اخبار مميزةليبيا

اليسير: الحوارات الأممية أنتجت “حكومات غنائم” فاسدة تحت سيطرة الميليشيات

قال الدكتور عبد المنعم اليسير، رئيس لجنة الأمن في المؤتمر الوطني العام السابق، إن مناقشة آلية الترشيح والاختيار والمشاركة في الحوار المهيكل الذي تقوده البعثة الأممية يجب أن تسبقها إجابة عن أسئلة أساسية تتعلق بطبيعة هذه الآلية، والدور الذي تلعبه الأمم المتحدة في تحديد مستقبل ليبيا.

وأوضح اليسير، في مداخلة عبر قناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن السؤال الأول الذي ينبغي طرحه هو مدى قبول أن يتولى 75 أو 100 شخص تقرير إرادة الشعب الليبي، معتبرًا أن الإجراءات الحالية لا تعكس تمثيلًا حقيقيًا لإرادة الليبيين، حتى وإن بدت سليمة شكليًا.

وأضاف أن التساؤل الأهم يتعلق بالضمانات، موضحًا أنه إذا أسفر الحوار المهيكل عن حلول سليمة تُعيد ليبيا إلى الاستقرار، فما الذي تقدمه البعثة اليوم لضمان تنفيذ هذه المخرجات؟ وأكد أن إجراء الانتخابات واحترام إرادة الليبيين ما زالا مطلبًا واضحًا، إلا أن غياب الضمانات يشكل العقبة الأكبر أمام نجاح أي مسار سياسي.

وشدد اليسير على أن أي حل لا يمكن أن ينجح دون المصالحة الوطنية الشاملة وجمع السلاح الذي تحتفظ به “القوى القاهرة” المفروضة على الليبيين منذ عام 2011، مضيفًا: “إذا لم نستطع إزالة هذه القوى، فلن يكون هناك حل، لا بحوار مهيكل ولا بغيره”، واصفًا ما يجري بأنه تكرار لتجارب فاشلة سابقة حدثت في جنيف والصخيرات.

ولفت إلى أنه كان من بين أعضاء المؤتمر الوطني الذين رفضوا آنذاك تسليم القرار الليبي لمكتب الأمم المتحدة وموظفيها، متسائلًا اليوم عمّا إذا كان من المنطقي تكرار نفس التجارب رغم نتائجها المعروفة.

وفيما يتعلق بآلية الاختيار الحالية، أكد اليسير أن المعايير غير واضحة، مشيرًا إلى أن البعثة لم تُعلن أي تفاصيل حول كيفية انتقاء المشاركين، باستثناء شرط عام يتعلق بـ “نية خدمة المصلحة العامة”، دون وجود آلية تحقق أو شفافية، ما يثير التساؤل حول ما إذا كان هذا الاختيار مجرد منصة شكلية بلا تأثير فعلي.

وأضاف أن اتهامات الفساد والرشوة التي شابت حوار جنيف السابق ما زالت دون تحقيق أو محاسبة، مؤكدًا أن الحكومة الناتجة عن هذا الحوار – في إشارة إلى حكومة الدبيبة – كانت “من أكثر الحكومات فسادًا”، وفشلت في إجراء الانتخابات المقررة عام 2021، رغم أن تشكيلها كان أساسًا لهذا الهدف.

كما أشار إلى أن هذه الحكومة “سُلّمت للميليشيات منذ اليوم الأول”، وما زال هذا الوضع قائمًا حتى الآن، دون أي نتائج ملموسة للوعود المتعلقة بالإصلاحات الأمنية أو السياسية.

وشدد اليسير على أن غياب الضمانات وفقدان الثقة في المسارات الأممية السابقة يجعل من الصعب إقناع الليبيين بأن البعثة قادرة اليوم على تقديم مسار موثوق، متسائلًا: “لماذا يُفترض أن يثق الليبيون هذه المرة ببرنامج تقوده الأمم المتحدة، بينما لم تُصلح أخطاء الماضي ولم تُحقق أيًا من تعهداتها؟”.

وأكد أن الخطوات التي تتخذها البعثة الأممية في ليبيا “غير منطقية وغير مبنية على أسس عقلانية”، موضحًا أن ليبيا ليست بحاجة إلى تصور لإدارة الدولة أو خطط للحوكمة، بل إلى التنفيذ الفعلي للحلول المعروفة منذ سنوات.

ورأى أن أي حوار سياسي حقيقي يجب أن يجري بين الأطراف المتصارعة على الأرض، وليس بين شخصيات أو أحزاب ليست طرفًا في النزاع، مؤكدًا: “حتى لو افترضنا أن الـ 120 شخصية المختارة تمثل أطياف الشعب الليبي وجاء اختيارها بطريقة سليمة بلا فساد أو رشاوى، فإن هذا لا يغيّر حقيقة أن إرادة الشعب الليبي واضحة ولا تحتاج إلى إعادة تعريف”.

كما لفت اليسير إلى استعداد الليبيين لخوض الانتخابات في 2021، حيث سجّل أكثر من ثلاثة ملايين ناخب أنفسهم، وكانت هناك قاعدة دستورية واضحة، بالإضافة إلى ألف مترشح لمجلس النواب ومئة مترشح للرئاسة، متسائلًا: “ما المشكلة إذن؟ الشعب جاهز والإرادة واضحة”.

معتبرا أن الدعوات الحالية لتوصيات جديدة هي “عبث سياسي” و”تدوير للأزمة”، تهدف — بحسب قوله — إلى خلق “مسرحية زائفة” لإظهار أن البعثة تعمل وتملأ الفراغ، بينما الواقع أن جوهر الأزمة معروف، وكذلك مكامن الخلل.

وأضاف أن الحوارات السياسية التي تخرج الدول من الأزمات تُعقد بين الأطراف المسلحة والمتصارعة، وأن دور البعثة الحقيقي يجب أن يكون إقناع هذه الأطراف أو إجبارها على الجلوس للحوار، وليس استدعاء شخصيات لا تملك قوة على الأرض، ولا تأثيرًا على موازين النزاع – حسب وصفه.

وأشار إلى أن المسارات الأممية السابقة – سواء في الصخيرات أو جنيف – انتهت بإنتاج “حكومات غنائم”، حيث تتحول العملية السياسية، وفق تعبيره، إلى تقاسم وزارات ووظائف، بينما تذهب الحكومات الجديدة إلى طرابلس لتصبح تحت سيطرة الميليشيات، ثم يبدأ رئيسها في توزيع الأموال على هذه التشكيلات المسلحة، ما يؤدي إلى تقويتها أكثر. وشدد اليسير على أن أي مخرجات جديدة ستظل بلا قيمة ما لم تُمنح تلك الشخصيات سلطة حقيقية مدعومة بقرار من مجلس الأمن وقوة قادرة على فرض الترتيبات، وهو ما اعتبره “غير موجود مطلقًا”.

وختم بالتحذير من الانخراط فيما وصفها بـ “المسرحيات السياسية”، داعيًا المهتمين بالشأن الليبي إلى الانتباه إلى أن ما يُطرح اليوم لا يمثل حلًّا حقيقيًا، قائلاً: “إذا كان لدى البعثة حل، فليكن حلا فعليا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى