“المصراتي”: لا يمكن معالجة أزمات ليبيا دون تشخيص جذور الفوضى

قال الأكاديمي والباحث السياسي عبد الباسط المصراتي، إن المشهد الليبي لا يزال محكوماً بحالة من الفوضى المستمرة، مؤكداً أن معالجة الأزمات المتكررة تتطلب تشخيصاً دقيقاً لجذورها، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها أو التركيز على تفاصيل جزئية من المشهد.
وأوضح “المصراتي”، في مداخلة لقناة “ليبيا الحدث”، ورصدتها “الساعة 24″، أن ليبيا تفتقر منذ سنوات، إلى سياسة عامة واضحة للدولة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية، معتبراً أن غياب هذه السياسة أسهم في تكريس حالة الانقسام والفوضى التي تعيشها البلاد منذ عام 2013 وحتى اليوم.
وأشار إلى أن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يقتصر على ما يحدث في الشارع أو أمام محطات الوقود، وإنما يجب أن يمتد إلى البحث في أسباب هذه الأوضاع: من أين جاءت هذه المجموعات المسلحة؟ وكيف تشكلت؟ وما طبيعة أدوارها؟ ومن يقف وراءها؟ وما الذي تريده؟.
وأضاف أن هذه الأسئلة ضرورية للوصول إلى تشخيص حقيقي للمشكلة، موضحاً أن الحديث عن فقدان خزان وقود أو أزمة في إمدادات البنزين لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن هناك أرواحاً تُزهق وأن المواطن الليبي يدفع ثمن الفوضى، في ظل معاناة متواصلة من أزمات الكهرباء والوقود والخدمات الأساسية.
وانتقد “المصراتي”، التركيز على الجانب الاقتصادي أو اللوجستي للأزمة بمعزل عن أبعادها الأمنية والسياسية، قائلاً: إن مشاهد المواطنين أمام محطات الوقود، إلى جانب ما تشهده مناطق مختلفة من اشتباكات وتوترات، تعكس وجود أزمة أعمق تتعلق بغياب الدولة وقدرتها على فرض القانون.
ولفت إلى أن طرابلس والزاوية وورشفانة، إلى جانب عدد من البلديات والمناطق الأخرى، شهدت خلال السنوات الماضية جولات متكررة من الحروب والاقتتال، معتبراً أن تكرار هذه الأحداث يؤكد أن الأزمة ليست استثناءً عابراً، وإنما جزء من حالة عامة مستمرة.
وقال إن الفوضى لا تنتج الاستقرار، بل تؤدي إلى إعادة إنتاج نفسها، مضيفاً أن أي تشكيل مسلح يخرج عن نطاق الدولة والقانون يمكن أن يتحول، في نهاية المطاف، إلى قوة مستقلة تفرض إرادتها على المجتمع والدولة.
وأكد أن الإشكالية لا تتعلق بحكومة بعينها، وإنما بنهج متكرر تعاقبت عليه حكومات عدة خلال السنوات الماضية، مشيراً إلى أن تغيير الحكومات لم يؤدِ إلى تغيير جوهري في طريقة التعامل مع المجموعات المسلحة أو مع ملف بناء مؤسسات الدولة.
وأوضح أن الحديث عن «حكومة لا للحرب» لا يعني، في رأيه، أن الدولة تتخلى عن مسؤوليتها في مواجهة أي طرف يخرج عن القانون، مؤكداً أن رفض الحرب لا يتعارض مع إنفاذ القانون وحماية المواطنين ومؤسسات الدولة.
وشدد على أن الحرية لا يمكن أن تكون مطلقة على حساب حقوق الآخرين، وأن أي مجموعة تحصل على دعم الدولة تحت مسميات مختلفة، ثم تستخدم قوتها ونفوذها في مواجهة الدولة أو المجتمع، يجب أن تخضع للقانون.
وأضاف أن مفهوم «دعم الاستقرار» يحتاج بدوره إلى تعريف واضح، متسائلاً: استقرار من؟ ومن الذي يتم دعمه؟ وما هي حدود هذا الدعم؟، مؤكداً أن الصفة القانونية يجب أن تكون مرتبطة بالفعل والممارسة، وأن دعم الاستقرار لا يمكن أن يتحول إلى غطاء لاستمرار نفوذ مجموعات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة.
وأشار إلى أن بناء الدولة يتطلب إدماج جميع التشكيلات المسلحة التي يمكن إدماجها ضمن الأطر القانونية والمؤسسية، وإنهاء حالة الازدواجية بين مؤسسات الدولة والقوى المسلحة التي تعمل خارج نطاق القانون.
وأكد أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الإطار القانوني والدستوري المنظم للعلاقة بين الدولة والمجتمع، موضحاً أن السياسة العامة هي التي تضع الإطار الذي تُبنى عليه القوانين، وأن القوانين بدورها تنظم العلاقات الاجتماعية والسياسية بين الأفراد والمؤسسات.
وتساءل المصراتي، عن مدى وجود منظومة قانونية ودستورية متكاملة في ليبيا تستطيع تنظيم هذه العلاقة، مشيراً إلى أن استمرار غياب هذا الإطار يفتح المجال أمام الأعراف والممارسات غير الرسمية لتحل محل مؤسسات الدولة والقانون.
وأكد أن ليبيا تحتاج إلى إعادة نظر شاملة في سياستها الداخلية، وترميم مؤسسات الدولة من الداخل، ووضع سياسة عامة واضحة تحدد طبيعة العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة، وتضع الجميع تحت سلطة القانون، بما يضمن حماية المواطنين واستعادة هيبة المؤسسات وإنهاء حالة الفوضى المستمرة.
وأشار إلى أن حديثه عن وجود قوى موازية للدولة لا يعني القول إن تلك القوى «شاركت الدولة» أو أصبحت جزءاً منها، وإنما يقصد أن هناك واقعاً على الأرض فرض نفسه وأصبح ينافس مؤسسات الدولة في ممارسة النفوذ والتأثير.
وأوضح المصراتي، في تعقيبه على الأستاذ محمد الترهوني، أن توصيفه للمشهد الليبي ينطلق من الواقع الميداني، وليس من التعريفات النظرية المجردة، قائلاً إن الحديث عن «دولة داخل الدولة» يأتي في سياق وصف واقع أصبحت فيه بعض القوى تمتلك قدرة على التأثير واتخاذ القرار خارج الإطار المؤسسي للدولة.
وفي رده على الأستاذ إبراهيم، أوضح المصراتي، أن حديثه السابق عن «اليد التي صنعتك وجعلتك للفوضى على الأرض» لم يكن دعوة إلى تقبيل يد رئيس الحكومة أو الحديث عن ذلك تحديداً، وإنما جاء في سياق مجازي وسياسي لتوصيف العلاقة بين من ساهم في صناعة واقع معين ومن أصبح لاحقاً يتعامل معه باعتباره أمراً قائماً.
وأشار إلى أن الأداء والخطاب السياسيين يحتاجان إلى قدر من التنازع في علم الكلام، باعتبار أن النقاش السياسي لا يمكن اختزاله في أسلوب خطابي أو أكاديمي جامد، موضحاً أنه يتناول القضايا من زاوية واقعية، وفقاً لما يراه على الأرض، لا وفقاً للصياغة التي قد يفرضها السؤال أو طريقة طرحه من قبل المذيع.
وقال المصراتي، إن المصطلحات التي يستخدمها في توصيف المشهد تأتي في إطار التقدير والتقييم والتحليل السياسي، مؤكداً أن الواقع الليبي لا يمكن فصله عن تداعياته المباشرة على حياة المواطنين.
وأضاف أن القاعدة التي تقول إن «الضدين لا يجتمعان» تنطبق، من وجهة نظره، على الإشكالية الليبية، لأن البلاد لم تكن أمام وضع طبيعي من حيث بناء الدولة والمؤسسات والقوانين، بل وجدت نفسها أمام واقع فُرض عليها، ثم جرى التعامل معه باعتباره أمراً واقعاً.
وأوضح أن المواطن الليبي أصبح يعيش تداعيات هذا الواقع بصورة مباشرة، مشيراً إلى أن التهديدات الأمنية لم تعد مرتبطة بمنطقة بعينها، وإنما امتدت آثارها إلى حياة المواطنين ومنازلهم وحركتهم اليومية، في ظل انتشار مظاهر القوة المسلحة وتراجع قدرة المؤسسات على فرض قواعد موحدة على كامل البلاد.
وشدد على أن الحديث عن الزاوية أو أي مدينة ليبية بعينها لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حديثاً محلياً ضيقاً، وإنما يأتي ضمن حديث أوسع عن ليبيا كوطن، وعن سنوات طويلة من الانقسام السياسي وتعدد الحكومات وتدخل البعثات الأممية في مسارات الأزمة الليبية.
وتساءل: كيف يمكن الحديث عن دولة مستقرة في ظل تفاوت الخدمات الأساسية بين المناطق، مشيراً إلى أزمة الكهرباء كمثال واضح، حيث تعاني مناطق من انقطاعات تمتد لساعات، بينما تعاني مناطق أخرى من انقطاع يستمر لأيام، في حين توجد مناطق قد لا تصلها الكهرباء بصورة منتظمة على الإطلاق.
واعتبر أن هذه الأوضاع تكشف حجم الفجوة بين التصورات النظرية للدولة وبين واقعها الفعلي، مؤكداً أن المطلوب هو إعادة «القاطرة» إلى مسارها الطبيعي، بما يضمن بناء مؤسسات قادرة على أداء وظائفها بصورة موحدة وعادلة في مختلف أنحاء البلاد.
وفي السياق ذاته، أكد المصراتي، أن القواعد الفلسفية في علم السياسة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مفاهيم أكاديمية منفصلة عن الواقع، موضحاً أن السياسة تقوم على الطرح والتناول والتقييم والتقدير والتقاسم والمشاركة، سواء اتفقنا مع ذلك أم اختلفنا.
وقال إن الليبيين جميعاً شركاء في وطن واحد، وإن بناء الدولة لا يمكن أن يتم بإقصاء أي مكون من مكونات المجتمع، لأن الدولة في جوهرها تتكون من الشعب، وتستمد مشروعيتها منه.
كما شدد على أن التعامل مع القوى الموجودة على الأرض لا يمكن أن يقوم دائماً على منطق القوة في مواجهة القوة، قائلاً إن القوة لا تُواجه بالضرورة بقوة مضادة، وإنما يمكن أن تواجه بالحكمة وإدارة التوازنات، مستشهداً بما اعتبره دروساً من التاريخ الإسلامي والتجارب التاريخية في إدارة الصراعات.
وأشار إلى أن الحروب والصراعات كانت من أبرز العوامل التي أسهمت في تغيير الجغرافيا السياسية للعالم وإعادة رسم الحدود وموازين القوى، مؤكداً أن دراسة التاريخ لا يمكن أن تنفصل عن دراسة الجغرافيا، وأن التاريخ والجغرافيا معاً يشكلان أساساً مهماً لفهم السياسة وتطورها باعتبارها علماً إنسانياً مرتبطاً بالواقع والمجتمعات.
وفي ختام مداخلته، أكد المصراتي أن الوصول إلى دولة ليبية حقيقية يتطلب أن تكون المؤسسات القائمة معبرة عن إرادة الشعب الليبي، وأن تُنتزع الحقوق عبر مؤسسات الدولة والقانون، لا عبر منطق القوة وحده.
وشدد على أن الجيش في الدولة المدنية، يجب أن يكون خاضعاً للسلطة المدنية المنتخبة ولإرادة الشعب، وألا يكون فوق السلطة أو خارج إطارها، بل يعمل وفق التشريعات والقوانين النافذة، وفي ظل حكومة منتخبة تستمد شرعيتها من الشعب والمؤسسات الدستورية.
وختم بالتأكيد أن بناء الدولة الليبية المنشودة يتطلب الانتقال من إدارة الأزمات وفرض الأمر الواقع إلى تأسيس مؤسسات موحدة، تكون فيها القوة العسكرية والأمنية خاضعة للسلطة المدنية والقانون، بما يضمن استعادة الدولة لدورها الطبيعي وتحقيق الاستقرار في مختلف أنحاء البلاد.









