اخبار مميزةليبيا

الباروني: لا يمكن بناء دولة بمورد نفطي واحد ومصارف تكتفي بحفظ الأموال

أكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور إلياس أبوبكر الباروني، أنه لم يعد مقبولاً أن يظل الاقتصاد الليبي رهين النفط، وأن تبقى الدولة معتمدة بصورة شبه كاملة على إيراداته، في وقت تتعطل فيه فرص الاستثمار والإنتاج، وتتزايد أعداد الخريجين والباحثين عن العمل، وتتسع دائرة الاعتماد على الوظيفة العامة، متسائلا: الاقتصاد الليبي إلى أين؟… مؤكدا : لا يمكن بناء دولة بمورد نفطي واحد ومصارف تكتفي بحفظ الأموال.

وأوضح الباروني في منشور عبر صفحته بموقع فيسبوك، أن ما تحتاج إليه ليبيا اليوم ليس مجرد إجراءات مالية مؤقتة أو قرارات لزيادة الإنفاق، بل مشروع اقتصادي وطني شامل، وسياسة عامة واضحة تحدد طبيعة الاقتصاد الليبي واتجاهاته وأولوياته، ودور الدولة والقطاع الخاص والمصارف في بناء التنمية.

وأشار إلى ضرورة البدء بمراجعة القوانين والتشريعات المنظمة للنشاط الاقتصادي والمصرفي، وتحديثها بما يواكب التحولات الاقتصادية العالمية، ويوفر بيئة جاذبة للاستثمار، ويضمن المنافسة العادلة، ويحمي رؤوس الأموال، ويشجع المبادرات الوطنية.

وفيما يتعلق بتنويع الاقتصاد الوطني، أكد الباروني أن ذلك لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة تفرضها تحديات الحاضر ومتطلبات المستقبل، مشيراً إلى أهمية الانتقال التدريجي من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد إنتاجي متنوع يقوم على قطاعات متعددة.

وأوضح أن هذه القطاعات تشمل الاقتصاد الأخضر من خلال الاستثمار في الطاقة المتجددة والطاقة الشمسية والتقنيات الصديقة للبيئة، والاقتصاد الأزرق عبر تطوير الموانئ والصناعات البحرية والثروة السمكية والخدمات اللوجستية المرتبطة بالبحر المتوسط، إلى جانب تسهيل ممارسة الأعمال وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز دور القطاع الخاص.

وأضاف أن تنويع الاقتصاد يتطلب أيضاً استثمار المقومات التاريخية والثقافية والطبيعية التي تمتلكها ليبيا في قطاع السياحة، وتطوير المطارات وشركات الطيران وإعادة تأهيل شبكة السكك الحديدية لربط المدن والموانئ والمناطق الاقتصادية ونقل المسافرين والسياح والبضائع، فضلاً عن توطين الصناعات التي تستفيد من الموارد المحلية، وتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

ولفت إلى أن هذه القطاعات ليست مجرد عناوين في خطط التنمية، بل يمكن أن تتحول إلى محركات حقيقية لخلق آلاف فرص العمل في القطاع الخاص، واستيعاب أعداد كبيرة من الخريجين بمختلف تخصصاتهم ومستوياتهم العلمية والمهنية، بدلاً من حصر طموحاتهم في انتظار التعيين بالوظيفة العامة.

وفيما يتعلق بدور المصارف الليبية، شدد الباروني على أن إصلاح الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل لا يتحققان من خلال السياسات الحكومية وحدها، بل يتطلبان مشاركة حقيقية وفاعلة من القطاع المصرفي، باعتباره أحد أهم محركات النشاط الاقتصادي والاستثماري.

ودعا إلى إعادة النظر في الدور التقليدي للمصارف الليبية، بحيث لا يقتصر نشاطها على استقبال الودائع وتقديم الخدمات المصرفية، وإنما تتحول إلى مؤسسات مالية فاعلة تساهم في الاستثمار والإنتاج وبناء الاقتصاد الوطني.

وأوضح أن ذلك يمكن تحقيقه من خلال توظيف جزء من أموال المصارف في تمويل وإقامة مشروعات صغرى ومتوسطة وكبرى، بالتعاون مع القطاع الخاص ورواد الأعمال، عبر القروض الاستثمارية وصيغ التمويل بالمشاركة في رأس المال والأرباح، وفق دراسات جدوى اقتصادية وضوابط واضحة تضمن إدارة المخاطر وحماية أموال المودعين.

وأشار إلى ضرورة توجيه التمويل نحو المشروعات الصناعية والزراعية والسياحية والتجارية، ومشروعات الطاقة المتجددة والنقل والخدمات، مع توفير ضمانات للمستثمرين وتطوير أدوات التمويل وتعزيز الشراكة بين المصارف والجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص.

وأكد أن المصارف لا ينبغي أن تكون مجرد خزائن لحفظ الأموال، بل مؤسسات تستثمر وتشارك وتموّل وتساهم في صناعة الثروة، مشيراً إلى أن المصرف الناجح ليس فقط من يدير الأموال، وإنما من يسهم في تحويلها إلى مشروعات منتجة وفرص عمل وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

وفي محور إصلاح السياسات المالية والاقتصادية، دعا الباروني إلى وضع سياسات متكاملة تعالج اختلالات الإنفاق العام، وتضبط التوسع في المصروفات، وتوجه الموارد نحو الاستثمار المنتج، وتربط الإنفاق الحكومي بمؤشرات الأداء والتنمية، مع تشجيع القطاع الخاص وتوفير بيئة قانونية ومؤسسية مستقرة تساعد على الإنتاج والمنافسة.

كما شدد على ضرورة تغيير الثقافة الاقتصادية، بحيث يصبح العمل في القطاع الخاص والاستثمار وريادة الأعمال مسارات مهنية حقيقية تحظى بالتشجيع والحماية والضمانات، لا بدائل اضطرارية عن الوظيفة العامة.

وحذر من أن استمرار الوضع الاقتصادي على حاله، مع الاعتماد على النفط وتضخم الإنفاق الجاري وضعف الإنتاج ومحدودية فرص القطاع الخاص، يضع البلاد أمام تحديات كبيرة قد تنعكس على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي ومستقبل الأجيال القادمة.

وأكد الباروني أن ليبيا لا ينقصها الموقع الاستراتيجي ولا الموارد الطبيعية ولا الإمكانات البشرية، وإنما تحتاج إلى مشروع اقتصادي وطني واضح، وإرادة مؤسسية، وتشريعات عصرية، ومصارف فاعلة، وقطاع خاص قوي، وسياسات عامة ومالية واقتصادية متناسقة، ورؤية تتجاوز إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل.

وأوضح أن الدول لا تُبنى بتوزيع الإيرادات فقط، ولا تُقاس قوتها بما تملكه من النفط، وإنما بقدرتها على تحويل مواردها إلى إنتاج واستثمارات وفرص عمل، وبناء اقتصاد متنوع قادر على الاستمرار ومواجهة الأزمات.

واختتم بالتساؤل عن المدى الذي سيظل فيه الاقتصاد الليبي معتمداً على عائدات النفط، بينما تبقى المصارف بعيدة عن الاستثمار المنتج، والقطاع الخاص محدود الإمكانات، والشباب في انتظار فرص العمل، مؤكداً أن إنقاذ الاقتصاد الليبي يبدأ برؤية واضحة وإصلاح حقيقي وشراكة وطنية تجعل من كل مورد وإمكان ومؤسسة فرصة لبناء اقتصاد منتج ومستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى