الغرياني: مخرجات «4+4» فرضت نفسها لإنهاء الانقسام والتمهيد للانتخابات

قال الناشط المدني عبدالله الغرياني إن التطورات التي أعقبت تصديق مجلس النواب على مخرجات لجنة «4+4»، وما رافقها من ترحيب أممي ودولي، كانت متوقعة في ظل عدم وجود رفاهية للوقت أمام الأطراف الليبية، مؤكداً أن المواعيد المحددة بعد توقيع الاتفاق تفرض الانتقال إلى مرحلة جديدة، وأن مخرجات «4+4» فرضت نفسها باعتبارها مساراً يمكن البناء عليه لإنهاء حالة الجمود السياسي.
وأوضح الغرياني، من خلال لقائه مع تلفزيون المسار، ورصدته “الساعة24″، أن الجميع يدرك أن استمرار التعطيل لم يعد ممكناً، خصوصاً أن الجسمين التشريعيين ظلا، طوال السنوات الست الماضية، يعيدان طرح الحجج نفسها والحلول ذاتها من دون الوصول إلى نتائج، بينما تضمنت مخرجات «4+4» الكثير من النقاط التي عجز الطرفان عن إنجازها خلال تلك السنوات.
وأضاف أن أي محاولة لإعادة إلقاء مسؤولية التعطيل على الطرف الآخر أو المراوغة في تنفيذ المخرجات لن تكون مجدية في المرحلة الحالية، لا سيما بعد بيان مجلس الأمن الذي كان واضحاً في التأكيد على ضرورة إنجاز المسار بأسرع وقت والبناء على ما تم إنتاجه من خلال لجنة «4+4».
وأشار إلى أن مخرجات اللجنة فرضت نفسها منذ البيانات الأولى التي صدرت عقب توقيع الاتفاق في 31 أغسطس، من جانب الأطراف الفاعلة على الأرض، بما في ذلك القيادة العامة والقوى الموجودة في غرب البلاد ورئيس الحكومة المؤقتة، إلى جانب الأطراف التي ساهمت في دفع الفرقاء إلى الجلوس على طاولة الحوار.
ولفت الغرياني إلى أن المشاركين في لقاء روما، وكذلك الأطراف التي حضرت أول اجتماع للجنة المصغرة في روما، لم يكن لديهم توقع واضح بإمكانية الوصول إلى مخرجات أو توافق، إلا أن ما تحقق من إنجاز دفع الأطراف إلى مزيد من التفاعل الإيجابي، مؤكداً أن العملية السياسية تحتاج إلى دفعة سياسية تنقلها نحو مرحلة التهدئة والتمهيد لإجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
وحول ما إذا كان تصديق مجلس النواب على الاتفاق يعني تمريره وترجمته على الأرض، أم أنه جاء مشروطاً بإجراء تعديلات، قال الغرياني إن بعض أعضاء مجلس النواب تحدثوا صراحة في تصريحات صحفية عن أن ما جرى داخل الجلسة قد يكون مجرد إجراء شكلي، مشيراً إلى أن المستشار عقيلة صالح طرح نقاطاً تتعلق بالمفوضية وشكل السلطة التنفيذية.
وأكد أن هذه القضايا كانت من صميم النقاشات داخل لجنة «4+4»، متسائلاً عن سبب إعادة طرحها بعد التصديق على المخرجات، وما إذا كان ذلك يعني إمكانية إعادة فتح المسودة وإدخال تعديلات عليها.
وقال إن من يعتبرون ما حدث في مجلس النواب مجرد مسرحية أو إجراء شكلي يستندون إلى تصريحات صادرة عن أعضاء بالمجلس، لكنه شدد على أن المسألة تتعلق بشرعيات ومؤسسات استنفدت سنوات طويلة من العمل السياسي من دون الوصول إلى نتائج ملموسة، لافتاً إلى أن هذه المؤسسات فشلت في إنتاج قوانين انتخابية، كما فشلت في التوافق على تشكيل المفوضية وتعيين رئيسها طوال ست سنوات.
وفي المقابل، أوضح الغرياني أن اللجنة المصغرة، التي مثل فيها مجلسا النواب والدولة، تمكنت من إنجاز هذه القوانين خلال فترة وجيزة جداً، معتبراً أن هذا الإنجاز يمثل سبباً للتمسك بالمخرجات والبناء عليها، بعدما كانت القضايا نفسها تمثل معضلة أمام الجسمين التشريعيين.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة لا تحتمل استمرار المماطلة، خصوصاً أن الاتفاق أصبح أمام محطة حساسة تتعلق بتضمين مخرجاته في الإعلان الدستوري، في ظل عدم اعتماد مجلس الدولة للاتفاق حتى الآن.
وأكد الغرياني أنه لا توجد مساحة واسعة للمناورة أمام الأطراف وأصحاب الصلاحيات المتعلقة بتطوير الاتفاق أو تضمين مخرجاته في الإعلان الدستوري، موضحاً أن المرحلة الحالية تختلف عن المراحل السابقة، وأن أعضاء مجلسي النواب والدولة يدركون أهمية التسوية القائمة ومدى الدعم الدولي الذي تحظى به.
وأضاف أن بيان مجلس الأمن المبكر بشأن ضرورة البناء على مخرجات «4+4» يمثل رسالة واضحة إلى الأطراف الليبية، مشيراً إلى أن التحركات الإقليمية واللقاءات التي جرت قبل توجه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة إلى تركيا جاءت في سياق الدفع نحو استكمال المسار.
وأوضح أن المدة المتبقية تمثل عاملاً حاسماً، إذ لم يتبقَ سوى نحو أسبوعين حتى نهاية سبتمبر، بينما يجب أن يبدأ الحديث عن السلطة التنفيذية خلال أكتوبر، معتبراً أن السيناريو السياسي في ليبيا كان واضحاً منذ بداية العام، وأن الانتقال إلى مرحلة توحيد السلطة والمؤسسات يجب أن يكون جزءاً من المسار المقبل.
وشدد الغرياني على ضرورة قراءة المشهد الليبي في ضوء التطورات الإقليمية والدولية، موضحاً أن التسوية القائمة تؤكد وجود تنسيق بين الإدارة الأمريكية وأطراف دولية أخرى، إلى جانب منظومة الأمم المتحدة والبعثة الأممية التي وصف دورها بالداعم واللوجستي والاستشاري للأطراف الليبية، فيما اعتبر أن اللاعبين الأساسيين في رسم المسار هم أعضاء مجلس الأمن، وعلى رأسهم الولايات المتحدة وروسيا، إلى جانب القوى الإقليمية المؤثرة.
وقال إن الوضع الجغرافي والسياسي في ليبيا يحتاج إلى الانتقال من حالة الانقسام إلى مرحلة السلام والتهدئة، بما يسمح بالوصول إلى عملية انتخابية، مشيراً إلى تصريحات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في قمة الذكاء الاصطناعي بالإمارات بشأن إمكانية إجراء الانتخابات في عام 2028.
وأضاف أن لجنة «4+4» كانت، منذ بداية اجتماعاتها، تدرك أن التوصل إلى توافق يمكن أن يسحب ورقة التمديد من مجلسي النواب والدولة، خصوصاً أن اللجنة المصغرة ضمت ممثلين عن المجلسين وأن مخرجاتها جاءت في وقت كانت فيه المؤسسات التشريعية عاجزة عن حسم الملفات العالقة.
وأشار إلى أن ما حدث في ديسمبر 2021 يمثل دليلاً على خطورة استمرار المماطلة، موضحاً أن نحو مليون و700 ألف ناخب وناخبة تسلموا بطاقات انتخابية وفق إحصاءات المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وكانوا مستعدين للمشاركة في الانتخابات، قبل أن تتعطل العملية بسبب الخلافات والمماطلات.
وأكد أن قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية كانت موجودة، وأن لجنة «6+6» استغرقت قرابة ثلاثة أو أربعة أشهر في عملها، من دون أن يؤدي ذلك إلى إجراء الانتخابات، معتبراً أن إعادة فرض مسار «6+6» في الوقت الحالي تحت عنوان استكمال «4+4» لن تضيف بالضرورة إلى العملية السياسية.
ورأى الغرياني أن فكرة «6+6» في هذا التوقيت جاءت من منطلقات مرتبطة بالعرقلة والتمديد والمراوغة، أو بهدف الحصول على مساحة أكبر من الصلاحيات، مؤكداً أن هذه المساحة لم تعد متاحة أمام مجلسي النواب والدولة كما كانت في السابق.
وشدد على أن مصلحة ليبيا والمصلحة الوطنية يجب أن تتغلبا على الحسابات السياسية للمؤسسات والأطراف، في ظل تراجع مؤسسات الدولة وتدهور أوضاع المواطنين، مشيراً إلى وجود نحو 60 وزيراً في الحكومتين، إضافة إلى عشرات المؤسسات والآلاف من الموظفين، بينما تستمر الدولة في حالة من الانقسام والاستنزاف.
وأكد أن الانقسام السياسي الذي استمر سنوات لم يعد يحتمل المزيد، وأن مصلحة البلاد تقتضي دعم المسار الذي بدأته لجنة «4+4»، موضحاً أن اللجنة بدأت اجتماعاتها في يوليو الماضي، وأنه رغم وجود تحفظات على بعض أعضائها، جرى دعم المسار وقبوله باعتباره أحد المسارات الهادفة إلى التهدئة وتوحيد المؤسسات.
وأضاف أن المسار العسكري والأمني شهد بدوره خطوات موازية، من بينها لجنة «3+3» والمناورات العسكرية المشتركة، بينما عملت «4+4» على صياغة القوانين ومحاولة الوصول إلى حالة توافق سياسية، وهي أمور قال إن مجلسي النواب والدولة عجزا عن تحقيقها خلال ست سنوات.
وأشار إلى أن الدعم لمخرجات «4+4» بدأ منذ اللقاء الأول في روما، ثم استمر خلال اللقاء الثاني في تونس، وصولاً إلى المخرجات النهائية، معتبراً أنها جاءت منطقية وتمكنت من معالجة خلافات استمرت ست سنوات.
وأكد الغرياني أن منح هذه الوثيقة مجدداً للأطراف التي عجزت عن حل الخلافات طوال السنوات الماضية قد يعيد إنتاج حالة التعطيل، موضحاً أن بعض الأطراف لا ترى أمامها سوى المساحة الضيقة التي تسمح باستمرار الوضع القائم، بما يضمن استمرار نفوذها.
وحول دعوة المستشار عقيلة صالح إلى تشكيل حكومة موحدة تسيطر على كامل الأراضي الليبية وتشرف على الانتخابات، قال الغرياني إن هذه الدعوة قد تبدو جوهرية بالنسبة للمرحلة المقبلة، لكنه تساءل عن سبب عدم طرحها منذ ستة أشهر أو منذ بداية العام إذا كانت هناك إمكانية حقيقية لفرض حكومة موحدة وإنهاء الانقسام.
وشدد على أن موقفه من عقيلة صالح ليس شخصياً، ولا يستهدف أي طرف بعينه، وإنما يرتبط بمصلحة الوطن والوصول إلى حل واقعي بعد نحو ست سنوات من الانقسام، مؤكداً أن لجنة «4+4» تمكنت من إنتاج صيغة توافقية رغم الظروف الصعبة والتحديات اللوجستية والداخلية التي واجهتها.
وأشار إلى أن جميع الأطراف رحبت بالمخرجات منذ الساعات الأولى، انطلاقاً من الحاجة إلى الذهاب فعلياً نحو تسوية وتهدئة تمهد لإجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات الليبية، لافتاً إلى أن الجميع يدرك حجم سوء الأوضاع والانهيار الخدمي وأزمة الوقود والمشكلات المرتبطة بأداء الشركات النفطية.
وأوضح أن هذه الأوضاع كانت، في رأيه، نتيجة مباشرة للانقسام السياسي الذي استمر ست سنوات، وما ترتب عليه من استمرار سلطات متوازية في طرابلس ومناطق أخرى، مؤكداً أن التسوية الحالية توفر فرصة لتغليب المصلحة الوطنية والسياسية العامة على الحسابات الضيقة.
وحول ما إذا كان شرط «6+6» يمكن أن يكون جزءاً من توحيد السلطة، رفض الغرياني هذا الطرح، معتبراً أن إعادة إدخال اللجنة في هذه المرحلة تمثل مراوغة، ومشدداً على أن القوانين لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتعطيل الاتفاق أو إعادة إنتاج الخلافات.
وأضاف أن محاولة إعادة تشكيل الاتفاق أو تغيير قواعده من خلال إدخال أطراف أو مسارات جديدة تتجاهل أن الجميع يعمل اليوم تحت مظلة الشرعية الدولية، وأن لجنة «4+4» ومخرجاتها جاءت في إطار دولي وأممي واضح، مؤكداً أن المطلوب هو تنفيذ ما تم الاتفاق عليه بدلاً من البحث عن مساحات جديدة للتمديد.
وقال إن الحوار الموسع قد يكون قابلاً للبناء عليه بعد الوصول إلى مرحلة التهدئة، لكن الأولوية حالياً تتمثل في تحقيق حالة تهدئة واضحة ومنظمة، موضحاً أن هناك خطة تتعلق بتوحيد السلطة، وأن المسارات الأمريكية والأممية تتحرك ضمن إطار متقارب.
وأكد الغرياني أن البعثة الأممية تمثل إطاراً لوجستياً للعمل، بينما يبقى مجلس الأمن، وما يقرره، العامل الأساسي في تحديد اتجاه المسار، مشيراً إلى أن إحاطات البعثة ترفع إلى المجلس وأن الدول الأعضاء فيه تشارك في رسم السيناريوهات المتعلقة بمرحلة السلام وإعادة توحيد المؤسسات الليبية.
وشدد على أن الخطة الدولية للمرحلة المقبلة واضحة ولا تحتاج إلى تدخل لاعبين إضافيين أو الاحتماء خلف أطراف إقليمية للحصول على مصالح شخصية أو ضيقة، معتبراً أن ليبيا أمام مرحلة حساسة تتطلب من مؤسساتها وأطرافها السياسية تحمل مسؤولياتها والحفاظ على وحدة الدولة والتراب والمؤسسات.
وأكد أن الخيارات أمام الليبيين باتت محدودة بين المضي في مسار السلام والتهدئة، وهو المسار الذي رحبت به الأطراف الرئيسية والفاعلة، أو استمرار حالة الانقسام والجمود التي استمرت لسنوات.
وحول الخطوات المتبقية بعد إنجاز ملف المفوضية والإطار الانتخابي، قال الغرياني إن خطوة واحدة أساسية تبقى أمام الأطراف، وهي المضي في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من خلال اللجنة المصغرة ومخرجاتها، داعياً الجميع إلى التحلي بالمسؤولية الوطنية وتغليب المصلحة العامة، سواء على الحسابات الذاتية أو القبلية أو الإقليمية.
وأشار إلى أن الفرصة الحالية قد لا تتكرر، وأن الوصول إلى السلام يتطلب تكاتفاً والتزاماً وعملًا وطنياً حقيقياً، موضحاً أن الحديث عن السلام لا يعني إقصاء أي طرف، وإنما يتيح لجميع الأطراف المشاركة في التسوية السياسية.









