السايح: جدول المرتبات يحتاج إلى إصلاح قانوني ومالي يحمي قيمة الدينار

أكد الأكاديمي فرج السايح أن اعتماد جدول موحد للمرتبات في ليبيا لا ينبغي أن يقتصر على إعادة توزيع الأجور، بل يجب أن يستند إلى أسس قانونية واقتصادية واجتماعية تضمن العدالة والاستقرار المالي، وتحافظ على القوة الشرائية للمواطنين.
وأوضح السايح، في مقال بعنوان «هل يحقق جدول المرتبات العدالة والاستقرار»، أن تصميم منظومة الأجور يمثل أداة مؤثرة في الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية، محذرًا من أن القرارات غير المدروسة قد تؤدي إلى التضخم وتراجع قيمة الدينار، حتى مع ارتفاع المرتبات اسميًا.
وأشار السايح إلى أن القانون رقم 12 لسنة 2010 بشأن علاقات العمل نقل، وفق قراءته القانونية، صلاحية تحديد منظومة المرتبات الوطنية إلى السلطة التنفيذية، مستندًا إلى المادة 19 التي تنظم تشكيل هيئة استشارية لمكافآت العمل تتولى اقتراح السياسة العامة للأجور وتحديد مستوياتها.
ولفت إلى أن اعتماد مجلس الوزراء الجدول الموحد للمرتبات بموجب القرار رقم 540 لسنة 2022 يمثل أحد التطبيقات على هذا المسار، مؤكدًا أن صلاحية الحكومة لا تعني إمكانية إقرار زيادات دون مخصصات مالية معتمدة أو بمعزل عن التشريعات المنظمة للمالية العامة.
كما نبه إلى أن الانقسام السياسي قد يثير إشكالات بشأن مشروعية الجهات التي تصدر القرارات ومدى قابليتها للتنفيذ، داعيًا إلى اعتماد أساس مالي واضح للجدول من السلطة التشريعية، بما يعزز استقراره ويحد من النزاعات القانونية بشأنه.
وفي الجانب الاقتصادي، حذر السايح من أن اعتماد المرتبات بصورة متزايدة على الإيرادات النفطية، دون مراعاة استدامة هذه الإيرادات، قد يفاقم الضغوط على المالية العامة وسعر صرف الدينار.
وأوضح أن زيادة الإنفاق على الأجور دون نمو موازٍ في الإنتاجية والنشاط الاقتصادي قد تؤدي إلى ضخ سيولة استهلاكية إضافية، وارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، وزيادة الضغوط التضخمية، بما ينعكس سلبًا على القوة الشرائية للمرتبات.
واقترح بناء جداول الأجور على متوسطات تحفظية لإنتاج النفط وأسعاره على مدى خمس سنوات، مع توجيه فوائض فترات الرواج إلى صندوق سيادي يساعد على ضمان استدامة الإنفاق خلال فترات تراجع الإيرادات.
كما دعا إلى ضبط الإنفاق على الأجور بما يتناسب مع قدرة الاقتصاد، وربط المراجعات الدورية للمرتبات بمؤشرات الإنتاجية ونمو الدخل القومي غير النفطي.
وتناول المقال البعد الاجتماعي لمنظومة الأجور، مقترحًا الفصل بين الراتب الأساسي والبدلات الاجتماعية، بحيث يتحدد الراتب الأساسي وفق طبيعة الوظيفة ومسؤولياتها، بينما تُخصص بدلات للإعالة الأسرية وفق معايير قانونية واجتماعية واضحة.
وشدد السايح على عدم التمييز بين الرجل والمرأة في الراتب الأساسي عن الوظيفة ذاتها، مقترحًا منح بدل إعالة الأسرة للمسؤول عن الإنفاق الفعلي عليها، وفق ضوابط ومستندات رسمية، مع مراعاة حالات المرأة المعيلة أو الأرملة.
كما دعا إلى إتاحة خيارات العمل الجزئي المرن للموظفات الراغبات في ذلك، واحتساب تكاليف إجازات الأمومة والرضاعة مسبقًا ضمن الموازنة العامة، بما يساعد على تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والأسرة.
وفي ما يتعلق بالهيكل الفني المقترح، طرح السايح نموذجًا لجدول موحد شامل يتضمن نطاقات وظيفية مرنة، مع دمج البدلات المتفرقة في الراتب الأساسي، بحيث يمثل ما بين 70% و80% من إجمالي الدخل.
ودعا إلى تصنيف الوظائف وفق طبيعة العمل ومستوى المسؤولية وصعوبته، بدلًا من الاعتماد على المؤهل العلمي وحده، إلى جانب ربط التدرج داخل النطاقات الوظيفية بتقييم الأداء السنوي، وليس بالأقدمية فقط.
كما اقترح تخصيص بدلات جغرافية للعاملين في المناطق النائية والحقول النفطية ومناطق الجنوب، بما يراعي اختلاف ظروف العمل وتكلفة المعيشة، ويساعد على توزيع الكفاءات بصورة أكثر توازنًا.
وحدد السايح مجموعة من الإجراءات التي يرى ضرورتها لإصلاح جدول المرتبات، أبرزها:
– تفعيل الهيئة الاستشارية لمكافآت العمل المنصوص عليها في المادة 19 من القانون رقم 12 لسنة 2010.
– ربط أي زيادة في المرتبات باعتماد مالي صريح في الميزانية العامة، بعد تحديد أثرها المالي.
– تشكيل لجنة وطنية عليا تضم خبراء الموارد البشرية وممثلين عن الجهات المالية والرقابية والتخطيطية المختصة لإعداد الجدول الموحد.
– عرض الأساس المالي للجدول على السلطة التشريعية لتعزيز استقراره القانوني وتوحيد مرجعيته.
– إجراء محاكاة مالية لسيناريوهات مختلفة لأسعار النفط، للتحقق من قدرة الدولة على تحمل فاتورة المرتبات دون استنزاف احتياطياتها أو تهديد قيمة الدينار.
– تطبيق الجدول تدريجيًا وفق مراحل مدروسة، مع قياس آثاره المالية والتضخمية قبل الانتقال إلى كل مرحلة جديدة.
وأكد أن صلاحية الحكومة في تحديد جدول المرتبات لا تعني حرية الإنفاق دون ضوابط، مشددًا على ضرورة الجمع بين سلامة الأساس القانوني، وتوافر المخصصات المالية، والدراسة الاقتصادية المسبقة.
واعتبر أن تحقيق العدالة في الأجور لا يرتبط فقط بقيمة المرتب المعلنة، بل بقدرة الدولة على دفعه بصورة مستدامة، والحفاظ على قيمته الشرائية، وضمان ألا تتحول الزيادات الاسمية إلى عبء إضافي على الاقتصاد والمجتمع.









