اخبار مميزةليبيا

السنوسي: من الحرفة إلى الثروة.. لماذا ينجح الأجانب في مهن يعزف عنها الليبيون؟

دعا الصحفي والاقتصادي إبراهيم السنوسي الشباب الليبي، ولا سيما طلاب المرحلة الثانوية وخريجيها، إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح المهني، وعدم اعتبار الجامعة المسار الوحيد لبناء المستقبل، مؤكدًا أن التوجه إلى المهن الحرفية والتعليم المهني والتقني يمثل فرصة حقيقية أمام آلاف الشباب، في ظل احتياج السوق الليبي إلى أعداد كبيرة من العمالة الماهرة والمتخصصة.

وأوضح السنوسي في مداخلة على قناة “ليبيا الحدث”، رصدتها صحيفة “الساعة 24″، أن السوق الليبي يحتاج بصورة ملحة إلى مهن مثل البناء، والحدادة، والسباكة، والبلاط، واللحام، والصيانة، والكهرباء، وأعمال التكييف، والنجارة، وقيادة مركبات الخدمات وغيرها، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الأعمال تسيطر عليه العمالة الأجنبية حاليًا، رغم إمكانية دخول الليبيين إليها بعد الحصول على التدريب المناسب.

وأكد أن المشكلة ليست في نقص فرص العمل فقط، وإنما في وجود فجوة بين ما يريده سوق العمل وما يتعلمه الشباب، إلى جانب نظرة اجتماعية سلبية تجاه بعض المهن اليدوية والخدمية. وقال إن بعض الليبيين ينظرون إلى هذه الأعمال باعتبارها أقل من مستواهم الاجتماعي، بينما يمارسها آلاف العمال الأجانب ويحققون منها دخولًا جيدة، بل استطاع بعضهم بناء ثروات ومشروعات وأعمال تجارية انطلاقًا من مهنة أو حرفة تعلموها وأتقنوها.

وأشار إلى أن العامل الذي يتعلم حرفة مطلوبة لا يظل بالضرورة مجرد عامل، إذ يمكنه مع اكتساب الخبرة أن يتحول إلى صاحب ورشة أو شركة صغيرة، ثم يشغّل عمالًا آخرين ويوسع نشاطه. وتظهر تجارب دول عديدة أن التعليم المهني والتقني يمكن أن يكون مسارًا اقتصاديًا منتجًا، وأن قيمة المهنة لا تتحدد بمكانتها الاجتماعية، وإنما بمدى إتقانها والطلب عليها وقدرة صاحبها على تطويرها وتحويلها إلى نشاط مستدام.

وشدد السنوسي على أن أعمال الصيانة والبناء والحرف المختلفة ليست «وظائف دونية»، وإنما أعمال اقتصادية منتجة تدر دخلًا جيدًا وتوفر فرصًا واسعة. واستعاد تجربته في تسعينيات القرن الماضي، مشيرًا إلى أنه عمل في الخدمات العامة وفي أعمال النظافة، مؤكدًا أن العمل، أيًا كانت طبيعته، لا ينتقص من قيمة الإنسان، وأن المجتمع بحاجة إلى التخلص من مفهوم «التعفف» عن العمل.

وقال السنوسي إن سوق العمل الليبي «كبير وواعد»، مستشهدًا بحجم العمالة الأجنبية الموجودة في البلاد، موضحًا أن حضورها لا يقتصر على المهن البسيطة، بل يمتد إلى التجارة والإنشاءات والمقاولات ومواد البناء والخدمات والصحة والمشروعات الكبرى.

وأضاف أن مشاريع الطرق والجسور والمباني والصيانة والبنية التحتية في طرابلس والمنطقة الوسطى وغيرها تعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الأجنبية، بينما يقتصر حضور الليبيين في بعض المواقع على المهندسين والمشرفين، رغم وجود فرص واسعة في المستويات المهنية المختلفة.

وأشار إلى أن شركات أجنبية، بينها شركات مصرية، واجهت، بحسب ما نقله عن واقع سوق العمل، صعوبة في استقطاب أعداد كافية من الليبيين لشغل الوظائف المتاحة، رغم تفاوت الأجور في بعض هذه الوظائف بين نحو 1500 و5000 دينار.

وضرب مثالًا بالمخابز والأنشطة التجارية والخدمية التي تجد صعوبة في استقطاب عمالة ليبية، فتضطر إلى الاستعانة بعمال من دول عربية وأفريقية. وأوضح أن العمالة المصرية، على سبيل المثال، أصبحت حاضرة بقوة في العديد من الأنشطة التجارية والخدمية، إلى جانب المقاولات والإنشاءات، بينما تستقطب مشاريع الطرق والجسور والمباني أعدادًا كبيرة من العمالة الأجنبية.

ولفت إلى أن المشكلة لا تكمن في وجود العمالة الأجنبية بحد ذاتها؛ فمن حق أي عامل البحث عن مصدر رزق، وإنما تكمن في عدم قدرة سوق العمل المحلي على توفير العدد الكافي من العمالة الليبية المؤهلة والقادرة على المنافسة.

يرى السنوسي أن جزءًا أساسيًا من المشكلة يرتبط بما وصفه بـ«ثقافة العمل» لدى شريحة من المجتمع الليبي، حيث ترسخت صورة سلبية عن بعض المهن اليدوية والخدمية، رغم قدرتها على تحقيق دخل جيد.

وأضاف أن أعمالًا مثل البناء والحدادة والسباكة والبلاط واللحام والتحميل والنظافة وقيادة مركبات الخدمات وغيرها يمكن أن توفر دخلًا جيدًا إذا أتقنها العامل وأدارها بصورة مهنية. والمفارقة أن بعض هذه المهن التي ينظر إليها البعض باعتبارها غير ملائمة اجتماعيًا أصبحت مصدر دخل مهمًا لآلاف العمال الأجانب، فيما بقي الشباب الليبي بعيدًا عنها.

وأكد أن المطلوب هو أن يقتنع الليبي بأن العمل ليس عيبًا، وأن قيمة الإنسان لا تتحدد بمسمى الوظيفة، بل بقدرته على الإنتاج والاعتماد على نفسه وتقديم قيمة مضافة للمجتمع.

ودعا السنوسي خريجي الشهادة الثانوية إلى عدم اعتبار الجامعة المسار الوحيد للنجاح، مشددًا على أهمية التوجه إلى التعليم المهني والحرفي، خصوصًا بالنسبة إلى من لا يرغبون أو لا يستطيعون استكمال التعليم الجامعي.

وقال إن تعلم حرفة متخصصة يمكن أن يكون أكثر جدوى من الحصول على شهادة جامعية لا يجد صاحبها فرصة عمل مناسبة، مؤكدًا أن المجتمع الليبي بحاجة إلى تغيير نظرته إلى التعليم المهني، وربط التخصصات التعليمية باحتياجات السوق الفعلية.

ويرى السنوسي أن خريجي الجامعات والمعاهد العليا يجب أن يحصلوا على فرص تتناسب مع مؤهلاتهم، أو أن تتجه الدولة إلى دعم أفكارهم ومشروعاتهم الخاصة، بينما ينبغي توجيه أصحاب المؤهلات المتوسطة والمتدنية نحو اكتساب المهن والحرف التي يحتاج إليها السوق.

ومن هذا المنطلق، فإن توجيه الطالب نحو حرفة مطلوبة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلًا أقل قيمة عن الجامعة، بل باعتباره اختيارًا مهنيًا يمكن أن يقود إلى الاستقلال المالي وامتلاك مشروع خاص وتوفير فرص عمل للآخرين.

وأكد السنوسي أن الحرفة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لبناء مشروع اقتصادي، فالمهني الذي يكتسب الخبرة والسمعة والثقة يستطيع الانتقال من العمل لحساب الآخرين إلى تأسيس ورشة، ثم توسيع نشاطه إلى شركة أو مشروع متخصص.

وتقدم تجارب العمالة الأجنبية في ليبيا، بحسب ما أشار إليه السنوسي، مثالًا واضحًا على هذه القدرة؛ إذ دخل كثير من العمال البلاد بمهن بسيطة، ثم طوروا خبراتهم وشبكاتهم المهنية وانتقل بعضهم إلى التجارة والمقاولات والخدمات وامتلاك المشروعات.

وتؤكد تجارب اقتصادات مختلفة خارج ليبيا أن التدريب المهني لا يرتبط بالعمل اليدوي فقط، بل يمثل جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة تشمل التدريب، والشهادات المهنية، والعمل الحر، والمشروعات الصغيرة، وسلاسل التوريد والخدمات المرتبطة بكل مهنة. ولذلك فإن بناء جيل من الحرفيين المهرة يمكن أن يقلل الحاجة إلى استيراد الخبرات والعمالة، وفي الوقت نفسه يخلق طبقة جديدة من أصحاب المشروعات.

وأوضح السنوسي أن الاختلالات التي يعاني منها سوق العمل الليبي ليست وليدة السنوات الأخيرة، وإنما تمثل نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسات اتُّبعت على مدى عقود، أدت إلى إضعاف القطاع الخاص وتشويه العلاقة بين التعليم والعمل، وترسيخ الاعتماد على الوظيفة العامة باعتبارها مصدرًا للأمان والاستقرار.

وأشار إلى أن التحولات الاقتصادية الحادة بدأت بصورة أكثر وضوحًا منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، مع ما وصفه بـ«الزحف» على الوحدات الإنتاجية والمصانع والمعامل والورش، وما رافق ذلك من توسع في دور الدولة وسيطرتها على قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي.

وبيّن أن الاقتصاد الليبي قبل تلك التحولات كان يعتمد بدرجة أكبر على مساهمة الأفراد والقطاع الخاص في النشاط الاقتصادي والإنتاج، بينما أدى التوسع في الإنفاق العام، مدفوعًا بإيرادات النفط، إلى قلب هذه المعادلة تدريجيًا، وصولًا إلى هيمنة الدولة على قطاعات واسعة من الاقتصاد وسوق العمل.

وقال إن تطبيق نماذج اقتصادية ذات طابع اشتراكي بصورة وصفها بأنها «مشوهة وعشوائية» أسهم في انتقال الدولة من دور المنظم إلى دور المنتج والمشغّل في قطاعات متعددة، فأصبحت، بحسب تعبيره، «المقاول والمهندس والطبيب» وصاحب النشاط الخدمي والإنتاجي في مجالات مختلفة.

وأضاف السنوسي أن هذا التحول أدى إلى إضعاف المبادرة الفردية والقطاع الخاص، وترسيخ قناعة اجتماعية واسعة بأن الوظيفة العامة تمثل الشكل الأكثر أمانًا للعمل، رغم أن هذا الأمان، بحسب رأيه، «زائف وليس أمانًا حقيقيًا».

ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الثقافة إحدى أبرز المشكلات الهيكلية للاقتصاد الليبي؛ إذ يفضل آلاف الشباب، ولا سيما من أصحاب المؤهلات المتوسطة والمتدنية، انتظار فرصة في مؤسسات الدولة بدل الاتجاه إلى العمل الحر أو تعلم مهنة يمكن أن توفر دخلًا أفضل واستقلالية أكبر.

وفي حديثه عن الوظيفة العامة، أشار السنوسي إلى أن أعداد العاملين في الدولة ارتفعت إلى مستويات كبيرة، مستشهدًا بتقديرات تتحدث عن مئات الآلاف في القطاعات العسكرية والأمنية والتعليمية، إضافة إلى العاملين في المؤسسات والهيئات الحكومية المختلفة.

وقال إن إجمالي العاملين في القطاع العام قد يصل، وفق تقديرات مختلفة، إلى نحو مليون ونصف المليون أو مليوني موظف، مع وجود أعداد أخرى تنتظر الإفراج عن قرارات التعيين أو التسويات.

وأشار إلى أن هذا الوضع أدى إلى تضخم فاتورة المرتبات، معتبرًا أن حجم الإنفاق العام على الأجور لا يقابله مستوى مماثل من الإنتاجية.

وأوضح أن المشكلة ليست في دفع الأجور للموظفين المستحقين، وإنما في وجود أعداد كبيرة من العاملين الذين لا يقدمون قيمة إنتاجية حقيقية، إلى جانب أشكال أخرى من الإنفاق على عقود التعاون والاستشارات وغيرها، بما يجعل الحجم الفعلي للإنفاق المرتبط بالعمالة الحكومية أكبر من الأرقام المعلنة أحيانًا.

وانتقد النظرة التي تعتبر الوظيفة الحكومية «الجنة» أو الضمان الدائم للمستقبل، معتبرًا أن الاعتماد الكامل عليها يمكن أن يحد من طموح الفرد وقدرته على التطور. ووصف الوظيفة العامة في شكلها الحالي بأنها قد تتحول إلى «مقبرة للتفكير والإبداع والاجتهاد»، مؤكدًا أن المشكلة ليست في العمل الحكومي من حيث المبدأ، وإنما في تضخم الجهاز الإداري وتحوله إلى وسيلة لاستيعاب الباحثين عن العمل بعيدًا عن الحاجة الفعلية للإنتاج.

وانتقد السنوسي ظاهرة استمرار بعض الموظفين الحكوميين في شغل وظائفهم رغم وجودهم على مقاعد الدراسة في الجامعات والمعاهد، مشيرًا إلى أن بعض الحالات لا تقتصر على الجمع بين الدراسة والوظيفة، بل تتضمن حضورًا محدودًا للعمل في مقابل استمرار الحصول على المزايا الوظيفية.

وقال إن هذه الممارسات تحرم آلاف الخريجين والباحثين الحقيقيين عن العمل من فرص يمكن أن تسهم في دخولهم سوق العمل وتوظيف مؤهلاتهم، كما تؤدي إلى تضخم أعداد العاملين في مؤسسات الدولة دون انعكاس مماثل على مستوى الخدمات المقدمة.

وأضاف أن تكدس الموظفين من ذوي المؤهلات المختلفة داخل مرافق الدولة يمثل أحد مظاهر تشوه سوق العمل، ويحد من قدرة المؤسسات العامة على تحسين الكفاءة والإنتاجية.

وضرب قطاع الصحة مثالًا على ذلك، مشيرًا إلى أن ارتفاع أعداد العاملين الإداريين مقارنة بالكادر الطبي، بحسب تقديره، ينعكس على كفاءة الإنفاق وجودة الخدمات. وقال إن الجزء الأكبر من موازنات بعض المؤسسات الصحية يذهب إلى الرواتب والمزايا، في وقت تعاني فيه المرافق من نقص الأدوية والمعدات الطبية، معتبرًا أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب إعادة هيكلة الإنفاق وتوجيه موارد أكبر نحو الخدمات الأساسية والمستلزمات الطبية والكوادر المتخصصة.

ولفت السنوسي إلى أن نقص العمالة الوطنية المؤهلة والمستعدة للعمل في المهن والحرف المختلفة أدى إلى اتساع الاعتماد على العمالة الأجنبية، التي أصبحت حاضرة في قطاعات عديدة، من المخابز والمهن الحرفية إلى الصحة والإنشاءات والمشروعات الكبرى.

وشدد على أن التعامل مع العمالة الأجنبية ينبغي أن يكون تنظيميًا لا قائمًا على الإقصاء، من خلال إحلال العمالة الوطنية تدريجيًا في الوظائف التي يستطيع الليبيون شغلها، بالتوازي مع رفع مستوى التدريب والمهارة.

وفي المقابل، أشار إلى أن حجم التحويلات المالية للعمالة الأجنبية يمثل جانبًا آخر من تداعيات اختلال سوق العمل، موضحًا أن تقديرات تتحدث عن خروج مليارات الدولارات سنويًا إلى الخارج.

وأوضح أن هذه التدفقات تضيف ضغطًا على الطلب على العملة الأجنبية، وتنعكس بصورة غير مباشرة على سوق الصرف، في ظل ارتفاع احتياجات العمالة الأجنبية العاملة في القطاع الخاص أو لحسابها الخاص.

وفي المقابل، أقر السنوسي بوجود مشكلات حقيقية داخل القطاع الخاص الليبي، خصوصًا فيما يتعلق بعلاقة أصحاب الأعمال بالعاملين، موضحًا أن عددًا من مؤسسات القطاع الخاص لا يبرم عقود عمل واضحة مع العاملين، ولا يلتزم بصورة كافية بحقوقهم المتعلقة بالضمان الاجتماعي والضرائب والتأمين والحماية من مخاطر العمل.

وأكد أن توفير الأمان الوظيفي لا يمكن أن يكون حكرًا على القطاع العام، بل يجب أن يضمنه القانون داخل القطاع الخاص أيضًا، من خلال عقود واضحة تحفظ حقوق الطرفين، وتضمن للعامل التأمين والضمان الاجتماعي والحماية القانونية.

وقال إن تهرب بعض أصحاب الأعمال من الالتزامات القانونية المتعلقة بالضمان الاجتماعي والضرائب يضعف ثقة الليبيين في القطاع الخاص، ويعزز تمسكهم بالوظيفة العامة باعتبارها الخيار الأكثر استقرارًا.

وشدد على أن مسؤولية إصلاح سوق العمل لا تقع على القطاع الخاص وحده، بل تتحمل الدولة جانبًا أساسيًا منها، عبر تفعيل أجهزة التفتيش العمالي والرقابة على أصحاب الأعمال والمصانع والورش، والتأكد من تطبيق قانون العمل وإبرام العقود ودفع الاشتراكات المستحقة للضمان الاجتماعي.

ودعا إلى وضع سياسات عملية تشجع القطاع الخاص على خلق وظائف مستدامة، وفي الوقت نفسه تلزم أصحاب الأعمال بحماية حقوق العاملين، مؤكدًا أن الربحية لا تتعارض مع حماية العامل إذا وُجد إطار قانوني ورقابي فعال.

وانتقل السنوسي إلى العلاقة بين سوق العمل وطبيعة الاقتصاد الليبي، معتبرًا أن الاعتماد المفرط على النفط ساهم في ترسيخ ثقافة الاتكال على الدولة.

وقال إن ليبيا قد تمتلك موارد مالية واحتياطيات نقدية كبيرة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها دولة غنية بالمعنى الاقتصادي الحقيقي، لأن الدولة الغنية، من وجهة نظره، هي التي تمتلك اقتصادًا متنوعًا ومصادر متعددة للدخل والإنتاج.

وأضاف أن الاقتصاد الليبي ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير النفط واستيراد معظم احتياجاته من الخارج، وهو ما يجعل الاقتصاد مكشوفًا أمام الخارج ويحد من قدرته على خلق فرص عمل مستدامة.

وحذر من أن النفط تحول، في ظل ضعف المؤسسات وتضخم الدولة، من مصدر للثروة إلى عنصر ساهم في تأجيج الصراع حول الموارد، معتبرًا أن الاعتماد عليه وحده لا يمكن أن يكون أساسًا لبناء اقتصاد مستدام.

وشدد السنوسي على أن إصلاح سوق العمل لا يمكن أن يقتصر على مطالبة المواطنين بترك الوظائف العامة، بل يحتاج إلى توفير بيئة اقتصادية تسمح لهم بالانتقال إلى القطاع الخاص والعمل الحر.

وأشار إلى وجود برامج ومبادرات لدعم المشروعات الصغرى والمتوسطة، مؤكدًا أن عددًا من أصحاب الأفكار تلقوا التدريب وأعدوا مشروعاتهم، لكن بعض هذه المشروعات بقيت حبيسة الأدراج بسبب غياب التمويل.

وطالب بتوفير آليات حقيقية لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتمكين الشباب من تحويل أفكارهم إلى أنشطة اقتصادية منتجة توفر لهم ولغيرهم فرص العمل.

واقترح إعادة تعريف مفهوم الأمان الوظيفي بحيث لا يكون مرتبطًا حصريًا بالوظيفة الحكومية، موضحًا أن بإمكان الدولة دعم انتقال المواطنين إلى القطاع الخاص من خلال منظومة ضمان اجتماعي فعالة، تضمن للعامل حماية اجتماعية واستقرارًا نسبيًا حتى إذا انتقل من وظيفة إلى أخرى أو من العمل الحكومي إلى العمل الخاص.

وأكد السنوسي أن معالجة التشوهات الحالية تتطلب رؤية شاملة تتجاوز التوظيف الحكومي، وتربط بين التعليم واحتياجات السوق، مع التركيز على التدريب المهني والحرفي وتأهيل الشباب للوظائف المطلوبة فعليًا.

وشدد على ضرورة توجيه جزء أكبر من سياسات الدولة نحو تعليم الشباب المهن والحرف التي تشهد طلبًا مرتفعًا، مشيرًا إلى أن آلاف العمالة الأجنبية تعمل حاليًا في مهن يمكن لليبيين دخولها بعد الحصول على التدريب المناسب.

كما أكد أن إصلاح سوق العمل الليبي يتطلب تعاون وزارات العمل والاقتصاد والتخطيط، إلى جانب الخبراء والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والتدريبية، ودراسة تجارب الدول التي واجهت اختلالات مشابهة وتمكنت من الحد من البطالة وإعادة توزيع العمالة وفق احتياجات الاقتصاد.

وقال إن البطالة في حد ذاتها ليست عيبًا، لكن المشكلة تكمن في غياب السياسات القادرة على تحويل الباحثين عن العمل إلى قوة إنتاجية، من خلال التدريب والتأهيل وربط التعليم باحتياجات السوق.

وخلص السنوسي إلى أن إصلاح سوق العمل الليبي يتطلب معالجة متزامنة لثلاثة مسارات رئيسية: إعادة تنظيم القطاع العام، وتمكين القطاع الخاص، وتأهيل العمالة الوطنية.

وأكد أن استمرار الدولة في امتصاص القوة العاملة، سواء الماهرة أو غير الماهرة، سيبقي الاختلالات قائمة ويحد من قدرة القطاع الخاص على أداء دوره، بينما يمثل تطوير المهارات المحلية وتطبيق القوانين المنظمة للعمل وتوفير الحماية الاجتماعية للعاملين خطوات أساسية لإعادة التوازن إلى السوق.

وأشار إلى أن ليبيا تمتلك سوقًا واسعة وقاعدة طلب كبيرة، لكن الاستفادة منها تتطلب تحويل هذا الطلب إلى فرص حقيقية للعمالة الوطنية، عبر التدريب والإنتاج المحلي وتطوير القطاع الخاص، بما يخفف الاعتماد على العمالة الأجنبية ويحد من تسرب العملة الصعبة إلى الخارج.

وفي ختام مداخلته، دعا السنوسي الشباب الليبي إلى عدم انتظار الوظيفة العامة أو الاعتماد على الدولة باعتبارها مصدر الدخل الوحيد، وحثهم على المبادرة والعمل لحساب أنفسهم، حتى في الأعمال البسيطة.

وقال إنه مستعد شخصيًا للعمل في مجالات مختلفة، بما في ذلك خدمات التوصيل والتجارة والعمل الحر، إذا كان ذلك يحقق دخلًا مشروعًا ويمنح الإنسان فرصة للاعتماد على نفسه.

وأكد أن الحل يبدأ بتغيير العقلية السائدة تجاه العمل، والتخلي عن الاعتقاد بأن النجاح لا يتحقق إلا من خلال الوظيفة الحكومية أو الشهادة الجامعية.

وختم بالتأكيد على أن إعادة بناء سوق العمل الليبي تتطلب الانتقال من ثقافة انتظار الوظيفة إلى ثقافة الإنتاج، ومن تقديس الوظيفة العامة إلى احترام المهنة والحرفة والعمل الحر، ومن الاعتماد على النفط إلى بناء اقتصاد متنوع قادر على خلق الثروة وفرص العمل بصورة مستدامة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى