أوحيدة: الليبيون لن يقبلوا بـ”نتائج الحوار المهيكل” دون ضمانات واضحة

شدّد الباحث السياسي طلال أوحيدة على أن الأزمة الليبية لم تعد بحاجة إلى تشخيص جديد، مؤكدًا أن كل الليبيين يعرفون مشاكل بلدهم منذ سنوات. وأضاف أن جوهر المخاوف الحالية يتمثل في انعدام الثقة في البعثة الأممية، وغياب الضمانات بشأن مخرجات “الحوار المهيكل” الذي تسعى البعثة لإطلاقه.
وأوضح أوحيدة، في مداخلة عبر قناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة 24، أن الليبيين لن يقبلوا بأي نتائج دون وجود ضمانات واضحة، مشيرًا إلى الخوف الأكبر من أن تتحول العملية السياسية إلى مجرد تحايل على الشارع الليبي، خاصة بعد الاتهامات السابقة الموجهة للبعثة بشأن الرشاوى والاختيارات المشبوهة.
وأشار إلى أن البعثة أعلنت استقبال أكثر من 4000 طلب عبر البريد الإلكتروني من مواطنين يرغبون في المشاركة في مسار الحوار المهيكل، متسائلًا: “هل درست البعثة هذه الملفات فعلًا؟ وهل ستختار شخصيات من الليبيين أنفسهم، أم ستعيد إنتاج نفس الوجوه التي تريدها؟”. معتبراً أن البعثة “غير قادرة منطقيًا” على دراسة هذه السير الذاتية بجدية خلال فترة زمنية قصيرة.
وأضاف أن البعثة تعيش “ورطة كبيرة” في صراع داخلي بمجلس الأمن، ما دفعها – بحسب قوله – إلى طرح مشروع وصفه بالعقيم، هدفه الوحيد تقديم إحاطة للمبعوثة الأممية في جلسة 19 ديسمبر المقبلة، لإظهار أنها جمعت الليبيين وأطلقت مسارًا للحوار، دون أن يفضي هذا المسار إلى أي نتائج حقيقية على الأرض.
وشدد على أن الليبيين لا يعارضون أشخاصًا بعينهم، سواء عبد الحميد الدبيبة أو أسامة حماد أو غيرهما، بل يخشون استمرار انقسام المؤسسات الليبية الذي يضر بالدولة ويعمّق الأزمة. وقال: “مشكلتنا ليست مع الحكومات كأفراد، بل مع عدم توحيد المؤسسات”.
وأشار إلى أن الليبيين تحملوا كثيرًا خلال السنوات الماضية، لكنهم لن يقبلوا هذه المرة – بحسب رأيه – بما وصفه بـ “التحايل القذر”، مستشهدًا بما حدث في ديسمبر 2021 من تأجيل للانتخابات. وقال إن البعثة “قد تعيد نفس السيناريو مع اقتراب احتفالات الميلاد ورأس السنة، تاركة الليبيين في صراع مفتوح”.
وانتقد استمرار بعض موظفي البعثة في مناصبهم لأكثر من عشر سنوات، معتبرًا أن البعثة “غارقة في الفساد”، وأنها لم تكشف عن الجهة أو الآلية التي اختيرت بها اللجنة الحالية، متسائلًا عن شفافية العملية برمتها.
وبينّ أن المخاوف الحقيقية لدى الليبيين هي مصير الدولة ومؤسساتها، مؤكدًا أن أي مسار سياسي لا يبدأ بتوحيد المؤسسات لن يحقق شيئًا مهما كانت الأسماء المشاركة فيه.
ورأى أوحيدة أن تصريحات البعثة الأممية نفسها تؤكد أنها لا علاقة لها بأي تغيير حكومي، مما يثير التساؤلات – على حد قوله – حول الدور الحقيقي لهذا المسار، وما إذا كان مجرد تمهيد لمرحلة جديدة من الحوارات دون نتائج ملموسة.
وتابع: المخاوف الشعبية ليست من باب التشكيك في الأشخاص أو رفض الليبيين لبعضهم، بل هي مخاوف ناتجة عن تجارب سابقة مؤلمة، بدءًا من اتفاق الصخيرات وصولًا إلى المسارات المتعددة التي أُطلقت دون أن تقود إلى حلول حقيقية. مؤكداً أن الليبيين يشعرون بأنهم يواجهون “الخطأ نفسه للمرة الرابعة”، وسط غياب أي ضمانات تمنع تكرار الإخفاقات.
واتهم أوحيدة البعثة بأنها كانت “سببًا من أسباب تفاقم الأزمة الليبية”، مشيرًا إلى أنها تعرف الجهات والشخصيات التي تعرقل العملية السياسية، لكنها لم تتخذ أي إجراء فعّال.
وأضاف أن البعثة “تتعامل مع الحكومات المعترف بها دون استشارة حقيقية لها”، وأنها منحت الشرعية السياسية لمجلسي الدولة والنواب عبر الاتفاق السياسي، وليس عبر الإرادة الشعبية.
وأوضح أن تأسيس الدولة الليبية الحديثة بعد 2011 بدأ بالمجلس الوطني الانتقالي ثم المؤتمر الوطني العام، وأن الشعب شارك في انتخابات 2012، غير أن انحراف المسار الديمقراطي – بحسب رأيه – بدأ حين تدخلت البعثة وغيرت مسمى المؤتمر إلى مجلس دولة خارج إطار التصويت الشعبي ومنحت الشرعية لمجلس النواب رغم حكم قضائي سابق بإسقاطه.
وأكد أن الليبيين “يحترقون في نار الأزمة، ومن حقهم التعبير عن مخاوفهم بحرقة، مشددًا على أن المشكلة ليست في أي ليبي قد يشارك في الحوار، “سواء كان من فزان أو من أقصى البلاد”، بل في مدى قدرة هذا الحوار على إنتاج نتائج قابلة للتنفيذ. وأضاف: من حق الليبيين أن يجلسوا معًا ويتحاوروا، لكن هل ستجد المخرجات طريقها للتطبيق؟
من جهة ثانية، انتقد أوحيدة تغييب المسار الأمني الذي بُني سابقًا على لجنة 5+5، متسائلا عن سبب تجاهل هذا المسار رغم أن المؤسسة العسكرية ما تزال منقسمة، ورغم أن الولايات المتحدة – عبر قيادة أفريكوم – كثّفت زياراتها لليبيا وتنوي أشراك وحدات من الجيش الليبي في مناورات تضم 24 دولة.
وفيما يتعلق بالمسار الاقتصادي، قال أوحيدة إن الولايات المتحدة تمسك بزمام السيطرة على ملف المصرف المركزي، مشيرًا إلى أن القرار الأخير الصادر ضمن الاستراتيجية الأمنية الأمريكية يؤكد، وفق تعبيره، أن واشنطن تتعامل مع ليبيا من منظور استراتيجي لا علاقة له بالديمقراطية، بل وفق مصالحها الواقعية.









