اخبار مميزةليبيا

البيباص: إنفاق المليارات على الدواء دون إدارة فعالة إهدار للمال العام

أكد مدير الإدارة العامة للرقابة على القطاعات الخدمية بديوان المحاسبة، عبد الرازق البيباص، أن الأزمة الحقيقية في ليبيا ليست نقص الموارد أو الأدوية، بل ضعف الإدارة وسوء التخطيط في جميع مناحي الحياة، بما في ذلك القطاع الصحي ونهج السياسة الدوائية.

وأشار البيباص في مداخلة على قناة “ليبيا الأحرار”، رصدتها “الساعة 24″، إلى أن ليبيا استوردت كل شيء تقريبًا إلا الإدارة، مضيفًا: “من دون إدارة سليمة، لا توجد مدخلات ولا خطة ولا برنامج، وبالتالي لا يمكن تحقيق مخرجات فعالة أو توظيف المال العام بشكل صحيح”.

وعن السياسة الدوائية، أوضح البيباص أن أهم مرتكزاتها تشمل: القائمة النمطية للأصناف الدوائية، مصادر الاستيراد، الكميات المطلوبة، الأسعار، إضافة إلى التوريد والتخزين والتوزيع. لافتاً إلى أن القائمة النمطية الحالية تضم أصنافًا كثيرة لم تواكب التطور العلمي، بينما هناك أصناف أساسية لعلاج الأورام والأطفال والمرضى غير مدرجة فيها. مشيرا إلى أن عملية التوريد تتم عبر إجراءات معقدة مثل “Special Order”، وأن الباب مفتوح لجميع الشركات دون تنظيم واضح، ما يؤدي إلى ضعف السيطرة على الجودة والكميات المطلوبة.

وفيما يخص لجان العطاء، بينّ البيباص، أن العطاء العام الحالي تم تشكيله في 2016، وجرى تفعيله في 2019، وبدأ تنفيذه في 2023، لكن الكميات المحددة للأدوية كانت تقديرية وليست مبنية على احتياجات فعلية. وأضاف أن بعض الشركات لم تعد تصنع الأدوية المدرجة في العطاء، ما يزيد تعقيد العملية.

وتطرق البيباص، إلى دور اللجنة الفنية التي شكلت بقرار من الحكومة السابقة في سبتمبر 2022، مشيرًا إلى أنها كان من المفترض أن تعيد مراجعة العطاء العام الذي بدأ في 2019، لكنه توقف بسبب مشكلات تنظيمية. وأن اللجنة الفنية قامت بدراسة الوضع وتعديل بعض المصادر، لكنها جاءت كمعالجة وقتية لمشكلات قائمة، وليس لحل جذري.

ونوه مدير الإدارة العامة للرقابة، إلى تعدد الجهات المسؤولة عن استيراد الدواء وتحديد الاحتياجات، حيث توجد هيئة تعد الاحتياجات ولديها حق التوريد، ومراكز أخرى مثل مركز مكافحة الأمراض، ما أدى إلى غياب منظومة واضحة لتحميل المسؤوليات. وقال: “من العيب ألا يكون لدينا احتياج حقيقي مبني على خطة علاجية، فالمرضى يعانون ويضطرون للسفر لمسافات طويلة للحصول على أصناف ضرورية، بينما الجهات المسؤولة عن التوريد تتداخل أدوارها ولا يوجد تنسيق واضح”.

وبينّ البيباص، أن هناك إشكالية إدارية واضحة في وزارة الصحة، مشيراً إلى أن الوزارة لم تعد قادرة على تحمل مسؤولية بعض الملفات المتعلقة بالأدوية التخصصية، خاصة تلك التي ترتفع أسعارها ويحتاجها عدد محدود من المرضى.

وتابع: هناك منظومات قائمة حالياً لمتابعة هذه الأدوية، وقد ساهم ديوان المحاسبة في تصميم وحصر البيانات الخاصة بها، ومن ثم تم تسليمها للوزارة، إلا أن مشكلة التوريد ما زالت قائمة. وأشار إلى أن هناك نحو “5,600” مريض في قسم الكلى ينتظرون هذه الأدوية، مما يعكس حجم الإشكالية القائمة. مبينا أن التوريد يتم حالياً عبر جهاز الإمداد الطبي الذي ينفذ سياسات وزارة الصحة، لكنه يواجه صعوبات في تلبية الاحتياجات بشكل كامل، خصوصاً بعد وجود تعارض في التنسيق بين الجهاز ومركز مكافحة الأمراض فيما يخص العطاءات الخاصة ببعض الأصناف.

وشرح البيباص هذا التعقيد بقوله: جهاز الإمداد كان يوفر الاحتياجات بشكل مباشر لمركز مكافحة الأمراض خلال فترة رئاسة الوزارة، لكن مع الازدواجية الحاصلة في الاستلام والتنفيذ بين الجهاز والمركز، ظهرت المشاكل التنظيمية في تلبية الطلبات.

وشدد المسؤول بديوان المحاسبة، على ضرورة أن يظل جهاز الإمداد الطبي هو الجهة المنفذة، حيث يقتصر دوره على التخزين والتوزيع وفق الاحتياجات المحددة من الجهات المختلفة، دون أن يتحول إلى جهة تقرر الاحتياجات أو الأسعار، لضمان تنفيذ السياسات الصحية بشكل فعال ودون تضارب.

وأشار إلى أن العطاء العام لم يتوقف حتى الآن، وأن هناك أوامر شراء قائمة في بعض التوريدات، رغم بعض التحديات اللوجستية في مصر وليبيا. وأوضح أن الحديث عن توقف العطاء العام غير صحيح، مؤكداً أن هناك استمراراً في تلبية الاحتياجات، رغم أن القائمة الحالية لا تعكس سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الحقيقية للأدوية.

وأردف: أن الإشكالية الرئيسية تكمن في السياسة الدوائية القائمة على أساس القائمة النمطية القديمة، مؤكداً أن الديوان لم يوقف العطاء العام، بل شارك في تقييم السياسات وتحديد أوجه القصور وخاطب الجهات المعنية لمعالجتها. مبيناً أن العطاء العام يوفر حوالي 60% من الأصناف المطلوبة، وأن الديوان يسعى لتسهيل الإجراءات وضمان وصول الأدوية ضمن المخصص المالي للمداد الدوائي، والذي يصل إلى نحو 4 مليارات دينار، مشيراً إلى أن جزءاً من هذا المبلغ (حوالي 1.7 مليار دينار) صرف لسداد ديون قديمة للشركات.

وأكد البيباص، أن استمرار العطاء العام وتطوير السياسات الدوائية يتطلب تكاتف جميع الجهات، مع الالتزام بالشفافية والكفاءة لضمان الحفاظ على المال العام وتلبية الاحتياجات الفعلية للمرضى. لافتا إلى أن غياب بعض الأطراف المعنية بالقرار الطبي والإداري أسهم بشكل كبير في تأخر اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير الأدوية والخدمات الطبية للمواطنين. وأوضح أن إدارة الصيدلة، ووزارة الصحة، ولجنة العطاء العام، كان من المفترض أن تكون جميعها حاضرة لتفعيل القرارات بشكل فعّال.

واعتبر البيباص، أن ضعف الإرادة كان أحد أبرز العوائق، قائلاً إن غياب الإرادة أدى إلى عدم استفادتنا من أخطائنا، بينما العالم الآخر يستفيد من أخطائه. وأضاف أن إرسال المرضى إلى الخارج للحصول على الأدوية الضرورية يعد أمراً كارثياً، خاصة في ظل توقف بعض الأجهزة الإشعاعية الخاصة بعلاج الأورام نتيجة نقص التمويل، ما يؤدي إلى قوائم انتظار طويلة وتأخير العلاج.

ورأى البيباص، أن الوضع الصحي في ليبيا، وبخاصة فيما يتعلق بالسياسة الدوائية، لم يشهد تحسناً خلال السنوات الأربع الماضية، بل ازدادت التحديات سوءاً. مشيرا إلى أن استمرار السياسات الحالية لن يحقق أي فرق، حتى لو تم صرف مئات المليارات أو مضت مئة سنة، بسبب غياب إرادة حقيقية لتحديث الاستراتيجية الخاصة بالإمداد الدوائي.

واقترح البيباص، ضرورة إقامة شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، مؤكداً أن الدولة لا تستطيع وحدها إنتاج ومراقبة وتوزيع الأدوية، وأن القطاع الخاص هو من ينفذ هذه العمليات، ويجب أن يكون جزءاً من منظومة واضحة لتحسين جودة الخدمة الصحية. وقال: “لو تمكنا من تأسيس هذه الشراكة، ستكون البيئة جاهزة لتطبيق التأمين الصحي الشامل، حيث يمكن لكل مريض الحصول على العلاج بجودة عالية.”

كما انتقد إدارة الدولة للميزانية الصحية، مشيراً إلى أن الإنفاق يتم بشكل غير متوازن، حيث تُعطى الأولوية للفعاليات الدبلوماسية بينما يبقى الدواء آخر الاهتمامات، رغم أن المرضى يعانون في الداخل والخارج، ويصل بعضهم إلى منتصف خط العلاج دون الحصول على الأدوية اللازمة، مما يؤدي إلى نتائج مأساوية.

وشدد البيباص، على أهمية الجانب الوقائي، مؤكداً أن الاستثمار فيه يقلل من التكاليف المستقبلية، لكنه لم يُطبّق بشكل فعّال بسبب نقص الموارد وعدم توفر أدوات التوعية الكافية. وأوضح أن سياسة الدولة الحالية لا تراعي الاستراتيجيات العلمية الحديثة ولا توفر احتياجات المرضى الفعلية، مما يزيد من الهدر المالي ويؤدي إلى نتائج كارثية.

واختتم البيباص مداخلته بالقول إن الضغط المجتمعي على اتخاذ القرارات أصبح ضرورياً، وأن الشفافية في معرفة الخلل ومعالجته هي السبيل لتقليل الخسائر البشرية والمالية، محذراً من استمرار الوضع الحالي دون تغيير جذري.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى