فكيرين: ملف الشركات المتعثرة بدعة اختلقها المجلس الرئاسي

كشف عادل فكيرين، رئيس لجنة تقييم شركات الأشغال العامة، عن سلسلة من الإشكاليات البنيوية والفساد الإداري والمالي الذي تعاني منه شركات الأشغال العامة منذ سنوات، موضحًا أن جذور ما يُعرف بملف “تعثر الشركات” تعود إلى عام 2017، حين أُقرّ إجراء من المجلس الرئاسي وصفه بالبدعة، تم بموجبه تصنيف عدد من الشركات ضمن الشركات المتعثرة دون أي معايير مهنية، أو مؤشرات معترف بها، مستندًا فقط إلى ادعاءات تتعلق بصعوبات دفع المرتبات.
وتكرر الأمر عام 2022 بإضافة شركات أخرى إلى القائمة، في خطوة يرى فكيرين أنها تُشبه ممارسات سجلت في دول أخرى بهدف السيطرة على الشركات العامة عبر خلق أزمات مُفتعلة.
وأوضح فكيرين في حديثه لقناة “ليبيا الحدث”، رصدته «الساعة24» أن هذه الممارسات تتبع نمطًا يبدأ بتصنيف الشركة متعثرة، ثم اختفاء بياناتها المالية، يلي ذلك خلق رأي عام يعتبرها عاجزة، ثم استخدام العاملين فيها كورقة ضغط من خلال تأخير مرتباتهم، الأمر الذي وصفه بأنه “غير أخلاقي” ويُستعمل لاحقًا كغطاء للاستيلاء على الشركات تحت ذريعة “معالجة التعثر”.
وحذّر من أن تفشي الفساد في المؤسسات بات يشكّل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، مؤكدًا أن الفساد يعمّق الفوارق الاجتماعية ويستنزف قوت المواطن البسيط، خصوصًا الفئات الضعيفة والمهمشة.
وأكد فكيرين أن وزارة الأشغال العامة شرعت منذ عام 2024 في معالجة ضبابية العلاقة بينها وبين شركات الأشغال العامة، ومعالجة التأخر الذي شهدته القرارات الوزارية المنظمة للجمعيات العمومية منذ عام 2023. وأصدرت الوزارة قرارًا بتشكيل لجنة تقييم مختصة عملت منذ أكتوبر 2024 على دراسة أوضاع الشركات وصولًا إلى نتائج مهمة شكلت أساس المرحلة المقبلة من إعادة الهيكلة.
وباشرت الحكومة بالفعل أصعب مرحلة في هذا المسار، والمتمثلة في إعادة تنسيب العاملين إلى القطاع العام، في خطوة وصفها بأنها مؤلمة لكنها ضرورية لتعظيم الاستفادة من إمكانيات هذه الشركات.
وأشار فكيرين إلى أن اللجنة كانت تهدف خلال العام الجاري إلى استكمال عملية إعادة الهيكلة الشاملة، وقد اصطدمت بمقاومة من أطراف مستفيدة من الأوضاع الحالية، إضافة إلى غياب الرؤية لدى بعض الجهات الحكومية. ورغم ذلك، تمكنت اللجنة من إنهاء تقييم شامل أفضى إلى توصيات حاسمة، حظيت باهتمام وزارة الأشغال العامة والجمعية العمومية التي تضم ستة وزراء وتمثل “حكومة مصغرة” نظرًا لأهمية هذا القطاع.
وتمثّل الهدف النهائي في صياغة نموذج جديد لتحويل الشركات إلى شركات قابضة أو صيغة تنظيمية أخرى، على أن تُدمج الإمكانيات والأصول ضمن صندوق استثماري عام يضمن إدارة رشيدة للموارد.
وأكد فكيرين أن نتائج اللجنة أثبتت عدم وجود شركات “متعثرة” فعليًا، بل شركات تمتلك إمكانيات ضخمة لكنها تمت الإساءة إلى إدارتها – بحسب وصفه.
وأوضح فكيرين أن أعمال اللجنة شملت فقط مناطق الشرق والجنوب، عبر تقييم خمس شركات هي: درنة، الجبل الأخضر، بنغازي، الكفرة، وسبها، مبينًا أن شركة دانة صُنّفت متعثرة منذ عام 2022 رغم أن حساباتها استقبلت، منذ 2011، أكثر من 115 مليون دينار، إضافة إلى أكثر من 28 مليون دينار دخلت بعد تصنيفها متعثرة. ونقل عن رئيس مجلس إدارة الشركة تأكيد وجود مديونيات مستحقة لدى وزارات في طرابلس منذ 2002، بينما لا تزال الشركة تتحصل على أموال من حكومة الوحدة الوطنية وصندوق إعمار درنة، خاصة بعد إعادة تشغيل النفط.
أما شركة الجبل الأخضر، فقد كشف عن نقص حاد في الشفافية وغياب وثائق مالية أساسية، رغم أن قيمة موجوداتها السوقية ضمن الشركات الخمس تقترب من مليار دينار.
وأشار إلى أنها لم تسدد اشتراكات الضمان الاجتماعي لأكثر من 500 عامل ليبي إضافة إلى عمالة أجنبية، ولم تعمل على تحصيل ديونها أو استرجاع أصولها. كما أفادت هيئة الرقابة بأنها لم تخضع لفحص حسابي منذ 15 عامًا رغم استلامها أكثر من 77 مليون دينار، وامتلاكها عقودًا بقيمة 40 مليونًا، واستقبال حساباتها أكثر من 22 مليون دينار.
وكشف أيضًا عن وجود 154 آلية موجّهة لجهات في بنغازي والجبل الأخضر، بعضها لجهات خاصة، بقيمة تقديرية تبلغ 45 مليون دينار، دون توافر عقود واضحة أو ضمان أن هذه الآليات صالحة للخدمة.
وأكد فكيرين أن ضعف المنظومة الرقابية في ليبيا هو أحد أهم أسباب تفاقم هذا الوضع، مشيرًا إلى أن البلاد تُصنف ضمن أكثر خمس دول فسادًا في العالم، ما يعكس غياب المتابعة الجادة للمال العام.
وشدد على المسؤولية القانونية والأخلاقية الملقاة على عاتق الإدارات المعنية لحماية الأصول ومحاسبة المتجاوزين، بينما لا تزال اللجنة تنتظر وثائق ضرورية توضح كيفية التصرف في هذه الأصول.
وفي ختام حديثه، دعا فكيرين إلى تعزيز التعاون مع ديوان الخدمة المدنية في دعم أعمال اللجنة وإرساء الانضباط داخل مؤسسات الدولة. وطالب بالمزيد من المرونة في التعامل مع الملفات المتعلقة بالخدمة المدنية، وبالتدخل لاعتماد تعديلات مهمة رفضت جهات النقل والوظائف تبنيها، رغم تأثيرها المباشر على تحسين الأداء.
وأكد أن لجنة التقييم تضطلع بعمل حساس واستراتيجي يخدم مصلحة البلاد، داعيًا كل الجهات إلى دعم جهودها لضمان نجاح عملية الإصلاح وإعادة الهيكلة الشاملة لقطاع شركات الأشغال العامة.









