القماطي: غياب السيولة البديلة أدى لهبوط قيمة أوراق الـ5 والـ 20 ديناراً في السوق

انتقد الدكتور حلمي القماطي، رئيس قسم الاقتصاد بجامعة بنغازي، السياسات النقدية التي ينتهجها مصرف ليبيا المركزي.
واعتبر القماطي، في مداخلة تلفزيونية، على قناة ليبيا الحدث، أن “الإجراءات الأخيرة بسحب بعض الفئات النقدية، وخصوصًا فئة العشرين والخمسين دينارًا، تنقصها الرؤية الشاملة والتهيئة المسبقة، ما أدى إلى اضطراب واضح في السوق النقدي، وتراجع قيمة تلك الفئات في التداول اليومي”.
وقال القماطي إن “هذه الإجراءات، التي يُروّج لها باعتبارها “إصلاحات نقدية”، جاءت في سياق غير مواتٍ اقتصاديًا، حيث تعاني البلاد من أزمات سيولة حادة، وضعف في البنية التحتية للمعاملات الإلكترونية، وهو ما جعل تأثير سحب العملة أكثر ضررًا”.
وأشار إلى أن “سحب أوراق العملة، من فئتي الخمسين والعشرين ديناراً، تم بطريقة متسارعة، دون أن يقابلها ضخ نقدي يعوّض الكتلة المسحوبة من السوق، مما أفرز واقعًا اقتصاديًا مشوّهًا انعكس سلبًا على القدرة الشرائية للمواطن”.
وأكد القماطي أن “الفترة الزمنية التي منحت للمواطنين لتبديل أوراق العملة لا تتجاوز شهرًا، وهي مدة غير كافية في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد”، لافتًا إلى أن “بعض الدول تمنح مواطنيها فترة تتراوح بين ثلاثة أشهر إلى سنوات عند سحب فئات نقدية من التداول، وتقوم بذلك ضمن اقتصادات مستقرة وبوجود بدائل نقدية حقيقية”.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن “غياب السيولة البديلة أدى إلى هبوط في قيمة أوراق العشرين والخمسة دينارا في السوق، إذ باتت تباع بأقل من قيمتها الاسمية، في ظاهرة “خطيرة ومجحفة” بحق المواطن الليبي، وجريمة في حق الاقتصاد الوطني”.
وفي سياق متصل، انتقد القماطي “اتجاه السياسات المالية نحو فرض التعامل الإلكتروني كخيار وحيد، في ظل ضعف واضح في البنية التحتية الإلكترونية داخل ليبيا، ما جعل المواطنين رهائن لمنظومات قد تتوقف عن العمل في أي لحظة، مؤكدًا أن المعاملات الرقمية لا يمكن أن تكون بديلًا موثوقًا في الوقت الراهن، خاصة في المناطق التي تفتقر إلى الخدمات المصرفية الحديثة”.
وخلص القماطي إلى أن “عملية سحب العملة يجب أن تتم ضمن استراتيجية اقتصادية واضحة، تشمل تأمين السيولة، وتوفير البدائل، وتمكين المواطن من ممارسة حقوقه المالية بسهولة”، محذرًا من “الاستمرار في السياسات الحالية دون مراجعة حقيقية قد يفاقم حالة التشوّه الاقتصادي ويزيد معاناة المواطن الليبي”.
وأوضح القماطي أن “مشروع “راتبك لحظي” وُضع أساسًا عام 2014 بدعم من وزارة المالية في حكومة الثني، إلا أن الانقسام السياسي حال دون تنفيذه بشكل فعلي على الأرض”. مبيناً أن “الهدف الرئيسي من المشروع هو تقليص الإنفاق العام، خاصة في بند المرتبات، ضمن ما يُعرف بالباب الأول من الميزانية العامة، الذي يضم قرابة 10 إلى 11 بندًا، وليس المرتبات فقط”.
وأشار إلى أن “آلية تنفيذ المشروع ترتكز على تحويل المستندات من المؤسسات إلى الوزارة، ومنها إلى المصرف المركزي”، مؤكداً أن “هذه الدورة لم تشهد تغييرًا جذريًا رغم إطلاق المشروع، مما أبقى التعقيدات الإدارية على حالها”.
وأوضح القماطي أن “إدارة المطابقة لا تزال تعمل تحت إشراف وزارة المالية، نظراً لأنها الجهة المسؤولة عن الإجراءات المتعلقة بالمرتبات”، مشددًا على أن “معالجة الإشكاليات من جذورها تتطلب تغييرًا في أسس العمل، لا الاكتفاء بجمع البيانات وتحويل المرتبات”.
وأكد أن “المشروع ساهم فعليًا في تقليل بعض الإجراءات الإدارية وساهم في تسهيل صرف المرتبات، لكنه يفتقر إلى مرجعية قانونية واضحة، ما يعوق اعتماده كآلية رسمية داخل الدولة”. وأضاف أن “القانون الحالي للدورة المستندية لا يتضمن “راتبك لحظي”، مما يجعله خارج الإطار المؤسسي للدولة ويضعف من فعالية الرقابة المالية والمحاسبية عليه”.
كما عبّر عن قلقه من “تغييب الدور الرقابي نتيجة غياب شفافية الإجراءات بين المؤسسات ووزارة المالية والمصرف المركزي”.
ولفت إلى أن “وزارة المالية أصبحت تشترط تمرير جميع بيانات المرتبات عبرها مباشرة، حتى بالنسبة للمؤسسات التعليمية مثل الجامعات، مما قد يعرقل صرف المرتبات في حال تأخرت الإجراءات لأي سبب”.
وشدد القماطي على “ضرورة تقنين المشروع ضمن إطار قانوني واضح، يُدرج في الدورة المستندية والمالية الرسمية للدولة، ويُتيح لجهات الرقابة كديوان المحاسبة والرقابة الإدارية ممارسة دورها الكامل”.
وأشار إلى أن “المشروع يجب أن يراعي حالات الاقتطاع القانوني من المرتبات بسبب أحكام قضائية أو غيابات أو التزامات اجتماعية، ويجب أن هيكلة آلية الصرف وفق معايير قانونية لتفادي أي اختلال في الحقوق أو العقوبات”.
واكد أن “إطلاق مشروع بهذا الحجم يتطلب تهيئة إعلامية شاملة لشرح أهدافه وتفاصيله، وليس مجرد الإعلان عنه وبدء صرف الأموال”. كما أضاف أن “جوهر المشروع لا يكمن فقط في صرف المرتب الشهري، بل في إمكانية تقسيمه على مراحل (يومية أو أسبوعية) لترشيد الاستهلاك وتحقيق استقرار نقدي، وهو ما لم يُطبق فعليًا حتى الآن، حيث لا يزال المشروع يعمل بمنظومة صرف شهرية، رغم تسميته براتبك لحظي”.
وبيّن القماطي أن “الإجراءات الأخيرة التي اتخذها المصرف المركزي، ومن بينها تخفيض الضريبة على بيع الدولار بنسبة 5%، تعتبر جزءًا من العمل الإداري اليومي للمصارف، إلا أنها، في ظل الوضع الاقتصادي الراهن، أصبحت أداة لدعم السياسة النقدية”.
لافتاً إلى أن “هذا التخفيض سيؤدي إلى انخفاض مؤقت في سعر صرف الدولار، ومن المتوقع أن يستمر ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر”، مؤكدًا أن “الأثر سيكون محدودًا ما لم تُتخذ سياسات طويلة الأجل تُعزز من تنويع الإنتاج وإعادة تنسيق السياسات المالية والنقدية”.
وفي السياق ذاته، “شدد القماطي على أن نجاح سياسات المركزي لا يمكن أن تتحقق بشكل منفرد، بل يتطلب الأمر تكاتف الجهود بين المصرف والمواطن وأجهزة الدولة، بالإضافة إلى واضعي السياسات المالية، محذرًا من غياب التكامل المؤسسي والذي سيُفقد السياسات النقدية فعاليتها، مهما كانت الإجراءات المتخذة”.
وبالحديث عن إجراءات سحب العملة، انتقد القماطي “طريقة سحب فئة الخمسين دينارًا، مشيرًا إلى أنه “تم إعلان وقف تداولها قبل 17 يومًا فقط من سحبها الفعلي، رغم أن الماكينات استمرت في صرفها حتى الثلاثين من نفس الشهر”. معتبراً أن “هذه الطريقة أضعفت ثقة المواطن في الإجراءات المصرفية، مقارنةً بتجارب دول أخرى مثل إيرلندا، التي حافظت على استقرار العملة لأكثر من 23 سنة، مما ساعد في تعزيز الثقة بين المواطن والمصرف”.
ورأي القماطي أن “فقدان الثقة بين المواطن والقطاع المصرفي باتت من أبرز التحديات”، مستذكرًا كيف أن “المواطن في فترات سابقة، رغم الأزمات والحصار، لم يلجأ إلى الاحتفاظ بالدولار بسبب ثقته في قدرة المصارف على معالجة الأزمات”.
وفي ختام حديثه، دعا الخبير الاقتصادي، مصرف ليبيا المركزي إلى “مراجعة سياساته النقدية”، مؤكدًا أن “الاستمرار في النهج الحالي لن يحقق النتائج المرجوة، ما لم يتم إعادة تقييم الأدوات النقدية بشكل جذري لتكون أكثر فعالية في معالجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد”.









