اخبار مميزةليبيا

الجارح: الدبيبة لا يستطيع أن يكون الرقم الوحيد المسيطر في طرابلس

أكد المحلل السياسي، محمد الجارح، أن الوضع في طرابلس يواجه حالة من التعقيد الكبير، مشيرًا إلى أن التصور الأمريكي خلال إدارة ترامب كان يفضل وجود طرف واحد مسيطر، لكنه أكد صعوبة العثور على موقف معلن أو رسمي من الإدارة الأمريكية في هذا الشأن.

وقال الجارح في تصريحات لتلفزيون “المسار”: “أي توجيهات أمريكية عادة ما تأتي عبر رسائل مبطنة إلى رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، دون إعلان رسمي، وهذا الأسلوب يعكس ضعف الدبيبة أمام الجهات الدولية، ويظهر له حدود نفوذه حتى داخل مناطق بسيطة مثل حي الأندلس”.

وأضاف “الدبيبة، رغم كونه يمثل الحكومة المعترف بها شرعياً، لا يستطيع أن يكون الرقم الوحيد المسيطر في طرابلس أو المنطقة الغربية ما لم يتم تعديل هذا الواقع. والتحدي الأكبر بالنسبة له لا يكمن في الولايات المتحدة أو الغرب أو البعثة الأممية، بل في تركيا، حيث يسعى الدبيبة لإقناع أنقرة بأن أي صراع في طرابلس لن يضر مصالحها، سواء فازت الحكومة الحالية أو المعارضة”.

وتابع “هناك مؤشرات على وصول الأتراك إلى مرحلة من الهدوء والثقة بأن أي تطورات في طرابلس لن تؤثر جذريًا على تواجدهم أو مصالحهم، مما قد يتيح للدبيبة تنفيذ خطوات حاسمة لمحاولة إنهاء أي معارضة له في العاصمة وهناك جهود تركية لمحاولة إشراك فتحي باشاغا في المشهد السياسي، بما قد يمنحه دورًا أساسياً في أي تسويات قادمة، في خطوة تهدف إلى إعادة رسم الوضع الأمني والعسكري في طرابلس”.

وشدد على أهمية موقف القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، معتبرًا أنه عنصر مؤثر على التوازنات الداخلية، ويشكل ضغطًا على الأطراف التركية والغربية، مشيرًا إلى أن أي تحرك عسكري جديد قد يواجه تدخلًا مباشرًا إذا تأخر حسم النزاع، قائلا: “الوضع القائم في طرابلس يمثل التحدي الرئيسي لأي محاولات لتوحيد أو تقسيم ليبيا، وأي تحليل عميق أو قراءة إضافية للوضع لا يغير الواقع الراهن”.

واستطرد “أي جهة ترغب في المشاركة في الحلول أو الاتفاقات، يجب أن تتعامل مع الجهة المسيطرة، سواء من خلال الانخراط في صراع أو الدخول في اتفاقات. والوضع الحالي في طرابلس لا يسمح بحسم الأمور بسبب تعدد التدخلات، سواء من البعثة الأممية التي تحاول احتواء الوضع ومنع انفجار الأوضاع، أو من دول مثل تركيا التي تسعى للحفاظ على الوضع القائم، بالإضافة إلى أطراف أخرى تعمل على منع انزلاق البلاد نحو مواجهات مسلحة غير محسومة النتائج”.

واستكمل “الحلول المطروحة في بعض الأحيان من قبل الليبيين أو الأمم المتحدة تبقى رومانسية، فحماية المدنيين وحدها لا تكفي لأن الجهات الفاعلة على الأرض لا تمتلك أدوات الردع أو التأثير لتغيير الواقع واستمرار الوضع الحالي المشتت والمنقسم لا يصب في مصلحة الليبيين، ويجب حسم السيطرة على طرابلس، سواء عبر الطرق السلمية أو المسلحة، لضمان أن يكون هناك طرف واحد قادر على إدارة المدينة وتحقيق الاستقرار فيها”.

وتطرق الجارح إلى مسألة تهميش المؤسسات السياسية، مؤكداً أن هذه المؤسسات والسياسيين همشوا أنفسهم، وذكر مثالاً من مشاركته في المؤتمر السنوي للمجلس الوطني للعلاقات الأمريكية الليبية، حيث حضر نائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني، ورئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، وتحدثا كأنهما مواطنان لا يمتلكان شيئاً من أمرهما، ما أثار تساؤلاته حول جدوى الاعتراف بهذه الأطراف والتعامل معها، خاصةً أمام المجتمع الدولي والبعثة الأممية، مؤكداً أن هذه الأطراف لا تملك أدوات حماية نفسها على الأرض ولا القدرة على اتخاذ القرارات بشكل فعلي.

ولفت الجارح إلى أن الواقع الليبي الحالي استثنائي وغير مثالي، وأنه يتطلب قبول هذا الواقع والتعامل معه بحذر، سواء من الليبيين أنفسهم أو من المجتمع الدولي، مضيفاً أن هذا الواقع الاستثنائي يفرض تردداً واضحاً في القبول بالحلول المطروحة.

من جهة ثانية أشار الجارح إلى أن البعثة الأممية تواجه مشاكل هيكلية واضحة تجعل دورها محدودًا، إذ يتركز عملها غالبًا على إدارة الأزمات وليس حلها جذريًا. مبيناً أن هذه الإشكاليات مرتبطة بتفويض البعثة، وبمصالح بعض العاملين داخلها الذين يمكن تشبيههم بـ “الطبقة العميقة”، ما يؤدي إلى تحرك البعثة غالبًا عند تفاقم الأزمة، مثل ما حدث في طرابلس، وطالما كان الوضع مستقرًا نسبياً، كانت البعثة غير نشطة، وعندما يتصاعد التوتر في طرابلس تتدخل فقط لإدارة التصعيد ومنع اتساعه، وليس لإحداث تغيير سياسي أو أمني جذري.

وبيّن الجارح أن الجهود الأممية غالبًا ما تكون رمزية أو احتوائية، وليست موجهة نحو حل جذري، كما حدث في الصخيرات و2021 تحت تأثير دول مثل الولايات المتحدة، وألمانيا، حين كان هناك دور فعال لمبعوثيها في جمع الأطراف الليبية وإحراز تقدم ملموس. بينما في الوقت الحالي تفتقر البعثة إلى القدرة على التأثير، سواء بسبب غياب الإرادة الدولية الموحدة، أو عدم استعداد بعض الدول الإقليمية مثل السعودية للانخراط بفاعلية.

وأضاف الجارح، أن النتائج المحتملة لعمل البعثة اليوم محدودة جدًا، ولن تؤدي إلا إلى احتواء الأزمة، وليس تحقيق تغييرات جوهرية، وهو ما يجعل المشهد الليبي هشًا ومعرضًا لتصعيد أوسع إذا لم تتدخل أطراف دولية ذات تأثير حقيقي على الأرض.

وأشار إلى جدلية تهميش المجالس السياسية القائمة، موضحاً أن المسار الجاري لإنهاء المرحلة الانتقالية عبر تشكيل مجلس تأسيسي جديد وأخذ أدوار المجالس القائمة الحالية، هو “السبيل الأقصر لإنهاء المرحلة الانتخابية”، رغم المناخ المحلي المليء بالتشابك في السلطات بين هذه المجالس.

وأوضح الجارح أن المادة 64 من الاتفاقيات السابقة، موضحاً أن هناك جدلاً كبيراً حول تطبيقها مقارنة بما حدث بعد اتفاق الصخيرات، مؤكداً أن البعثة الأممية تعهدت باطلاع مجلس الأمن كل شهرين على التقدم المحرز في تنفيذ هذا المسار، مشيراً إلى أن الأسابيع المقبلة ستشهد عملاً كبيراً ومعقداً من المجلسين لإصلاح الخلل القائم.

وعن فرص نجاح المسار، اعتبر الجارح أن الواقع قد يفرض نفسه باتفاق ربما يحدده السياسيون المحليون، مشيراً إلى أن دور البعثة الأممية قد أصبح هامشيًا مقارنة بما كان متوقعاً، وأن تصريحاتها حول كون المسار أقصر الطرق لإنهاء الحالة الانتقالية “جميلة لكنها غير واقعية”، على حد تعبيره. وأضاف: “العمل الذي تديره البعثة والنظريات والأطر التي تستخدمها جميعها مبادئ جميلة، لكنها بعيدة كل البعد عن واقع ليبيا، الذي يحتاج إلى أدوات استثنائية نظراً لكونه غير طبيعي”. داعياً إلى ضرورة التعامل مع الواقع الاستثنائي في البلاد بواقعية بدل الانغماس في النظريات غير المتصلة بالواقع..

وأوضح الجارح أن دور البعثة الأممية والأجسام السياسية في الوقت الحالي يقتصر على منح الشرعية للاتفاقات التي تتوصل إليها الأطراف الفاعلة على الأرض، حتى يظهر مؤشر على دعم قوة دولية للبعثة. وأضاف أن المبادرة الأممية الحالية، بقيادة هانا تيتيه، تبدو أقرب إلى مصير مبادرة باتيلي السابقة، مؤكداً أن السياسة لا تعرف مفهوم “الفرصة الأخيرة”، وأن البعثة ستستمر في محاولة أداء دورها واغتنام أي نافذة متاحة لتحقيق أهدافها.

واعتبر أن المعادلة السياسية المطروحة حاليًا في الغرب الليبي ما زالت تثير تساؤلات كبيرة حول الجهة التي تمتلك القوة الفعلية في المنطقة، خاصة في ظل تصريحات متباينة وتصريحات يبدو أنها تهدف لخلق شرعية أمر واقع.

وبين أن التشكيك في قدرة البعثة على تنفيذ أي خطوات فعلية أصبح عادة متكررة لدى المحللين والصحفيين، مستذكرًا تجارب سابقة في 2017، عندما تم الإعلان عن خطط لم تُنفذ على أرض الواقع. لكنه شدد على أن توقيت البيان الصادر مؤخرًا يعتبر مهمًا، ويستحق الوقوف عنده، خاصة في ظل المعادلة التي تشير إلى سيطرة عائلة واحدة على الغرب الليبي.

وأبان الجارح أن السؤال الأساسي ليس حول اتفاق أو عدم اتفاق، وإنما حول من يمتلك القوة فعليًا، مشيرًا إلى أن الدبيبة يسعى لأن يكون الطرف الحاكم الفعلي أمنيًا وسياسيًا وعسكريًا في مناطق الغرب، بما في ذلك طرابلس.

ورأى الجارح أن ما يحاول الدبيبة القيام به يشبه ما حدث في مرحلة 2014 إلى 2016 في بنغازي، حين كان هناك معارضون لعملية الكرامة، لكنها تحولت لاحقًا إلى مشروع سياسي قائم على جميع المستويات، وأصبح العالم يتعامل معه على أرض الواقع. مؤكداً أن محاولات الدبيبة لتكرار هذا النموذج في الغرب الليبي ليس بالأمر السهل، خاصة وأنه يفتقر إلى حاضنة شعبية كبيرة، وأن التوتر الحالي في العاصمة لا علاقة له مباشرة بهذا الملف.

وقال إن رفض بعض التيارات السياسية في المنطقة الغربية للفكرة المطروحة مؤخراً يعكس عمق الانقسامات على الأرض، مشيراً إلى أن بيان البعث الأممي الأخير حول العرقلة يبدو موجهًا بشكل أساسي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية.

وأوضح الجارح أن الأحداث التي أعقبت إحاطة “تيتيه” واستهداف بوابة البعثة الأممية في جنزور، وتصاعد المظاهرات والبيانات المنددة، كلها تشير إلى رسالة واضحة من الأطراف المعنية، مفادها أن وجودهم على الأرض وواقعهم الراهن لا يمكن تجاوزه، حتى مع اللجوء للتهديد بالعنف والحرب. وأضاف أن هذه التهديدات تمثل جزءًا من أدوات التأثير التي يستخدمها هؤلاء لضمان فرض مصالحهم على الواقع.

وفي ختام حديثه أكد الجارح أن البعثة الأممية لن تستطيع تحقيق نجاح ملموس ما لم تحظ بالدعم الكافي والقوة اللازمة من الخارج، بما يمكنها من إعادة هيكلة المصالح على الأرض، وتغيير موازين القوى التي تؤدي إلى العرقلة. وأوضح أن غياب أدوات الردع والتأثير يعكس تقاعس مجلس الأمن، الذي لم يصدر بيانًا أو قرارًا قويًا حتى الآن، ما يجعل من المهمة أمام البعثة أكثر تعقيدًا ويبرز الحاجة إلى تدخل دولي فعال لدعم جهودها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى