البرغوثي: الرسوم المرتفعة على الخدمات المصرفية تقوّض فعالية الدفع الإلكتروني
اعتبر محمد البرغوثي أستاذ الاقتصاد السياسي، أن السياسات والإجراءات الأخيرة التي اتخذها مصرف ليبيا المركزي تعكس خللاً واضحًا في ترتيب الأولويات، مشيرًا إلى أن التركيز المفرط على توفير السيولة النقدية لا يُعد حلاً جذريًا للأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
وقال البرغوثي في مداخلة على تلفزيون «المسار» رصدتها «الساعة 24»: “المشكلة الحقيقية ليست في نقص السيولة، بل في عزوف المواطنين عن استخدام أدوات الدفع الإلكتروني، وتقاعس المؤسسات المصرفية والخدمية عن توفير بيئة ملائمة لهذه البدائل، وتعزيز ثقافة الكاش قد تؤدي إلى تعميق الأزمة النقدية على المدى البعيد، رغم أنه قد يبدو حلاً عمليًا على المدى القصير”.
ورأى أن الإجراءات الأخيرة، ومن بينها تحديد سقف السحب، وفرض عمولات على السحب النقدي، تُعد مقبولة وواقعية بالنظر إلى الظروف الراهنة، لا سيما أن العمولة لم تُفرض حديثًا، بل تم تخفيضها مقارنة بما كانت عليه في السابق، وشدد على أن هذا لا يعني بالضرورة رضاء الشارع أو تقبله للقرارات، حيث عبّر كثير من المواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن استيائهم من هذه السياسات.
ونوه إلى أن المصرف المركزي أخطأ في تقديم حل عرضي لمشكلة ذات طابع هيكلي، لافتًا إلى أن نقص الكاش ليس السبب، بل هو نتيجة أزمة أعمق تتعلق بغياب البنية التحتية للدفع الإلكتروني وضعف التوعية المجتمعية، داعيا إلى إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، والتركيز على بناء منظومة دفع رقمية متكاملة، بدلاً من الاستمرار في حلول مؤقتة تزيد من الاعتماد على النقد، محذرًا من أن هذا النهج سيؤدي إلى مزيد من التورط مستقبلاً ويصعّب عملية الإصلاح الاقتصادي الشامل.
وأكد أن معالجة المشكلة تتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز مجرد ضخ الأموال في السوق، وتبدأ بتطوير النظام المصرفي، وتحديث بنيته التحتية، وتثقيف المواطنين على مزايا وفوائد الدفع الإلكتروني، مضيفا “”الانتقادات الحادة الموجهة إلى مصرف ليبيا المركزي بشأن سحب الإصدارات النقدية من فئتي (5 و20 دينارًا)، واستبدالها بأوراق جديدة من فئة 25 دينارًا، تتسم بالكثير من المبالغة، على حد وصفه، مؤكدًا في الوقت ذاته أهمية النقد البنّاء لتصحيح المسار وتحسين أداء المؤسسة النقدية”.
وأشار إلى أن سحب الفئات القديمة تم عبر المصارف التجارية وليس بشكل مباشر من قبل المصرف المركزي، نافيًا ما وصفه البعض بأنه خدعة أو مؤامرة ضد المواطن الليبي، معتبراً أن هذه العملية خضعت لضوابط قانونية وتأتي في إطار إجراءات تنظيمية لإدارة السيولة، وإن كان تنفيذها قد شابته بعض الأخطاء، حسب تعبيره.
وتابع ” هناك نقص في الشفافية من جانب المصرف المركزي في شرح أهداف هذه الخطوة للرأي العام، وكان من المفترض تقديم خطة واضحة تسبق التنفيذ، لكن هذا لا يبرر الخطاب المتشنج الذي يصل إلى حد اتهام المصرف بأنه سرق الليبيين أو ضحك عليهم”. معتبرا أن هذا النوع من الخطاب لا يساهم في البناء، بل يضر بثقة المواطنين في النظام المصرفي، وهو ما قد تكون له تبعات خطيرة على الاقتصاد الوطني”.
وردًا على الانتقادات المتعلقة بفرض العمولات على السحب النقدي من المصارف، أكد البرغوثي أن فرض عمولات ليس بالأمر الجديد، أو الخارج عن السياق العالمي، موضحا أن كل المصارف حول العالم تفرض عمولات على خدماتها، وهذا معمول به في السعودية وغيرها، وفق قوانين واضحة تحكم العلاقة بين المواطن والمصرف.
وأشار إلى أن النقد يجب أن يكون موجهاً نحو تحسين أداء المصرف المركزي، لا إلى شيطنته أو التشكيك الكامل في نواياه، لافتًا إلى أن الهجوم المستمر يفتح الباب أمام التشويش والتصيد، وهو ما لا يخدم إلا من يسعى لتقويض الثقة في مؤسسات الدولة، داعيا إدارة المصرف المركزي إلى ضرورة إعادة ترتيب أولوياتها والتواصل بشفافية مع المواطن، مؤكدًا أن إصلاح السياسات يتطلب تفهمًا مشتركًا بين الدولة والمواطن، وليس فقط تحميل طرف واحد كل أوجه القصور.
وأردف “الأزمة المالية في ليبيا تتجاوز حدود السياسة والاقتصاد، وتمتد إلى أزمة نقدية ومصرفية بحتة، ويتحمل مصرف ليبيا المركزي المسؤولية الأساسية في هذا الملف، خاصة ما يتعلق بتوفير السيولة وضمان سلاسة صرف الرواتب، باعتباره الجهة المشرفة على السياسة النقدية في البلاد”.
وشدد على أن توفير الراتب الشهري حق قانوني للمواطن، ولا يجوز لأي مصرف تجاري أن يشترط نوع السحب سواء كان نقدًا أو عن طريق حوالات إلكترونية، متسائلاً: “كيف يُطلب من المواطن أن يأتي بكاش أو يرفض تحويل إلكتروني، بينما الأموال مودعة في حسابه؟”.
وأوضح أن النقد ليست مجرد أزمة سيولة، بل تتعلق بمنظومة نقدية كاملة تحتاج إلى مراجعة جذرية، مشيرًا إلى أن السياسات النقدية المتبعة يجب أن تُنتقد، ولكن بعقلانية ومنهجية تؤدي إلى نتيجة، وليس بردود فعل عاطفية لا تغير الواقع، مبينا أن الخطة الحالية لا ترقى لمستوى التطلعات، قائلاً: “إذا كانت الخطة التجارية أو النقدية المرتبطة بالسيولة ارتجالية وتفتقر إلى رؤية واضحة، فإن مصيرها الفشل، لا سيما في ظل توقعات بارتفاع سعر الدولار إلى 9 أو 10 دنانير واختفاء الكاش”.
وشدد على أن رفض الخطة بالكامل فيه تجنٍ واضح، مشيرًا إلى أن الخطة تحتاج تطويرًا وتعديلًا، وليس رفضًا مطلقًا، موضحاً بالقول: “إذا كانت الخطة فعلاً تحتوي على نقاط إيجابية ونقاط أخرى تحتاج إلى تحسين، فأنا أؤيد هذا الطرح، أما القول بأنها ستفشل تمامًا، فأنا أختلف معه بشكل كبير”.
واعتبر البرغوثي أن تقليص الاعتماد على النقد الورقي “الكاش” خطوة جوهرية، مؤكدًا على ضرورة أن يتحول مفهوم السيولة من مجرد توفير نقدي إلى سيولة إلكترونية متاحة وآمنة وسهلة الاستخدام. مشيرا إلى أن مصرف ليبيا المركزي مطالب بتسهيل وتنظيم حركة الأموال عبر القنوات الإلكترونية، داعيًا إلى تعزيز البنية التحتية للدفع الرقمي عبر التطبيقات الالكترونية، لافتًا إلى وجود مؤشرات إيجابية في هذا الاتجاه، خاصة خلال العام الأخير.
ورغم اعترافه ببعض التحسن في الدفع الإلكتروني، إلا أن البرغوثي شدد على أن الأداء في بداية تنفيذ الخطة لم يكن بالمستوى المطلوب، وتساءل عن سبب التباطؤ في تطوير الخدمات، مؤكدًا أن بعض المصارف ما زالت تعاني من ضعف في البنية التحتية، وأخرى تطلب إجراءات معقدة وغير فعالة، مؤكدا أن الانقسام السياسي في ليبيا يعد عاملاً أساسياً في تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية التي يعيشها المواطنون، مشيراً إلى أن جميع الأطراف السياسية التي ساهمت في هذا الانقسام تتحمل مسؤولية الكارثة التي وصلت إليها البلاد.
وأوضح البرغوثي أن السياسات الحالية لا ترقى إلى أن تُوصف باستراتيجية متكاملة، بل هي مجرد تكتيكات، قد تنجح على المدى القصير، لكنها غير كافية لمعالجة التشوهات العميقة في الاقتصاد الليبي، مشددا على أن المصرف مكبل ومشلول تماماً، ولا يملك من أدوات السياسة النقدية سوى التحكم في السيولة وسعر الصرف، بينما الأدوات الأخرى مثل سعر الفائدة غير مفعّلة في ظل الانقسام الإداري والمؤسساتي.
من جهة ثانية، انتقد البرغوثي بشدة أداء بعض البنوك التجارية، قائلاً إن المواطن أصبح نادماً على قراره باستخدام الخدمات الإلكترونية، نظراً للرسوم المرتفعة التي تُفرض عليه، مستشهداً بالمواطن الذي يستخدم البطاقة لسحب 1000 دينار، ويُخصم منه 10 أو 20 ديناراً، معتبراً ذلك تناقضاً كبيراً من شأنه أن يفرغ فكرة الدفع الإلكتروني من مضمونها.









