ددش: نجاح إجراءات “المركزي” مرهون بخطة شاملة لإعادة الهيكلة والرقابة

اعتبر الخبير المصرفي فوزي ددش أن قرار مصرف ليبيا المركزي بسحب فئات العملة من التداول، وعلى رأسها فئات العشرين، والخمسة دينار، يمثل خطوة جريئة في الاتجاه الصحيح تهدف إلى كبح جماح السوق الموازي، والحد من الاكتناز النقدي الذي فاقم أزمة السيولة وأضر بالاقتصاد الوطني.
وقال ددش في تصريحات لقناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة24، إن هذه العملية، التي انتهت في نهاية سبتمبر الماضي، تشكل ثورة جديدة ضد الاكتناز وتضخم الأرصدة النقدية خارج الجهاز المصرفي، لكنها – بحسب تعبيره – لن تحقق أهدافها بالكامل ما لم تُتبع بخطوات داعمة، على رأسها ضخ سيولة معادلة داخل القطاع المصرفي وتفعيل الرقابة المشددة على كيفية إدارتها.
وأشار إلى أن أزمة الثقة بين المواطنين والمصارف ما تزال عميقة، خاصة مع شكاوى المواطنين من صعوبة الحصول على مرتباتهم البسيطة، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع قد يعيد تنشيط السوق الموازي، الذي وصفه بأنه سوق “هش” وغير مستقر، تحركه قرارات البنك المركزي أكثر من كونه يعكس طلبًا فعليًا على النقد الأجنبي.
وشدد الخبير المصرفي، على أن السوق الموازي في ليبيا لا يستند إلى احتياجات حقيقية من السلع والخدمات، بل تغذيه المضاربة والاحتكار وتدوير السيولة خارج الإطار المصرفي الرسمي، مبينا أن هذا السوق تحكمه أرصدة ضخمة بيد المضاربين وكبار التجار الذين استفادوا سابقًا من الاعتمادات والتحويلات الخارجية، دون رقابة فعلية أو ضوابط صارمة، بحسب قوله.
وطالب بسياسات نقدية ومالية وتجارية متناسقة، تقوم على ضبط سوق العملة، ومراقبة عمليات الاستيراد والاعتمادات، مؤكدًا أن حجم السيولة المتداولة خارج النظام المصرفي – والتي قدرها بأكثر من 70 مليار دينار – لا تزال تشكل تهديدًا للاستقرار الاقتصادي.
كما شدد على ضرورة إعادة هيكلة الجهاز المصرفي وفرض رقابة فعالة على مسؤوليه، لضمان عدم تسرب السيولة مرة أخرى إلى السوق الموازي، إضافة إلى تدقيق آليات صرف النقد الأجنبي والاعتمادات المستندية، والتي قال إنها تُستخدم أحيانًا لتمويل نشاطات غير منتجة، وتذهب إلى مستفيدين في الخارج.
ودعا ددش، إلى تنسيق عاجل بين المصرف المركزي ووزارات الاقتصاد والعمل والمالية، لوضع حزمة إصلاحات عاجلة، تشمل تنظيم سوق العمل، وضبط دخول العمالة الأجنبية، ومكافحة تحويل النقد الأجنبي بطرق غير مشروعة.
وفي السياق ذاته، قال: “إذا لم تُتخذ خطوات عملية جادة، فإن السوق الموازي سيعود أقوى مما كان، وسيستمر في التأثير سلبًا على الأسعار والاستقرار النقدي والاجتماعي في البلاد”.
وحذر ددش من أن عدم استكمال الإجراءات الحالية التي ينفذها مصرف ليبيا المركزي بخطوات واقعية وفعالة قد يؤدي إلى عودة السوق الموازي بوتيرة أقوى مما كان عليه سابقًا، مشددًا على أن السوق الموازي لا يزال يُمثل ملاذًا آمنًا للأرصدة النقدية الضخمة بفعل ضعف الثقة بالقطاع المصرفي الرسمي وغياب الرقابة الفعلية على التحويلات والاعتمادات.
وقطع بأن قرار سحب الفئات النقدية الكبيرة من التداول – وعلى أهميتها – لن ينجح بمفرده في معالجة الأزمة، ما لم يترافق مع خطة شاملة تتضمن إعادة هيكلة الجهاز المصرفي، وتفعيل أدوات الرقابة المصرفية، وضخ سيولة حقيقية لتلبية احتياجات المواطنين، خصوصًا أصحاب الدخل المحدود.
وأشار إلى أن الخطر الأكبر يكمن في أن الأرصدة الضخمة التي تم سحبها قد لا تعود إلى المصارف، بل تُعاد تدويرها في شراء الذهب أو العملات الأجنبية أو تُخزّن نقدًا، مما يعيد نفس الحلقة السابقة من الاكتناز ويُبقي السوق الموازي نشطًا.
ورأى أن هذه التخوفات تُعززها أزمة الثقة الحادة بين المواطن والمؤسسات المالية، وقال: “من يضمن أن الأموال ستعود للمصارف؟ نحن بحاجة إلى إجراءات تمنع الاكتناز وتعيد الثقة تدريجيًا، مثل فرض حدود للسحب، ومتابعة حركة الأموال، والتدقيق في مصادرها ومصارفها”.
إلى ذلك، رحب ددش بمقترح المصرف المركزي بوضع سقف للسحب الشهري “10 آلاف دينار”، معتبرًا أن هذا الإجراء يساعد المواطن البسيط، لكنه لا يكفي لضبط الكتلة النقدية ما لم يُفرض على أصحاب الأرصدة الكبيرة والمتورطين سابقًا في المضاربة.
وأكد أن ما يجري في السوق ليس مجرد خلل نقدي، بل هو نتاج فوضى اقتصادية وتداخل سياسات مالية وتجارية بدون تنسيق فعّال، مؤكدًا أن علاج المشكلة يتطلب جملة خطوات هي: ضبط الاعتمادات المستندية وتحديد أولويات الاستيراد، منع تهريب النقد الأجنبي من خلال شركات وهمية أو غير خاضعة للرقابة، فرض رقابة مشددة على العمالة الوافدة التي تستهلك النقد الأجنبي وتُحوّله خارج النظام الرسمي، بجانب تحسين كفاءة السياسة النقدية وتفعيل أدوات البنك المركزي الرقابية، مشددا على أن السوق الموازي يتغذى من هذه الثغرات.
ووفقا لفوزي ددش فإن الإجراءات النقدية الأخيرة التي أعلن عنها مصرف ليبيا المركزي، وعلى الرغم من أهميتها، لم تنجح بعد في تخفيف الضغط على المستهلكين، بسبب استمرار التجار في تسعير السلع والخدمات وفق أسعار السوق الموازي، لا القنوات الرسمية.
وأوضح أن النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي إضعاف القدرة الشرائية للمواطن، الذي لم يعد قادرًا على اقتناء حتى السلع الأساسية. داعيا إلى ضرورة إعادة النظر في هيكل المرتبات للعاملين بالدولة، بما يحقق توازنًا بين الطلب والعرض، ويخفف من حدة التضخم، إضافة إلى تعزيز دور الأجهزة الرقابية لضبط السوق والأسعار.
كما شدد على أهمية تدخل مؤسسات الدولة لفرض ضوابط واضحة على التسعير، ومنع الاحتكار، ومعاقبة التجار المتلاعبين بالسوق الموازي، معتبراً أن ترك الحبل على الغارب لهؤلاء هو ما عمّق الأزمة وزاد من معاناة المواطن.









