الباروني: إحياء الوعي الدستوري شرط أساسي لبناء دولة ليبية حديثة

اعتبر الدكتور إلياس الباروني، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، أن غياب الدستور في ليبيا منذ عام 1969 كان السبب الرئيسي للفوضى التي شهدتها البلاد، مشددًا على أن الدستور يشكّل الإطار الشامل الذي يحمي المجتمع وينظم حياته في جميع الجوانب السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.
وأوضح الباروني، في ندوة حوارية، أن الدستور هو الوعاء الذي يحتوي الجميع، ويضمن التوازن بين السلطات والقوانين، تمامًا كما يمثل القرآن الكريم دستورًا ربانيًا يتيح مجالًا واسعًا للاجتهاد بما لا يخالف الشريعة الإسلامية، قائلاً: ” القرآن الكريم أعطانا الحرية في الاجتهاد وفق البيئة والزمان والظروف، ولهذا يجب أن يكون لدينا إطار مجتمعي معاصر لا يتعارض مع قيمنا الدينية والثقافية.”
وأضاف أن فكرة الدولة في ليبيا بدأت تتشكل منذ 7 أكتوبر 1949، عندما اتفق الليبيون على وضع دستور بمساعدة خبراء دوليين وبرعاية الأمم المتحدة، وهو ما أسفر عن إعلان دستور 1951 الذي تأسست عليه الدولة الليبية الحديثة.
ووصف الباروني، ذلك الدستور بأنه “نموذج متقدم في زمانه” لأنه استلهم من تجارب دستورية متعددة وسعى إلى صياغة نص جامع يعبّر عن الأمة الليبية.
غير أنه أشار إلى أن الوعي الشعبي بأهمية دستور 1951 كان محدودًا بسبب ما سماه “التضليل الإعلامي وتشويه الحقبة السابقة”، مما ساهم في تراجع قيمته لدى الأجيال اللاحقة.
وتناول أستاذ العلوم السياسية، تجربة الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور لعام 2017، موضحًا أن الليبيين انتخبوا أعضاءها وشاركوا في صياغة مشروع دستور جديد، صوّتت عليه الهيئة في يوليو 2017، إلا أن الخلافات السياسية ورفض بعض الأطراف المشاركة في المشهد حالت دون عرضه للاستفتاء العام.
وبينّ أن تباين الرؤى والصراعات السياسية تسبب في عدم رؤية هذا المشروع للنور، داعياً إلى ضرورة تحرك الشارع الليبي لدعم هذه الهيئة ومخرجاتها.
كما تناول الدكتور إلياس آفاق التسوية الوطنية والتوافق المجتمعي، مستشهدًا بنظرية العالم الليبي الشيخ علي يحيى عمر النالوتي حول أركان “المعرفة، والتعرف، والاعتراف”، موضحا أن هذه النظرية تقوم على أن الوعي بالاختلاف الذي يؤدي إلى التعارف، ومن ثم إلى الاعتراف المتبادل، مضيفًا: “المجتمع الليبي متنوع وليس متخالفًا، وتعدد الآراء والاتجاهات هو مصدر ثراء لا انقسام”. مطالباً بالعمل على ترسيخ ثقافة التعايش السلمي ضمن إطار دستور جامع يُعترف به، و”نعترف من خلاله ببعضنا البعض”.
واختتم حديثه مؤكداً على أن المصالحة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالتنوع، وأن بناء دولة ليبية حديثة يتطلب إحياء الوعي الدستوري لدى المواطنين ليكون الدستور مرجعًا جامعًا لكل الليبيين.









