جبريل: واشنطن تسعى إلى تحقيق استقرار سياسي في ليبيا

دعا الكاتب الصحفي محمد جبريل إلى تبني عقيدة وطنية جديدة في تعامل ليبيا مع التحولات الدولية وصعود عالم متعدد الأقطاب، تقوم على موازنة المصالح وتنويع الشراكات، بعيداً عن التبعية لأي محور أو قوة إقليمية ودولية.
وقال جبريل، في مقال نشرته صحيفة «الموقف الليبي» بعنوان «نحو عقيدة وطنية للتعامل مع عالم متعدد الأقطاب»، إن تعدد الأقطاب يزيد من الأهمية الجيوسياسية لليبيا، نظراً لتقاطعها مع ملفات الطاقة والبحر المتوسط وأوروبا والهجرة والساحل الأفريقي، إلى جانب التنافس الروسي–الأمريكي والصيني–الأمريكي.
وأضاف أن السؤال الأهم، من وجهة نظره، لا ينبغي أن يكون «من سيحكم ليبيا؟»، وإنما من سيكون صاحب التأثير الأكبر في القرار الليبي، محذراً من أن تتحول البلاد إلى ساحة لتنافس القوى الخارجية على النفوذ والسيطرة على القرار الوطني.
وقسم جبريل، في تحليله، القوى المؤثرة في ليبيا إلى ثلاث دوائر رئيسية، تبدأ بدول الجوار والمغرب العربي، وفي مقدمتها مصر والجزائر وتونس والمغرب، مشيراً إلى اختلاف مصالح كل دولة تجاه ليبيا.
واعتبر أن استقرار ليبيا ووحدتها وأمنها يمثلان مصلحة أساسية لمصر، بينما ترتبط حسابات الجزائر، بحسب المقال، بأمن الحدود ومكافحة الإرهاب والهجرة والجريمة المنظمة ومنع قيام شراكات ليبية مع قوى تعتبرها الجزائر معادية، إلى جانب مخاوفها من تحولات إقليمية قد تؤثر في أمنها.
وأشار إلى أن التوافق المصري–الجزائري حول رؤية مشتركة تجاه ليبيا يمكن أن يسهم، وفق تقديره، في دعم وحدة البلاد والحد من الصراع حولها، مستشهداً بالاجتماع الثلاثي الجزائري–المصري–التونسي الذي عقد في مايو 2026 باعتباره خطوة في هذا الاتجاه.
كما تناول دور المغرب في الوساطات السياسية الليبية، وتأثير التنافس الجزائري–المغربي على الملف الليبي، إضافة إلى الأهمية الاستراتيجية للجنوب الليبي باعتباره بوابة نحو النيجر وتشاد والسودان ومنطقة الساحل.
وفي الدائرة الثانية، تناول جبريل مصالح القوى الإقليمية، وفي مقدمتها تركيا ودول الخليج وإسرائيل، موضحاً أن المصالح التركية ترتبط، بحسب رؤيته، بالإعمار والتجارة والطاقة والاتفاقيات البحرية والنفوذ الإقليمي، بينما يتجه الدور الخليجي بصورة أكبر نحو الاستثمار والشراكات الاقتصادية.
وعلى مستوى القوى الكبرى، رأى جبريل أن الولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها في المنطقة، وحماية تدفق الطاقة، ومكافحة الإرهاب، ومراقبة النشاطين الروسي والصيني، معتبراً أن واشنطن لا تحتاج إلى حكم ليبيا بقدر حاجتها إلى دولة مستقرة لا تتحول إلى قاعدة لقوة منافسة.
أما روسيا، فأشار إلى ارتباط مصالحها بالملفات العسكرية والأمنية والطاقة والموقع الليبي على البحر المتوسط، فضلاً عن إمكانية استخدام ليبيا كورقة تفاوضية في علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة، والوصول إلى العمق الأفريقي.
وفي المقابل، وصف الدور الصيني بأنه «أقل صخباً لكنه أكثر عمقاً»، مشيراً إلى إمكانية توسع بكين عبر قطاعات النفط والموانئ والطرق والسكك الحديدية والإسكان والطاقة الشمسية والبنية الرقمية والاتصالات والكهرباء والصناعة والتجارة.
كما تناول المصالح الأوروبية في ملفات الهجرة والنفط والغاز والأمن والعلاقة مع روسيا، معتبراً أن إيطاليا تنظر إلى ليبيا باعتبارها قضية أمن قومي، بينما تربط فرنسا الملف الليبي بتطورات الساحل والنفوذ الأفريقي ومكافحة الإرهاب، في حين تسعى اليونان إلى الحد من النفوذ التركي وترسيم الحدود البحرية.
وشدد جبريل على ضرورة ألا تتحول ليبيا إلى ساحة للصراع الروسي–الأوكراني أو إلى ورقة في المواجهة بين روسيا والغرب، وألا تكون طرفاً في استبدال شريك دولي بآخر، داعياً في الوقت ذاته إلى الحفاظ على انتمائها العربي والإسلامي ومصالحها الوطنية.
وطرح الكاتب سؤالاً محورياً مفاده: «كيف نجعل الجميع يحتاجون إلى ليبيا، دون تبعية لأحد؟»، داعياً إلى الانتقال من صراع الدول داخل ليبيا إلى التعامل معها جميعاً من موقع الشريك، بما يدفع القوى الإقليمية والدولية إلى التنافس على الاستثمار والتنمية بدلاً من التنافس على السيطرة على القرار الليبي.
واقترح جبريل وضع مشروع جيوسياسي وطني يمتد لعشر سنوات، يحدد مصالح ليبيا وأولوياتها وخطوطها الحمراء وأدواتها التفاوضية، ويهدف إلى تحقيق توازن المصالح والسيادة بدلاً من الارتهان للمحاور.
وحدد جبريل عدداً من القواعد التي يرى ضرورة أن يقوم عليها المشروع، في مقدمتها توحيد مؤسسات الدولة وإقامة حكومة ومؤسسات عسكرية وأمنية موحدة وشرعية، باعتبار الوحدة الوطنية، وفق طرحه، شرطاً أساسياً للسيادة والأمن القومي.
كما دعا إلى بناء القوة الاقتصادية والعسكرية والمؤسسية للدولة، وعدم الاصطفاف الدولي الدائم، وتنويع الشركاء وفتح المجال أمام مختلف الدول وفق قواعد المنافسة والشفافية والمصلحة الليبية.
وشدد على ضرورة استخدام النفط كقوة تفاوضية وأداة للتنمية والتوزيع العادل والثروة، وليس كسلاح سياسي في الصراع الداخلي، إلى جانب استثمار الموقع الجغرافي لليبيا وتحويله إلى مصدر قوة اقتصادية وسياسية.
ودعا إلى تطوير الجنوب الليبي وتحويله من منطقة رخوة إلى منطقة جذب اقتصادي واستقرار سكاني، عبر الأمن والتنمية والمشروعات الزراعية والصناعية والسياحية والطاقة الشمسية وممرات التجارة، وربط الجنوب ببقية مناطق البلاد، مع تعزيز الحضور الليبي في صياغة الاستراتيجية الأفريقية.
واعتبر جبريل أن ليبيا دخلت، وفق رؤيته، في 30 أغسطس 2026 مرحلة سياسية جديدة على خلفية الاتفاق على إجراء انتخابات خلال عامين، مشيراً إلى أن نجاح هذا المسار من شأنه أن يعيد تشكيل حسابات القوى الإقليمية والدولية تجاه ليبيا.









