علوش: القاهرة لا تزال تتعامل بحساسية مع الدور التركي في ليبيا

قال الكاتب والباحث في الشأن التركي، محمود علوش، إن التقارب الراهن بين مصر وتركيا يعكس انتقال العلاقات بين البلدين من مرحلة الصدام الإقليمي إلى مرحلة «التعاون التنافسي»، مستبعداً في الوقت نفسه وصولها، في المرحلة الحالية، إلى مستوى التكامل أو التحالف الاستراتيجي.
وأوضح علوش، في حديث نلفزيوني أن العلاقات المصرية ـ التركية، التي شهدت نحو عقد من التوتر على خلفية تداعيات ما بعد عام 2011، انتقلت خلال السنوات الأخيرة من محاولة كل طرف التأثير في خيارات الطرف الآخر إلى التعامل مع «الحقائق الصلبة على الأرض»، بما أتاح تجاوز جانب كبير من الخلافات وإعادة تفعيل آليات التعاون، ومنها المجلس التنسيقي الاستراتيجي.
وأضاف أن التقارب الحالي هو نتاج تفاعل بين ظروف إقليمية ودولية متغيرة وحاجة متبادلة لدى القاهرة وأنقرة إلى تطوير العلاقات، معتبراً أن التعاون يمثل الوضع الطبيعي في العلاقات بين البلدين، بينما كان التوتر والقطيعة نتيجة ظروف استثنائية ارتبطت بمرحلة ما بعد «الربيع العربي»، ولا سيما الموقف التركي من التحولات السياسية في المنطقة وعلاقة أنقرة بجماعة الإخوان المسلمين.
وأشار علوش، إلى أن التحول في العلاقات بدأ بصورة أكثر وضوحاً منذ عام 2020، في سياق إعادة تركيا صياغة علاقاتها مع محيطها العربي والقوى التي دخلت معها في خلافات خلال مرحلة ما بعد «الربيع العربي».
وقال علوش، إن تراجع الربيع العربي وعدم عودة مسألة صعود الإخوان المسلمين إلى صدارة الأجندة الإقليمية أفسحا المجال أمام تحول مهم في العلاقات التركية ـ المصرية، لافتاً إلى أن عوامل جديدة أسهمت لاحقاً في تسريع التقارب، من بينها التحولات الأمنية والجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا، والحرب في غزة، والتوترات في شرق المتوسط، والتطورات في ليبيا والسودان.
وأكد أن العلاقة بين البلدين لم تعد محكومة فقط بإرث الخلافات السابقة، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بحسابات الأمن والمصالح المشتركة في بيئة إقليمية شديدة التغير.
ورأى علوش، أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا شكلت ورقة مهمة في الاستراتيجية التركية لتعزيز موقع أنقرة في شرق المتوسط والانفتاح على أفريقيا، فضلاً عن مواجهة محاولات عزلها إقليمياً.
كما أوضح، أن استكمال تداعيات الاتفاقية كان يتطلب تفاهمات مباشرة مع القاهرة، بالنظر إلى وزن مصر وتأثيرها في المشهد السياسي الليبي، بما في ذلك مسألة اعتماد الاتفاقية داخل البرلمان الليبي.
ولفت علوش، إلى أن الصراع الجيوسياسي في شرق المتوسط كان أحد العوامل التي دفعت إلى إعادة تشكيل العلاقات المصرية ـ التركية، إذ سعت أنقرة إلى تفكيك محاولات عزلها وتقويض التقارب الاستراتيجي بين مصر وإسرائيل واليونان وقبرص، الذي رأت تركيا أنه يجري على حساب مصالحها في المنطقة.
وأكد أن التحرك التركي لم يكن مرتبطاً بشرق المتوسط وحده، بل تزامن مع طموحات أوسع لتعزيز الحضور التركي في أفريقيا، خصوصاً في ليبيا والسودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، إلى جانب تطوير العلاقات مع إثيوبيا والصومال وتوسيع الحضور في دول الساحل.
ولفت إلى أن هذا التوسع يلامس في بعض جوانبه المصالح الحيوية لمصر، خصوصاً في القرن الأفريقي وحوض النيل، في ظل الخلاف المصري ـ الإثيوبي بشأن سد النهضة.
وأكد علوش، أن تركيا تتعامل بواقعية مع المصالح الحيوية المصرية، مستشهداً بما جرى في ليبيا خلال عامي 2019 و2020، عندما وصلت المواجهة إلى مرحلة حرجة وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن سرت والجفرة تمثلان «خطاً أحمر».
وقال إن أنقرة أدركت حينها أن أولويتها لم تكن الدخول في مواجهة مباشرة مع القاهرة، وتعاملت عملياً مع الخطوط التي حددتها مصر، وهو ما يعكس، وفق تقديره، منطق «التعاون التنافسي» الذي يحكم العلاقات بين البلدين.
وتابع: أن تركيا لا تسعى بالضرورة إلى منافسة مصر على مصالحها الحيوية، وإنما تعمل على تحقيق مصالحها من دون الوصول إلى مستوى يهدد المصالح المصرية بصورة مباشرة، في مقابل سعي القاهرة إلى توسيع هامش حركتها من دون تحويل التحركات التركية إلى مصدر صدام جديد.
وفي الجانب الاقتصادي، قال علوش، إن المصالح التجارية والاقتصادية تمثل أحد أبرز الأسس التي ساعدت على تذليل الخلافات السياسية وفتح آفاق جديدة للشراكة بين البلدين.
وأشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين تركيا ومصر، الذي يقدره بنحو 10 مليارات دولار سنوياً، لا يزال دون مستوى الإمكانات الاقتصادية للبلدين، لافتاً إلى استهداف رفعه إلى نحو 15 مليار دولار خلال الفترة المقبلة، مع إمكانية تجاوزه مستقبلاً.
وأكد أن العلاقات الاقتصادية لم تنقطع بصورة كاملة حتى خلال سنوات التوتر السياسي، إذ حافظ البلدان على قدر من التواصل التجاري، وهو ما وفر قاعدة مهمة لاستئناف العلاقات السياسية وتطويرها.
وأوضح أن مقترح إنشاء منطقة صناعية تركية في مصر يمكن أن يحقق مكاسب متبادلة، من خلال الاستفادة من الأراضي والموانئ المصرية وربط الإنتاج بالأسواق الأفريقية، فضلاً عن نقل التكنولوجيا والخبرات التركية وتعزيز التجارة والترانزيت.
وشدد على أن الاقتصاد «لا يمثل بديلاً عن السياسة، وإنما أداة مكملة لها»، مشيراً إلى أن المصالح الاقتصادية المشتركة يمكن أن تساعد في معالجة ملفات يصعب على السياسة وحدها تجاوزها، وأنها أسهمت في تهيئة أرضية أكثر ملاءمة للمرحلة الجديدة من العلاقات.
وعن العقبات التي لا تزال تواجه تطوير العلاقات، قال علوش، إن التحدي الأساسي يتمثل في قدرة أنقرة على تقديم تنازلات، وفي قدرة القاهرة على معالجة الملفات العالقة بين البلدين، موضحاً أن الرؤية التركية لا تقتصر على الحصول على مكاسب في شرق المتوسط مرتبطة بموارد النفط والغاز.
وأوضح أن تركيا تدرك طبيعة علاقات مصر مع أوروبا واليونان وقبرص، ولذلك لا تتوقع من القاهرة التخلي عن تموضعها الاستراتيجي في شرق المتوسط، وإنما تريد، في المقابل، ألا تكون مصر جزءاً من ترتيبات إقليمية موجهة ضد تركيا.
ورأى أن هذا يمثل أحد أبرز التحولات في الموقف المصري من ملف شرق المتوسط منذ استئناف العلاقات، معتبراً أن القاهرة لم تعد، وفق تقديره، جزءاً من ترتيبات إقليمية تقودها إسرائيل وتستهدف تركيا بصورة أساسية.
وفي الملف الليبي، أوضح علوش، أن القاهرة لا تزال تتعامل بحساسية مع الدور التركي في ليبيا، انطلاقاً من حرصها على حماية نفوذها ومصالحها هناك، مشيراً إلى أن الحضور التركي قد يتحول، في نظر مصر، من مصدر للمنافسة إلى عنصر يمكن توظيفه لدعم جهود تسوية الأزمة الليبية ودفع الأطراف نحو إنهاء حالة الانقسام.









