الحاجي: تشكيل حكومة قبل توحيد المؤسسات السيادية يُدخلنا في مسار انقسام

قال الكاتب والمحلل السياسي، إسلام الحاجي، إن التحرك الأخير من قبل 70 نائبًا في مجلس النواب، ومطالبتهم بتوحيد كافة المناصب السيادية والتنفيذية دفعة واحدة، يأتي في إطار محاولة لفرض حضور المجلس في المشهد السياسي، ومنع دخول أطراف أخرى على خط التفاوض، سواء كانت داخلية أو مدعومة دوليًا.
واعتبر الحاجي، في تصريحات لقناة “الوسط”، رصدتها “الساعة 24” أن توقيع هذا العدد من النواب على بيان موحد قبل يوم واحد من الجلسة المخصصة لمناقشة ملف المناصب السيادية، يشير إلى رغبة في استباق أي تحرك خارجي قد يسحب الملف من يد المجلسين، خصوصًا في ظل الضغوط الدولية المتزايدة والاحاطات الأخيرة للمبعوثة الأممية.
وأشار إلى أن التحرك البرلماني الأخير قد يكون مدفوعًا بخوف متصاعد من فقدان زمام المبادرة، خاصة بعد أن لاحت في الأفق بوادر تهديدات من قبل البعثة الأممية، باستخدام أدوات ضغط، مثل العقوبات، في حال استمرار الجمود السياسي.
ورأى الحاجي، أن التمسك بتوحيد كافة المناصب في حزمة واحدة لا يمكن اعتباره مؤشرًا إيجابيًا إلا في حال توافرت نوايا صادقة لدى الطرفين. أما في غياب هذه النوايا، فقد يتحول الأمر إلى مجرد أوراق ضغط تُستخدم في صفقات سياسية مؤقتة سرعان ما تنهار عند أول اختبار.
ولفت إلى أن الساحة السياسية في ليبيا اعتادت على الاتهامات المتبادلة بعد كل تحرك، متوقعًا أن يخرج مجلس الدولة لاحقًا ليتهم مجلس النواب بالتفرد أو تجاوز الاتفاقات، مما يعيد المشهد إلى المربع الأول، مؤكدا أن الضغط الدولي، وخاصة فيما يتعلق بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، قد يكون المحرك الأساسي وراء هذا الحراك المفاجئ، نظرًا لأن هذا البند ذُكر بوضوح في الاحاطات السابقة للمبعوثة الأممية كمقدمة ضرورية للانطلاق في المسار الانتخابي.
وحذّر الحاجي من أن هذه التحركات قد لا تخرج عن كونها ترتيبات تكتيكية تهدف فقط إلى كسب الوقت أو تمرير صفقات مؤقتة لا تعالج جوهر الأزمة، قائلاً: “ما أخشاه هو أن نعود مجددًا إلى صفقات سياسية شكلية لا تلبث أن تنهار، كما حدث في محطات سابقة”.
وأشار الحاجي إلى أن البيان الصادر عن نحو 70 نائبًا من مجلس النواب، والذي ربط بشكل واضح بين حسم المناصب السيادية وتشكيل الحكومة التنفيذية الجديدة، يُعد مؤشرًا على دخول البلاد مجددًا في دائرة المساومات السياسية، بدلاً من الانخراط الجاد في تنفيذ خارطة الطريق الأممية، التي تنص على ضرورة الشروع أولًا في توحيد المؤسسات الانتخابية واعتماد القوانين المنظمة للعملية الانتخابية.
وأوضح أن المجلسين، وبدلاً من الاتفاق على خطوات فنية واضحة مثل إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، انخرطا في مفاوضات هدفها الحقيقي تقاسم النفوذ. مؤكداً أن الملف الآن يتم التعامل معه كوسيلة مساومة لتحديد شكل الحكومة المقبلة، وهو أمر جرى تجرّيبه مرارًا في الماضي دون نتيجة”.
وحذر المحلل السياسي، من أن الإصرار على ربط المناصب السيادية بالحكومة من دون المرور عبر مرحلة التوافق على المؤسسات الفنية، من شأنه أن يعيد البلاد إلى نقطة الصفر، خاصة وأن المجتمع الدولي سبق أن أبدى موقفًا واضحًا لصالح مقاربة تدريجية تبدأ بإعادة تشكيل المفوضية، يليها حسم الإطار القانوني والدستوري، ثم في مرحلة لاحقة تشكيل حكومة موحدة قادرة على إدارة الانتخابات. معتبرا أن الذهاب إلى تشكيل الحكومة أولاً قبل توحيد المؤسسات السيادية يُدخل البلاد في مسار انقسام مكرر، تمامًا كما حدث بعد اتفاق جنيف.
وبينّ الحاجي، أن المؤسسات السيادية مثل مصرف ليبيا المركزي، ديوان المحاسبة، المحكمة العليا، مجلس القضاء، وهيئة الرقابة الإدارية، تمثل في الواقع أعمدة الدولة العميقة، وأن أي حكومة قادمة لن تنجح ما لم يتم حسم هذه المناصب بطريقة توافقية وعادلة. معتبرا أن السبب الأساسي وراء عدم التقدم في هذا الملف هو تمسك الأطراف الحالية بمراكز النفوذ التي تراكمت على مدى السنوات الماضية، قائلاً: “ما نخشاه اليوم هو أن تتحول خارطة الطريق الأممية إلى أداة للمساومة، وليس أداة لحل فعلي”.









