معيوف: حكومة الدبيبة لم تكن “وحدة وطنية” ولم تبسط سلطتها خارج طرابلس

أكد المحلل السياسي أحمد معيوف، أن الاجتماعات الجارية بين لجنتي المناصب السيادية في مجلسي النواب والأعلى للدولة لا تزال متواصلة، دون الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بفحوى المشاورات أو مخرجاتها.
وقال معيوف في تصريح لقناة الوسط، إن “هذا الغياب في التفاصيل يثير تساؤلات حول طبيعة هذه اللقاءات، وما إذا كانت تمهيدًا فعليًا لتنفيذ الخطة الأممية، أم مجرد محاولة لتسجيل موقف سياسي تحت ضغوط خارجية”.
وأوضح أن “المسار ليس بتلك البساطة”، لافتًا إلى وجود مؤشرات على قدر من الجدية في عمل اللجنتين، خاصة مع بدء لجنة مجلس الدولة برفع تقرير إلى مجلسها سيُناقش في جلسة مرتقبة، ما يعكس وجود حراك مؤسسي مبدئي، وإن ظل محاطًا بالحذر والغموض.
وشدد معيوف على أن التحفظ في إعلان ما يتم التوصل إليه لا يعكس بالضرورة غموضًا متعمدًا أو رغبة في إخفاء النتائج، بل يُعزى إلى ضرورة الرجوع إلى المؤسسات الرسمية داخل كلا المجلسين قبل إعلان أي مواقف نهائية، حفاظًا على الشكل القانوني والسياسي للمداولات.
وبيّن أن إعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات تُعد النقطة الجوهرية الأولى في المفاوضات، وهي التي تمثل أولى خطوات تنفيذ الخطة الأممية، مؤكدًا وجود تباين في وجهات النظر بين من يرى أهمية الإبقاء على التشكيلة الحالية للمفوضية مع إدخال تحسينات محدودة عليها، وبين من يطالب بإعادة تشكيلها بالكامل، وهو ما قد يواجه برفض داخل كلا المجلسين.
وأشار معيوف إلى أن النقطة الثانية، والمتمثلة في تعديل القوانين الانتخابية، ستكون أكثر تعقيدًا، نظرًا لما تتضمنه من إشكاليات قانونية وسياسية، الأمر الذي قد يؤدي إلى مزيد من العثرات أمام الوصول إلى توافق شامل حول القاعدة الدستورية اللازمة لإجراء الانتخابات.
واعتبر معيوف أن طرح ملف المناصب السيادية في الوقت الراهن لا يحمل أي دلالة عملية، ويفتقر إلى المعنى في ظل غياب الدولة واستمرار حالة الانقسام السياسي والأمني.
مشيراً إلى أن ليبيا تعيش اليوم فوضى أمنية وانقسامات سياسية، إلى جانب غياب قاعدة دستورية واضحة، يجعل من الحديث عن المناصب السيادية أمرًا غير ذي جدوى، لافتًا إلى أن الدولة ما تزال في طور “إعادة التكوين”، ولا يمكن التعامل مع هذا الملف إلا في سياق مؤسساتي مستقر.
وأضاف أن ربط هذا الملف بالاستحقاقات الانتخابية المقبلة يثير تساؤلات حول نوايا الأطراف المعنية، مبيناً أن إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات – التي تُعد الخطوة الأولى ضمن خارطة الطريق الأممية – تمثل الملف الأكثر أهمية في هذه المرحلة، في حين أن المناصب السيادية “لا دور فعليًا لها في العملية الانتخابية، ولا موقع لها في سياقها الحالي”.
وأكد معيوف أن بعض الشخصيات المنخرطة في لجنتي الحوار من المجلسين لا تبعث على التفاؤل، إلا أنه لم يستبعد وجود ضغوط دولية دفعت نحو فتح هذا الملف ضمن إطار تنفيذ الخطة الأممية، مشيرًا إلى أن التهدئة الأمنية الأخيرة في طرابلس، التي تمت بضمانات دولية، تُعد جزءًا من هذه الضغوط، وتسهم – بشكل نسبي – في تهيئة الظروف لمناقشة ملفات حساسة مثل المفوضية والانتخابات.
ورأى معيوف أنه “رغم حالة الشك وعدم وضوح النوايا، لا يوجد أمام الليبيين خيار آخر سوى المضي قدمًا في تنفيذ الإجراءات الحالية، باعتبارها المسار الوحيد المتاح للوصول إلى الانتخابات”، معتبرًا أن القوانين الانتخابية تمثل اليوم العائق الأكبر أمام تقدم العملية السياسية في ليبيا، نظرًا لما تحمله من اختلالات جوهرية وخلافات عميقة بين الأطراف الفاعلة.
وتابع: الخلاف حول هذه القوانين لا ينحصر فقط في مضمونها، بل في النية السياسية الكامنة خلفها، معتبرًا أن هناك فريقًا يسعى لصياغة قوانين تضمن بقاء شخصيات بعينها في المشهد السياسي، بينما يقف فريق آخر في الاتجاه المعاكس، ما يجعل الوصول إلى توافق شبه مستحيل.
وأشار إلى وجود مفارقة قانونية خطيرة بين شروط الترشح للنيابة والرئاسة، موضحًا أن القوانين تمنع مزدوجي الجنسية والعسكريين من الترشح للنيابة، لكنها لا تطبق نفس القواعد على مرشحي الرئاسة، رغم أن المنصب الرئاسي أكثر حساسية وأهمية. وأضاف: “إذا كان النائب، وهو أقل أهمية سياسيًا، يخضع لمعايير صارمة، فكيف لا تُطبق على الرئيس؟ هذه مفارقة تُعقّد المشهد وتثير الجدل القانوني والسياسي”.
وشدد معيوف على أن الحل لهذه الإشكاليات لا يمكن أن يكون سياسيًا فقط، بل يجب أن يُعرض على استفتاء شعبي ليحسم الجدل ويضمن أن تكون القوانين انعكاسًا حقيقيًا لإرادة الشعب الليبي، لا مجرد نتاج لتوازنات القوى بين الأطراف المتصارعة.
وفي سياق متصل، تناول معيوف مسألة تشكيل حكومة موحدة، معتبرًا أن التجارب السابقة – سواء حكومة الوفاق أو حكومة الوحدة الوطنية – لم تنجح في بسط سيطرتها على كامل الأراضي الليبية، بسبب رفض أطراف في الشرق الاعتراف بشرعيتها.
وانتقد معيوف أداء حكومة الدبيبة التي تسُمى “حكومة وحدة وطنية”، مؤكداً بأنها لم تكن كذلك فعليًا، إذ لم تفرض سلطتها خارج طرابلس، ولم تتمكن من إدارة مؤسسات الدولة على نحو موحد، مشيرًا إلى أن أي حكومة جديدة لن تتمكن من إدارة البلاد بفعالية ما لم تكن القوات العسكرية والأمنية خاضعة للسلطة المدنية بشكل كامل.
وحذر معيوف من أن استمرار الانقسام الأمني والمؤسسي سيؤدي إلى إجهاض أي مساعٍ لتوحيد المؤسسات أو إجراء انتخابات نزيهة وشاملة، مؤكدًا أن تجاوز هذه الأزمات يتطلب تنازلات حقيقية من الشخصيات المتنفذة، التي وصفها بأنها “العقبة الأساسية أمام أي تسوية سياسية مقبلة”.









