اخبار مميزةاقتصاد

اطلوبة: ليبيا تمتلك احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي

قال أستاذ الاقتصاد في جامعة مصراتة عبد اللطيف اطلوبة، إن التوقف المفاجئ لأي خط من خطوط نقل النفط أو أي بئر نفطي، خصوصاً إذا كان يمثل نسبة مهمة من الإنتاج اليومي، ينعكس مباشرة على الاقتصاد الليبي من خلال خفض الإنتاج والإيرادات، بما يؤدي إلى تفاقم مشكلة الفجوة المالية التي أعلن عنها مصرف ليبيا المركزي، فضلاً عن تداعيات سياسية واجتماعية أخرى.

وأوضح اطلوبة خلال مداخلته على قناة الوسط، رصدتها “الساعة 24″، أن توقف خطوط الإنتاج أو الآبار النفطية لا يقتصر تأثيره على حجم الإيرادات فقط، وإنما قد يؤدي كذلك إلى زعزعة الثقة في صادرات النفط الليبية لدى الموردين والمستهلكين، ويدفع بعض الأطراف إلى البحث عن مصادر بديلة، ولا سيما مع وجود مصادر قريبة في الجزائر ودول أخرى يمكن اللجوء إليها في حال حدوث اضطرابات مستمرة في الإمدادات الليبية.

وأضاف أن تكرار عمليات الإغلاق يمكن أن يؤثر على الثقة في قدرة ليبيا على استمرارية واستدامة الإنتاج والتصدير، وكذلك على ضمان تدفق الإيرادات اللازمة لتمويل الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن قطاع النفط يمثل المصدر الأساسي الذي تعتمد عليه الدولة في تمويل نفقاتها والتزاماتها.

وقال اطلوبة، أن من الصعب إنشاء عدة شبكات مستقلة لنقل النفط، ولذلك تحاول المؤسسة الوطنية للنفط، باعتبارها الجهة المنتجة، تقليل تكاليف إنشاء وتشغيل البنية التحتية من خلال تجميع عدد من الآبار والحقول في خطوط نقل مشتركة.

وأشار إلى أن هذا الإجراء، رغم أنه يساهم في خفض تكاليف الإنشاء والتشغيل، يؤدي إلى خلق نقاط حساسة يمكن التحكم فيها بسهولة، بحيث يصبح أي عطل أو إغلاق لصمام واحد قادراً على التأثير في كمية كبيرة من الإنتاج والصادرات.

وأوضح أن الرغبة في تقليل تكاليف البنية التحتية ليست جديدة في الصناعة النفطية الليبية، مستشهداً بإحدى المشكلات التي واجهت القطاع منذ بداياته في ستينيات القرن الماضي، والمتمثلة في وجود عدد كبير من الموانئ، وهو ما يرفع تكاليف الإنشاء والتشغيل، في حين أن الاعتماد على ميناء واحد فقط قد يؤدي إلى إمكانية التحكم فيه أو إغلاقه بصورة تؤثر على حركة الصادرات.

واعتبر طلوبة أن كلا الخيارين يحمل مخاطر، إذ إن تعدد الموانئ يرفع التكلفة، بينما يؤدي التركيز في منشأة أو خط واحد إلى زيادة حساسية المنظومة أمام الأعطال أو الإغلاقات، بما يجعل الأمر بمثابة سلاح ذي حدين.

وفيما يتعلق بعدم إعلان المؤسسة الوطنية للنفط حتى الآن حالة القوة القاهرة، واكتفائها بالتحذير من احتمال إعلانها، أوضح طلوبة أن الإغلاق الحالي، وفق المعطيات المتاحة، قد لا يكون له تأثير كبير، خصوصاً إذا استمر لفترة قصيرة.

وأشار إلى أن جزءاً كبيراً من الكميات التي تمر عبر الخط المتوقف يبدو أنه يتجه إلى مصفاة الزاوية، وبالتالي قد لا يكون التأثير المباشر على صادرات النفط الليبية أو على التزامات المؤسسة تجاه المشترين كبيراً في المرحلة الحالية.

وأضاف أن مدة الإغلاق تمثل عاملاً أساسياً في تحديد حجم التداعيات، موضحاً أنه إذا تم التوصل إلى تفاهم مع الجهة التي قامت بإغلاق الصمامات أو تراجعت عن الإغلاق خلال فترة قصيرة، فإن تأثير الأزمة سيكون محدوداً.

وأكد أن تقييم الوضع يعتمد بصورة أساسية على عاملين، هما مدة استمرار الإغلاق، وحجم الكميات التي يتم نقلها عبر الصمام والخط المتوقف مقارنة بإجمالي الكميات التي يتم نقلها عبر منظومة نقل النفط الليبية.

لفت طلوبة إلى أن إعلان القوة القاهرة يعد موضوعاً مؤثراً حتى من الناحية النفسية على سمعة المؤسسة الوطنية للنفط، ولذلك تسعى المؤسسة إلى تجنب الوصول إلى هذه المرحلة.

وأوضح أن إعلان القوة القاهرة يترتب عليه الدخول في أوضاع وعلاقات جديدة مع الموردين والمشترين، فضلاً عن ارتباطه بالتزامات دولية وتعاقدية، وهو ما يجعل المؤسسة حريصة على معالجة الأزمة قبل وصولها إلى هذه المرحلة.

ورجح أن تحاول المؤسسة الوطنية للنفط التفاهم مع الجهة التي أغلقت الصمامات في أسرع وقت ممكن، خاصة أن الإغلاق، لم يكن بهدف تعطيل الإنتاج لمجرد التعطيل، وإنما جاء في إطار المطالبة بتحقيق مطالب أخرى.

وأشار إلى أن طبيعة هذه المطالب قد تتيح إمكانية التفاوض بشأنها والنظر في تلبيتها، ولو بصورة جزئية، بما يسمح بإنهاء الإغلاق واستعادة حركة الإنتاج والنقل بصورة طبيعية.

وأكد أن العجز في استخدامات النقد الأجنبي الذي يقدر بنحو 4.9 مليار دولار، لا ينبغي التعامل معه فقط من زاوية التخويف أو إثارة القلق لدى المواطن، وإنما يجب فهم دلالاته الاقتصادية وطبيعة الأسباب التي أدت إلى ظهوره.

وأوضح أن مصرف ليبيا المركزي لم يفصح بصورة مباشرة عن هذا العجز في تقريره السابق، رغم أن البيانات الخاصة بالفترة الممتدة من الأول من يناير وحتى نهاية أغسطس كانت تشير إلى وجود فجوة في استخدامات النقد الأجنبي تقترب من خمسة مليارات دولار، مشيراً إلى أن المصرف أعلن الرقم بصورة أوضح في تقريره الأخير.

وقال إن العجز في العملة الصعبة ليس بالضرورة مشكلة خطيرة بالنسبة إلى جميع الدول إذا كان مؤقتاً ومحدوداً، خصوصاً عندما تكون الدولة تمتلك احتياطيات نقدية من العملات الأجنبية تمكنها من تغطية العجز لفترة معينة.

وأشار إلى أن ليبيا تمتلك احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي يمكن استخدامها لتغطية العجز المؤقت، إلا أن المشكلة الأساسية، تكمن في استمرار نمط الإنفاق على العملة الصعبة بالمستوى نفسه.

وأوضح أن ليبيا اعتادت أن تحدد إنفاقها على العملة الأجنبية بما يقارب حجم الإيرادات المتاحة منها، وهو ما يشبه، أسرة تخطط إنفاقها الشهري بحيث يساوي تماماً دخلها الشهري دون ترك هامش للطوارئ أو الادخار.

وأكد أن هذه الطريقة في إدارة المال العام تمثل مشكلة، لأن الحالات الطارئة أو انخفاض الإيرادات أو ارتفاع النفقات بشكل مفاجئ يمكن أن يؤدي إلى ظهور فجوة يصعب التعامل معها إذا لم تكن هناك مدخرات أو احتياطيات مخصصة لمواجهة الظروف الاستثنائية.

وأضاف أن هذا هو الوضع الذي يواجهه مصرف ليبيا المركزي حالياً، إذ تجاوز الإنفاق من العملة الصعبة حجم الإيرادات، في وقت لا يمتلك فيه المصرف، سلطة كاملة على جميع بنود الإنفاق بالعملة الأجنبية، وإنما يتعامل مع طلبات تأتيه من جهات ومؤسسات وسلطات مختلفة.

وحذر من أنه إذا استمر هذا النمط، فإن الدولة قد تصل إلى مرحلة تعجز فيها عن تمويل جميع احتياجاتها من الواردات، سواء الواردات الاستهلاكية أو الواردات الصناعية أو مستلزمات الإنتاج.

وقال أن استمرار استنزاف العملة الصعبة سيؤدي في النهاية إلى الحاجة لتحديد أولويات الاستيراد، لأن المصرف المركزي لا يستطيع بمفرده وقف الاستيراد أو تقليصه، باعتبار أن هذه المهمة ترتبط بالسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية من خلال تحديد السياسة الاستيرادية والأولويات.

وأوضح أن هناك حاجة إلى موازنة استيرادية واضحة تحدد حجم الواردات التي يمكن تمويلها سنوياً، على أن يتم إعدادها من جانب السلطة التشريعية وبموافقة السلطات التنفيذية وبالتنسيق مع مصرف ليبيا المركزي.

وأشار إلى أن مصرف ليبيا المركزي سبق أن قدم إلى مجلس النواب تصوراً لموازنة تتناسب مع القدرة التي يستطيع المصرف توفيرها سنوياً من النقد الأجنبي، والتي تقترب من حجم الإيرادات السنوية أو تقل عنها بقليل، إلا أن مجلس النواب لم يتمكن من الاتفاق على هذه الموازنة، ليبقى الوضع على ما هو عليه.

وأضاف أن استمرار الإنفاق من جانب جهات مختلفة، وبحسب ما يتوفر من أموال، يؤدي إلى ظهور عجز عند ارتفاع الإنفاق أو تراجع الإيرادات، وهو ما يدفع إلى اللجوء إلى تمويل العجز أو الاستدانة من المصارف أو من مصرف ليبيا المركزي.

وحذر اطلوبة من أن استمرار هذا المسار على المدى الطويل يمثل خطراً على قيمة الدينار الليبي، لأن الاستمرار في تمويل العجز والاستدانة دون معالجة أسباب الفجوة المالية قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على العملة المحلية.

أوضح أن الاحتياطيات تستخدم بالفعل لتغطية مثل هذه الفجوات المؤقتة، لكن السؤال الأساسي، بيتمثل في المدة التي يمكن خلالها الاستمرار في استخدام الاحتياطيات دون أن تتعرض لمزيد من التراجع.

وأكد أن الاحتياطيات ينبغي أن تزيد بصورة سنوية، مشيراً إلى أن ليبيا شهدت في فترات سابقة، خصوصاً خلال تسعينيات القرن الماضي والألفينات، نمطاً كانت فيه الاحتياطيات تتزايد كل عام بنسبة معينة وفقاً لما تسمح به الإيرادات وإدارة المال العام.

وشبه إدارة المال العام بإدارة الأسرة، موضحاً أنه لا يمكن لأي أسرة أن تجعل إنفاقها مساوياً تماماً لدخلها بصورة دائمة، لأن هناك طوارئ والتزامات مفاجئة لا يمكن التنبؤ بها، ولذلك يجب أن يكون الادخار جزءاً مستمراً من نمط إدارة الموارد.

وأكد أن المشكلة الحالية تتمثل في عدم وجود هذا النمط المستدام من الادخار، وأن الاعتماد المستمر على الاحتياطيات لتغطية الفجوات دون العمل على زيادتها سيؤدي في النهاية إلى استنزافها.

وأشار إلى أن مصرف ليبيا المركزي لا يستطيع بمفرده إيقاف الواردات أو التحكم الكامل في حجمها، لأن تحديد ما يجب استيراده وما ينبغي التوقف عن استيراده يرتبط بقرارات السلطة التشريعية والتنفيذية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى