الأسعد: النزاع حول الحدود البحرية في المتوسط لن يتحول إلى مواجهات مسلّحة

رأى الخبير الدولي في فض المنازعات، محمد الأسعد، التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع اليوناني، بشأن الاتفاقية البحرية الليبية – التركية، تدخل في إطار الرسائل السياسية أكثر من كونها مواقف مبنية على أسس قانونية أو معطيات ميدانية.
وقال الأسعد، في مداخلة على قناة “الوسط”، رصدتها «الساعة 24» إن هذه التصريحات ليست سوى محاولة لإحياء الملف مجددًا، وتذكير الأطراف الإقليمية بالموقف اليوناني من النزاع البحري، مشيرًا إلى أن الكلام الصادر عن الوزير اليوناني يُعدّ خطابًا سياسيًا، ويمكن لأي طرف آخر – مثل وزيري الدفاع الليبي أو التركي – إصدار تصريحات مماثلة.
وبين أن التصريحات المتبادلة بين الأطراف تعكس حجم التعقيد في هذا النزاع، الذي قد يستمر طويلًا ويشهد العديد من المفاجآت، لأن الصراع ما يزال في بداياته الحقيقية بين الأطراف المعنية.
وأوضح الأسعد أنّ هذه التصريحات تأتي في سياق إعادة تأكيد الموقف اليوناني تجاه هذه المناطق البحرية، معتبرًا أنّ أثينا تسعى من خلالها إلى استعراض موقفها وتثبيته أمام الأطراف الإقليمية، مع التشديد على أنّ تلك المناطق تُعدّ – من وجهة النظر اليونانية – جزءًا من نطاقها البحري وذات أهمية استراتيجية.
وشدّد الأسعد، على أن الموقف اليوناني، كما ورد في التصريحات الأخيرة، لا يستند إلى واقع ميداني ملموس ولا يعكس الحقائق الفعلية على الأرض، مؤكدًا أن الخطاب يظل ضمن حيز المواقف السياسية وليس القانونية.
وبالتالي، استبعد الأسعد، إمكانية تطور الخلافات القائمة حول ترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط إلى صراع مسلّح، مؤكّدًا أن ما يجري هو في جوهره صراع سياسي واقتصادي، رغم التصعيد اللفظي الذي يصدر بين الحين والآخر من بعض الأطراف، ومن بينها وزير الدفاع اليوناني.
ولفت إلى أن رمزية صدور هذه التصريحات عن مسؤول الدفاع اليوناني، لا تعني انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية، لأن الملف مرتبط أساسًا بتقاطعات اقتصادية ومصالح بحرية، وليست له ملامح عسكرية على أرض الواقع.
وأشار إلى أنّ الإشكال الحقيقي يتركز في الجهة الغربية من المتوسط، بين الحدود التركية واليونانية، بينما لا توجد أي إشكالات تُذكر في الجهة الشرقية، وهي مناطق – بحسب قوله – رسمت تركيا حدودها منذ العام 2011، وتستعد للشروع في أعمال التنقيب داخلها.
وذكر الأسعد، أن بداية النزاع اليوناني الحاد جاءت بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بين ليبيا وتركيا عام 2019، التي أدت إلى تداخل المياه الإقليمية بين البلدين، معتبرًا أن اعتراض أثينا يستند إلى اعتبار بعض الجزر القريبة نقاطًا مرجعية، رغم أنها – وفق وصفه – جزر حجرية لا ينطبق عليها الوزن القانوني الذي يمنحها تأثيرًا واسعًا في ترسيم الحدود.
وتابع: ليبيا تمتلك اليوم موقفًا قويًا، مع اتجاه مجلس النواب للمصادقة على الاتفاقية، التي أصبحت – كما أشار – مسجّلة رسميا في الأمم المتحدة، ولا يمكن الطعن فيها إلا عبر مسارات سياسية أو اقتصادية أو حوارية.
وحول فرص اليونان في إعادة ترسيم الحدود، أكّد الأسعد، أن قدرة أثينا محدودة في هذا الملف، لأنها تواجه الإشكال فقط من الجهة الغربية بينها وبين تركيا. مشدّداً على أن خيار اليونان الواقعي هو الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع كل من ليبيا وتركيا لإعادة ترسيم الحدود، بطريقة تقبلها وتراعي وضع الجزر.
وأردف الأسعد، بأن أي اتفاق مستقبلي يرضي الجانب اليوناني لن يؤثر على الاتفاقية الليبية – التركية، التي تستند إلى شرعية قانونية واضحة. مؤكدا أن النزاع في شرق المتوسط لن يتطور إلى صراع عسكري مباشر، مستشهداً بواقع سوق الطاقة الأوروبي بعد قطع الغاز الروسي، إذ أن الغاز المتنازع عليه في المنطقة سيتجه أساساً إلى أوروبا، مما يجعل الدول الأوروبية حريصة على تجنب أي حرب ودفع الأطراف نحو حل سلمي ومفاوضات جادة.
وأشار إلى أن موقف ليبيا قوي ومتماسك، ولا توجد خلافات بحرية مباشرة بينها وبين اليونان، معتبراً أن الإشكال الأساسي يتركز بين تركيا واليونان، وهما دولتان في حلف الناتو، ما يجعل الخيار العسكري غير وارد، رغم إمكانية حدوث تحركات عسكرية رمزية أو استعراض للقوة.
وبالتالي فإن الحل الأمثل يكمن أولاً في رسم الحدود البحرية بدقة لكل دولة، ثم الانتقال إلى إنشاء مشروع اقتصادي مشترك أو شركة دولية لإدارة واستغلال موارد الغاز والنفط في المنطقة، بحسب الأسعد الذي أوضح أن الأمم المتحدة ليست الجهة الفاصلة في هذه النزاعات بمفردها، بل تعتمد على خبراء المحاكم الدولية وقوانين البحار لتقديم توصياتها، والتي يتم اعتمادها لاحقاً لتصبح قرارات نهائية وملزمة لجميع الأطراف.
وذكر أن ليبيا تمتلك قوة تاريخية في النزاع على شرق المتوسط، مستندة إلى العلاقات التاريخية مع تركيا منذ الحقبة العثمانية، والتي تضمنت خطوطاً بحرية تجارية وحماية للملاحة في البحر الأبيض المتوسط. منوهاً إلى أن هذه الخلفية التاريخية تجعل موقف ليبيا مركزياً وحاسماً في النزاع، مؤكداً أن اليونان تدرك تماماً هذا الواقع.
وأضاف أن أي محاولات لإلغاء اتفاقيات بحرية قديمة مثل اتفاقية 1982 أو معاهدة لوزان 1923 لا يمكن أن تمحو الأثر التاريخي للخط البحري الليبي-التركي، والذي يمثل قاعدة قوة لليبيا في أي مفاوضات مستقبلية.









