الدرسي: المنظومة الصحية في ليبيا شبه «منهارة».. وأزمة السرطان تتفاقم
حذر المشرف السابق على لجان العلاج بالخارج عبد الله الدرسي، من تفاقم أزمة الصحة العامة في ليبيا، مشيراً إلى أن المنظومة الصحية شبه منهارة، وسط ارتفاع معدلات الأمراض السرطانية في البلاد.
وقال الدرسي في مداخلة على تلفزيون “المسار”، رصدتها «الساعة 24»: “إن أسباب مرض السرطان متعددة، ولكن الوضع الراهن في ليبيا يضاعف من المخاطر”، مشيراً إلى المنظومة الصحية تعاني من نقص في الاستعدادات اللازمة للاكتشاف المبكر للأورام، خصوصاً سرطان الثدي الذي يعتبر القاتل الأول للنساء، فضلاً عن تأخر الحصول على العلاج والأدوية الضرورية.
وأوضح الدرسي أن أغلب العلاجات المتاحة مكلفة للغاية، وبعضها غير متوفر في السوق المحلية، ما يجعل الكثير من المرضى عاجزين عن الحصول على الجرعات المطلوبة. كما أشار إلى ضعف الرقابة على الأغذية والأدوية، قائلاً: “هناك مشكلة كبيرة في الأغذية المستوردة والمعلبة، ولا يعرف أحد مدى مطابقتها للمعايير الصحية. أما الأدوية، فهناك شبه غياب للرقابة على المكونات الكيميائية ومدى فعاليتها، مما يؤدي إلى حالات غش وصعوبة التأكد من صلاحية المنتجات.
وخلال حديثه الأزمة في القطاع الصحي، حذر المسؤول السابق للجان العلاج في الخارج من القصور في الأجهزة الطبية، مبيناً أن “معظم أجهزة الأشعة والمعدات الطبية المستوردة قد تكون مستعملة أو متهالكة، دون وجود دراسة أو نظام يضمن فعاليتها وسلامة العاملين عليها من التعرض للإشعاع”. كما نبه إلى قضية المحسنات الغذائية المستخدمة في الخبز والمخبوزات، قائلاً: “لا توجد دراسات علمية دقيقة تحدد تأثير هذه المواد على الصحة أو مدى ملاءمتها للاستخدام البشري”.
ورسم الدرسي صورة قاتمة للوضع الصحي لافتاً إلى أن الواقع الذي تعيشه البلاد اليوم يشير إلى وجود فجوة كبيرة في منظومة الاكتشاف المبكر والعلاج والرصد الدقيق للأغذية والأدوية والأجهزة الطبية، مما يستدعي تدخلاً عاجلاً لتلافي المزيد من المخاطر الصحية. مشدداً على ضرورة الإصلاح الشامل والجذري، بداية من مراجعة خبرات المسؤولين في القطاع والذين وصفهم بأنهم “لا يمتلكون خلفية طبية”، ما يشكل عقبة كبيرة أمام تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتطرق إلى نقص المعدات الطبية وسوء توزيع الأجهزة، مشيراً إلى أن بعض المستشفيات تفتقر إلى أساسيات العمل الطبي، مثل أجهزة الأشعة أو المختبرات، بسبب سوء تقدير المسؤولين عن الشراء والتوزيع. وصوب النظر إلى واقع المستشفيات الليبية موضحاً ضعف الكوادر وعدم تخصصها، حيث إن العديد من الكوادر لا يمتلكون علاقة مباشرة بالمجال الطبي، ما يؤثر سلباً على فعالية القطاع الصحي.
ورأى أن تطوير المنظومة الصحية يتطلب تبني نموذج التخصصية الذي تعتمده معظم دول العالم، مؤكداً أن المستشفيات المتخصصة تساهم في الكشف المبكر عن الأمراض وعلاجها بطريقة فعالة، وهو ما يغيب حالياً في ليبيا. وتابع بالقول: إن تأخر التشخيص، مثل حالات أورام الثدي والقولون، يؤدي إلى وصول المرضى إلى مراحل متقدمة، الأمر الذي يزيد من تعقيد العلاج وخطورته.
كما أشار إلى قضية النفايات الطبية والصناعية، وتأثيرها الخطير على الصحة العامة نتيجة التخلص العشوائي منها، وهو ما يؤدي – بحسب رائه – إلى تلوث التربة والمياه وإمكانية وصولها إلى الإنسان. مؤكداً أن التعامل مع النفايات الطبية يحتاج إلى أساليب علمية دقيقة وإشراف متخصص لضمان سلامة البيئة والصحة العامة.
ودعا الدرسي إلى ضرورة توطين العلاج داخل ليبيا لضمان حصول المواطنين على الخدمات الصحية دون الحاجة للسفر، مبيناً أن محدودية الدخل تعيق الكثير من المرضى عن الوصول إلى العيادات الخاصة أو إجراء التحاليل الضرورية، مما يفاقم حالتهم الصحية.
ولفت الدرسي إلى أن هناك جهودًا ملموسة لتوطين العلاج بالداخل، خصوصًا لمرضى الأورام الذين يحتاجون إلى تشخيص انتشار السرطان عبر جهاز (PET Scan) الذي يُعرف علميًا باسم التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، وأصبح متوفرًا في مستشفى الأورام ببنغازي. وأوضح الدرسي أنه زار المستشفى واطلع على أحدث التقنيات المتاحة، مشيرًا إلى أن الخدمة لم تُقدم بعد للمواطنين، لكنها تحت مرحلة الإنجاز والتجهيز.
ونوه الدرسي إلى أن مركز الأورام ببنغازي سيقدم خدمات متطورة تشمل العلاج الإشعاعي، في حين لا يزال جانب العلاج الدوائي يمثل تحديًا كبيرًا بسبب صعوبة الحصول على بعض الأدوية المكلفة. وأوضح أن الدولة تتحمل تكاليف العلاج في الخارج، متسائلًا عن سبب عدم توفير نفس الخدمات داخل ليبيا، بما يشمل توفر الأسرة وحق الدواء للمريض.
وفيما يخص علاج مرضى الأورام خارج ليبيا، أشار إلى أن تونس كانت الخيار الأول لتوفير العلاج للمواطنين الليبيين نظرًا لقربها وسهولة الوصول إليها مقارنة بالدول الأخرى مثل الأردن، رغم وجود خطط لعلاج بعض المرضى في الأردن أيضًا. كما شدد على أن هناك اهتمامًا كبيرًا بمعالجة المرضى الذين لا يملكون الإمكانيات للسفر، مؤكداً أن الهدف هو توفير العلاج لهم داخل ليبيا قدر الإمكان.
ودعا الدرسي إلى أهمية الاكتشاف المبكر لمرض السرطان كخطوة حاسمة لتقليل العبء الصحي والاقتصادي على الدولة، مشيراً إلى أن وضع خطة وطنية لعلاج الأورام تم قبل عامين، حيث تم استخدام السجلات الوطنية لتوثيق الحالات، مشيرًا إلى أن عدد المرضى الذين تلقوا العلاج في ذلك الوقت بلغ 23,581 حالة.
وأشار إلى أن العلاقة بين الطبيب والمريض، تعتبر من أهم الجوانب في التعامل مع المرضى، لاسيما عند تشخيص حالات خطيرة مثل السرطان، موضحًا أن هناك تحديًا أخلاقيًا حول كيفية إبلاغ المريض أو أهله بالتشخيص.
واعتبر الدرسي أن استمرار الوضع الحالي سيجعل الاكتشاف المبكر للسرطان صعبًا، مما يؤدي إلى تشخيص المرض في مراحل متقدمة، وبالتالي يحتاج المرضى إلى تدخلات علاجية معقدة تشمل العلاج الإشعاعي والدوائي والجراحي، إضافة إلى أدوية مكلفة بشكل كبير، خصوصًا الأدوية الحديثة لعلاج الأورام.
ولفت إلى أن الحل يكمن في برنامج وطني متكامل لمكافحة السرطان، يبدأ بالتركيز على الاكتشاف المبكر لبعض الأورام الشائعة مثل أورام الثدي والقولون، التي يمكن تشخيصها ومعالجتها مبكرًا بكلفة بسيطة نسبيًا.
وبينّ أن المسح الدوري للمرضى، بما في ذلك حالات سرطان عنق الرحم والبروستاتا، يمكن أن يحقق نتائج إيجابية كبيرة، ويقلل بشكل ملموس من الأعباء المالية المستقبلية على الدولة.
واختتم الدرسي حديثه بالتأكيد على أن الاستثمار في برامج المسح المبكر لا يقتصر على الجانب الصحي فحسب، بل يساهم أيضًا في ترشيد النفقات العامة وتوفير الموارد لعلاج الحالات الأكثر تعقيدًا.









