اخبار مميزةليبيا

بويصير: ليبيا تحتاج إلى مسار طويل يقود في النهاية إلى مشروع نهضوي حقيقي

قال المحلل السياسي محمد بويصير إن الولايات المتحدة لا يبدو أنها تستهدف في ليبيا بناء نظام سياسي دستوري قائم على الانتخابات والمشاركة الشعبية، وإنما تتجه إلى توحيد السلطتين القائمتين في شرق البلاد وغربها، مع تهيئة الظروف التي تسمح للشركات النفطية الأمريكية بالعمل والاستفادة من موارد البلاد، مشيراً إلى أن تجنب واشنطن الحديث صراحة عن الانتخابات واستبدال ذلك بمصطلحات مثل «السلام الدائم» و«الاستقرار» يعكس تغيراً في أولوياتها تجاه الملف الليبي.

وأوضح بويصير، في لقائه مع تلفزيون المسار، رصدته “الساعة 24″، أن التعامل مع الأزمة الليبية يجب أن ينطلق من إدراك طبيعتها المركبة، مؤكداً أن البلاد لا تواجه مشكلة واحدة يمكن حلها بقرار سريع، وإنما مجموعة من الأزمات المتداخلة، من بينها العنف السياسي، واستنزاف المال العام، وتشوه الاقتصاد، وارتفاع فاتورة المرتبات إلى نحو 106 مليارات دينار، إلى جانب وجود أعداد كبيرة من الموظفين الذين لا يؤدون أعمالاً فعلية، فضلاً عن التزوير وتراجع أداء المؤسسات.

وأضاف أن معالجة الأزمات المركبة لا تتم عبر تقديم «حل سحري» أو وصفة شاملة وفورية، وإنما من خلال فهم العوامل التي تعرقل الوصول إلى الحل والعمل تدريجياً على إزالة تلك العوائق، معتبراً أن ليبيا تحتاج إلى مسار طويل يقود في النهاية إلى مشروع نهضوي حقيقي.

وفيما يتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه المنطقة، أشار بويصير إلى أن استراتيجية الأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية التي صدرت في ديسمبر 2024 تؤكد أن واشنطن لا تريد التدخل في الشؤون الداخلية لدول شمال أفريقيا والشرق الأوسط، ولا تسعى إلى فرض نموذجها السياسي على هذه الدول، باعتبار أن الديمقراطية وتداول السلطة تمثلان، من وجهة النظر الأمريكية، نموذجاً غربياً لا يمكن فرضه على المنطقة.

وبيّن أن المصالح الأمريكية في المنطقة، وفق هذه الرؤية، تتركز في خمسة ملفات رئيسية، أولها النفط والتحكم في أسعاره وكميات إنتاجه وعمليات استكشافه وتطويره، وثانيها منع الجماعات الإرهابية من النشاط، وثالثها تعزيز أمن إسرائيل عبر توسيع اتفاقيات إبراهيم، ورابعها تحويل المنطقة إلى سوق، بينما يتعلق الخامس بمنع الخصوم من السيطرة على الممرات والممرات المائية الاستراتيجية، مع تركيز خاص على إيران وحلفائها.

وشدد على أن هذه الأولويات لا تتضمن حقوق الإنسان أو الحريات العامة أو الديمقراطية أو التداول السلمي للسلطة، وهو ما يدفعه إلى استبعاد فكرة أن الولايات المتحدة تسعى في ليبيا إلى تحقيق الأهداف الديمقراطية التي خرج من أجلها الليبيون في فبراير 2011.

واستشهد بويصير بالتجربة الأمريكية في فنزويلا، موضحاً أن واشنطن بدأت هناك بالحديث عن انتخابات مزورة والاعتراف بالمعارضة باعتبارها ممثلة للشرعية، قبل أن تتحول الأولوية لاحقاً إلى إدارة ملف النفط والسيطرة على إنتاجه واحتياطاته. وأضاف أن الولايات المتحدة تسعى إلى زيادة إنتاج النفط الفنزويلي، لأن ارتفاع الإنتاج يؤدي إلى خفض الأسعار، وهو ما يخدم الاقتصاد الأمريكي باعتبار النفط أحد مدخلات الصناعة.

وأشار إلى أن النفط الليبي يمثل بدوره عاملاً مهماً في الحسابات الأمريكية، معتبراً أن الاعتقاد بأن واشنطن ستعمل على بناء ديمقراطية في ليبيا أو تحقيق كل الأهداف التي نادى بها الليبيون خلال انتفاضة فبراير هو «تصور رغائبي وحلم» لا يستند إلى قراءة واقعية للسياسة الأمريكية.

وحول الاختلاف بين الموقف الأمريكي من ليبيا والسودان، أوضح بويصير أن اختلاف المواقف لا يعني بالضرورة وجود معيار واحد للسياسة الأمريكية، لأن واشنطن تتعامل مع كل دولة وفق أهدافها ومصالحها الخاصة. وقال إن الولايات المتحدة تحدثت في السودان عن الانتقال إلى حكم مدني، بينما لا يظهر المطلب نفسه في الحالة الليبية، وهو ما يراه مؤشراً على اختلاف الغايات الأمريكية بين البلدين.

وأكد أن المواطن الليبي لا يفكر في الصراع بين الشخصيات ومراكز السلطة بقدر ما يفكر في احتياجاته اليومية، من الكهرباء والسيولة والوقود إلى التعليم والصحة والخدمات الأساسية، مشدداً على أن المشروع الذي ينبغي أن تتجه إليه البلاد هو مشروع نهضوي يحول المواطن من مجرد متلقٍ للأوامر إلى شريك في صناعة القرار.

وأوضح أن هذا المشروع يتطلب وجود سلطة سياسية محددة الصلاحيات بالقانون، قابلة للتداول، وأن يكون للمواطن الحق في إبداء رأيه فيها تحت حماية القانون وقضاء مستقل، إلى جانب وجود مؤسسات قادرة على محاسبة السلطة وضمان النزاهة في إدارة المال العام، معتبراً أن غياب المحاسبة هو أحد أسباب انتشار ثقافة الاعتداء على المال العام.

وفي هذا السياق، تناول بويصير مبادرة المبعوث الأمريكي مسعد بولس، مشيراً إلى أنها حظيت باهتمام واسع في الإعلام الأمريكي ومراكز الأبحاث.

واعتبر أن توحيد مؤسسات السلطة بين الشرق والغرب لا يكفي لبناء دولة، متسائلاً عن جدوى توحيد سلطتين تعاني مناطق نفوذهما من أزمات الكهرباء والوقود واستنزاف المال العام، في ظل غياب برنامج انتخابي واضح يمكن أن يحاسب المواطن القائمين عليه.

واستند بويصير إلى تقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، مشيراً إلى ورود أسماء وشبهات ووقائع تتعلق بشخصيات دون أن يعني ذلك، تبنيه اتهامات ضد أي طرف. وأوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب مؤسسات قادرة على المحاسبة، سواء في الشرق أو الغرب، بحيث لا تستطيع البندقية أن تكون بديلاً عن القانون.

وأضاف أن انتشار السلاح أدى إلى إضعاف المنطق والحق والقانون، وجعل القوة المسلحة عاملاً حاسماً في تحديد موازين السلطة، الأمر الذي يعرقل أي مشروع حقيقي لإصلاح الدولة.

كما أشار إلى أن التقارير الدولية تكشف أحياناً حجم الإنفاق أو الاستنزاف المالي بصورة لا تستطيع المؤسسات المحلية الكشف عنها بسبب ضعف أجهزة الرقابة والقضاء والنيابة.

وشدد على أن أي مشروع سياسي جديد يجب أن يبدأ بمحاسبة حقيقية، داعياً الشخصيات التي ستشارك في إدارة المرحلة الانتقالية إلى الاعتراف بالأخطاء السابقة وفتح الملفات وإغلاقها عبر آليات قانونية، بما يسمح ببدء صفحة جديدة على أساس واضح، بدلاً من الاستمرار في إدارة الخلافات بمنطق القوة.

ورفض بويصير في الوقت نفسه اختزال الحل في شخصية بعينها أو في سؤال من سيحكم ليبيا، مؤكداً أن الأهم هو بناء منظومة سياسية تضمن تداول السلطة والمحاسبة، لأن الهدف ليس استبدال شخص بشخص، وإنما تغيير قواعد اللعبة السياسية.

وفي رده على الحديث عن إمكانية ترشح شخصيات عسكرية، شدد بويصير على أن الطريق إلى السلطة يجب أن يمر عبر صناديق الاقتراع، مؤكداً أن الانتخابات هي الفيصل، وأن أي مرحلة انتقالية يجب أن تنتهي إلى انتخابات محددة الموعد والضمانات، وليس إلى استمرار السلطة المؤقتة إلى أجل غير معلوم.

وقال إن السياسيين لعبوا دوراً أساسياً في مراحل تاريخية كبرى، مستشهداً بتجربة استقلال ليبيا عام 1951، عندما خاض الليبيون نضالاً سياسياً قاد إلى الاستقلال، وبشخصيات سياسية عالمية مثل توماس جيفرسون. كما استشهد بتجربة شارل ديغول، الذي كان قائداً عسكرياً ثم ترك الجيش واتجه إلى المسار السياسي والانتخابي، معتبراً أن العسكري يستطيع الوصول إلى السلطة، لكن عليه أن يدخل إليها عبر المسار السياسي الطبيعي إذا أراد أن يترك أثراً إيجابياً في التاريخ.

وحذر من أن «الربع ساعة الأخيرة» هي التي تحدد صورة الحكام الذين يصلون إلى السلطة بالقوة، مستشهداً بتجارب عدد من القادة الذين انتهت مراحل حكمهم بصورة عنيفة، مؤكداً أن من يصل إلى الحكم عنوة قد يخرج منه بالطريقة نفسها، بينما من يصل إليه بإرادة الناس يستطيع مغادرته عبر المسار السياسي الطبيعي.

وعن دور الأحزاب السياسية، أوضح بويصير أن ضعف الأحزاب في ليبيا مرتبط جزئياً بتاريخ طويل من التضييق على العمل السياسي، مشيراً إلى أن قانون تجريم العمل الحزبي في عهد النظام السابق جعل من الصعب إعادة بناء الثقة في الأحزاب بعد سنوات طويلة من المنع.

وأشار إلى أن ليبيا عرفت في مراحل سابقة مؤسسات طلابية ونقابية وصحفاً متعددة الآراء، كما كانت هناك مظاهر للعمل السياسي والنشاط العام، معتبراً أن العنف السياسي هو الذي أنهى تدريجياً ثقافة الاختلاف والحوار وحل محلها فرض الرأي بالقوة.

وفي حديثه عن مبادرة بولس، قال بويصير إنه لا يرفضها من حيث المبدأ، لكنه يريد ضمانات واضحة قبل دعم أي ترتيبات جديدة، موضحاً أنه بعث بمجموعة من الأفكار إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، انطلاقاً من كونه مواطناً أمريكياً من أصل ليبي، ومن اهتمامه بالشأن الليبي منذ سنوات طويلة.

واقترح أن تتضمن أي ترتيبات انتقالية أربعة عناصر رئيسية، أولها أن يبدأ الأطراف المشاركون في السلطة الجديدة بفتح الملفات المتعلقة بالانتهاكات والمال العام والعمل على إغلاقها وفق القانون، بما يسمح ببدء مرحلة جديدة قائمة على احترام الليبيين لا تخويفهم.

أما العنصر الثاني، فيتمثل في اعتبار الانتخابات هدفاً مقدساً ومحدداً بموعد واضح، بحيث تنتهي شرعية السلطة المؤقتة تلقائياً عند حلول موعد الانتخابات، ويكون من حق الليبيين والمجتمع الدولي التدخل لإنهاء أي سلطة ترفض احترام هذا الالتزام.

ويتمثل العنصر الثالث، بحسب بويصير، في تشكيل مجلس يضم نحو مئة شخصية من عقلاء ليبيا ومختلف مناطقها، تكون مهمته مراقبة السلطة المؤقتة دون أن تتحول إلى سلطة تشريعية، على أن تتابع أعمالها في المال العام والسلاح والقرارات والإجراءات السياسية.

أما العنصر الرابع، فيتعلق بإسناد العملية الانتخابية إلى الأمم المتحدة عبر لجنة متخصصة تعمل على تنظيم انتخابات حرة ونزيهة، وتضمن عدم تزوير إرادة الليبيين أو استخدام السلطة المؤقتة للتأثير على نتائج الانتخابات المقبلة.

وأكد بويصير أنه لا يرفض التعاون مع مبادرة بولس، لكنه يضع مخاوف الليبيين في مقدمة حساباته، مشدداً على أن المواطن الليبي يجب أن يعامل باحترام، وأن لا تكون البلاد مجرد ساحة للاستفادة من النفط، بل دولة يحصل فيها المواطن على حقوقه وخدماته الأساسية.

وأوضح أنه منحاز إلى المواطن الليبي الذي يواجه يومياً أزمات الكهرباء والوقود والسيولة والخدمات، وليس إلى أي من الشخصيات المتنافسة على السلطة، معتبراً أن الشخصيات الحالية، أياً كان موقعها، ليست أكثر من «هامش» في تاريخ ليبيا، وأن مستقبل البلاد يجب ألا يرتبط ببقائها في الحكم.

كما حذر من إعادة إنتاج دكتاتورية جديدة، مؤكداً أن معيار الدكتاتورية هو عدم قابلية السلطة للمحاسبة، وأن المشكلة في ليبيا تتمثل في عدم قدرة المواطنين والمؤسسات على محاسبة المسؤولين عن إراقة الدماء أو إدارة النفط أو المال العام، سواء في الشرق أو الغرب.

وأكد أن أي خطوة سياسية يجب أن تقرب ليبيا من مشروع الدولة لا أن تتحول إلى حاجز أمامه.

وفي ختام حديثه، شدد على أن ليبيا تحتاج إلى استعادة الحياة السياسية والمدنية التي تراجعت مع تصاعد العنف السياسي، مشيراً إلى أن البلاد عرفت في مراحل سابقة جامعات ونقابات وصحفاً واتحادات طلابية ومساحات عامة للنقاش والاختلاف، وأن إعادة بناء هذه البيئة السياسية ممكنة إذا أصبح القانون والانتخابات والاستفتاء والدستور هي المرجعية الحاكمة.

وأكد بويصير أن إعادة تفعيل العمل السياسي تحتاج إلى وقت ومراحل متدرجة، لأن بناء المؤسسات والثقافة الديمقراطية لا يمكن أن يتم بين ليلة وضحاها، داعياً إلى تجنب وضع «العربة أمام الحصان» عبر محاولة توحيد السلطة بالقوة قبل معالجة مخاوف الأطراف وضمانات المرحلة الانتقالية، محذراً من أن أي محاولة لفرض الترتيبات بالقوة قد تدفع البلاد إلى حرب جديدة بدلاً من إنهاء الانقسام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى