها تحاول تحسين صورتها أمام الأطراف الخارجية لضمان وجودها في أي تشكيلة حكومية مقبلة.

وقال إن هناك ازدواجية بين ما تفعله الحكومة التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة وما يحدث فعلياً على الأرض، موضحاً أن الحكومة قد تسعى إلى ضمان موقعها في أي ترتيبات سياسية جديدة، بينما تظل القوى المسلحة صاحبة النفوذ الفعلي قادرة على فرض شروطها.

وخاطب الدبيبة بالقول إن امتلاك الحكومة نفوذاً في المفاوضات أو الاتفاقات السياسية والمبادرات الأممية، سواء نجحت أو فشلت، لا يعني بالضرورة قدرتها على فرض إرادتها على الأرض، محذراً من أن الأطراف التي تسيطر على المناطق تستطيع فرض أمر واقع جديد، ومتسائلاً عما إذا كانت تلك الأطراف ستقبل فعلاً باستمرار الحكومة الحالية إذا جرى فرض ترتيبات سياسية جديدة.

وأبدى علي تشاؤمه من مستقبل بعض الاتفاقات والمبادرات المتعلقة بليبيا، معتبراً أنها قد تؤدي إلى تجزئة المؤسسات وتعميق الخلاف بين الليبيين، من خلال تكريس واقع حكومتين ومراكز نفوذ متعددة، بدلاً من بناء مؤسسات موحدة قادرة على إنهاء الانقسام.

وأوضح أن هذه الطروحات تكشف عمق الأزمة التي تعيشها البلاد، مؤكداً أن استمرار الانقسام الأمني والسياسي سيبقي ليبيا رهينة لتوازنات القوى والمصالح الداخلية والخارجية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى جلوس الليبيين معاً كعقلاء، وطرح المشكلة بوضوح أمام الجميع، والعمل على معالجة جذورها بدلاً من إدارة نتائجها بصورة مؤقتة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى