الشيباني: أزمة المصرف المركزي تتطلب معالجة اختلال الإيرادات العامة

قال الباحث في الشأن الاقتصادي عبد الرحيم الشيباني إن استقالة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى يمكن قراءتها بوصفها رسالة لإخلاء المسؤولية والتنبيه إلى خطورة الوضع داخل المصرف المركزي، مشيراً إلى أن معالجة الاختلالات الاقتصادية والمالية الراهنة لا ترتبط بقرارات المحافظ وحده، وإنما تتطلب توافقاً وتشريعات والتزاماً من مختلف الأطراف والمؤسسات المعنية.
وأوضح الشيباني، في تصريحات متلفزة، أن المحافظ قد يلجأ إلى بعض التسويات مع الأطراف المطالبة بزيادة المرتبات أو تلك التي لم تلتزم بتنفيذ الاتفاقات المتعلقة بالإنفاق التنموي، بما يجنّبه تحميله مسؤوليات إضافية، لافتاً إلى أن مصرف ليبيا المركزي اتخذ خلال الفترة الماضية جملة من الإجراءات للحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية، خصوصاً ما يتعلق بسعر صرف الدينار.
وأكد أن المشكلة الأساسية تكمن في الإيرادات، ولا سيما ضمان توريد كامل عوائد مبيعات النفط إلى مصرف ليبيا المركزي، معتبراً أن هذا الأمر يمثل جوهر العجز في الإيرادات، وأن معالجته ليست سهلة، لأنها تتطلب تشريعات وإجراءات رسمية والتزاماً من الأطراف والمؤسسات ذات العلاقة، وفي مقدمتها المؤسسة الوطنية للنفط.
وأشار الشيباني إلى أن ملفات أخرى، مثل زيادة المرتبات والإنفاق التنموي، قد تكون قابلة للتسوية أو التأجيل من خلال تفاهمات بين الأطراف، بما في ذلك الزيادات المرتقبة لبعض القطاعات، لكنه شدد على أن ضمان توريد عوائد النفط إلى المصرف المركزي يظل الملف الأكثر تعقيداً وحساسية.
وفيما يتعلق بإدارة مصرف ليبيا المركزي، قال الشيباني إن تغيير مجلس إدارة المصرف أو إعادة تشكيله ليس قراراً محلياً بسيطاً، بالنظر إلى ارتباط المصرف بمنظومات مالية ومصرفية دولية، وهو ما يجعل أي تغيير في قيادته أو مجلس إدارته خاضعاً لإجراءات معقدة وقد يستغرق وقتاً طويلاً.
وأضاف أن تجربة تسمية مجلس إدارة المصرف في السابق أظهرت حجم التعقيدات المرتبطة بهذا الملف، موضحاً أن العديد من الأطراف تتمسك باستمرار ناجي عيسى في منصبه، لأن تغييره، حتى في حال وجود رغبة سياسية أو إدارية في ذلك، قد يستغرق وقتاً وإجراءات طويلة لا تخدم مصالح الأطراف التي تعتمد على المصرف المركزي في فتح الاعتمادات وتوفير الأموال وتمويل الإنفاق العام وصرف المرتبات.
ووصف الشيباني موقع محافظ مصرف ليبيا المركزي بأنه موقع مؤثر في مختلف الملفات المالية، باعتبار أن قرارات المصرف تنعكس بصورة مباشرة على الجهات والمؤسسات التي تحتاج إلى التمويل والاعتمادات والسيولة.
وحول طبيعة الاستقالة، رأى الشيباني أنها لا يمكن اختزالها في مصطلح واحد، إذ تضمنت، بحسب قراءته، إعفاءً وتخلياً عن بعض المهام واستقالة وإخلاءً للمسؤولية، مشيراً إلى أن اختيار المحافظ للمصطلحات الواردة في رسالته يعكس رغبته في توصيل رسالة تتجاوز مجرد إعلان الاستقالة.
ولفت إلى أن من أبرز ما ورد في الرسالة الإشارة إلى أن أسباب طلب الإعفاء «حساسة»، الأمر الذي حال دون الكشف عنها بصورة مباشرة في المراسلات، معتبراً أن هذه الإشارة تحمل دلالة قوية على وجود ملفات أو ظروف بالغة الحساسية داخل المصرف المركزي.
وأوضح أن مثل هذه الأسباب لا يُتوقع عادةً أن تُفصّل في المراسلات الرسمية المتعلقة بالاستقالة أو طلب الإعفاء، وإنما يمكن تضمينها في تقارير موجهة إلى جهات رقابية مختصة، مثل ديوان المحاسبة، أو غيرها من المؤسسات المعنية.
ويرى الشيباني أن الاستقالة تمثل في جانب منها ورقة ضغط وإخلاءً للمسؤولية ورسالة إلى مختلف الأطراف بشأن خطورة الوضع الاقتصادي والمالي، معتبراً أن الإعلان عن وجود مشكلات داخل المصرف المركزي جاء متأخراً، رغم أن المحافظ كان، بحكم موقعه، الأقدر على تقييم طبيعة هذه المشكلات وحجم مخاطرها.
وأشار إلى أن أهمية الاستقالة لا تقتصر على مضمونها المباشر، بل تمتد إلى ما يمكن أن تثيره من نقاشات وتحركات على المستوى السياسي والاقتصادي والدولي، خصوصاً في ظل متابعة المؤسسات الدولية للوضع المالي والنقدي في ليبيا.
وختم الشيباني بالتأكيد على أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد فقط على تغيير الأشخاص أو إجراء تسويات جزئية بشأن المرتبات والإنفاق، وإنما تتطلب معالجة أصل المشكلة المتمثل في اختلال الإيرادات العامة وضمان تدفق عوائد النفط إلى القنوات الرسمية للمصرف المركزي، إلى جانب وجود إطار تشريعي ومؤسسي واضح يلزم جميع الأطراف بتنفيذ التزاماتها المالية، بما يضمن استقرار السياسة النقدية والمالية في البلاد.









