الكاديكي: استمرار الأخطاء قد يقود إلى صدمة اقتصادية مفاجئة

أكد المستشار والخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية، د. خالد الكاديكي، أن التقرير الصادر عن المصرف المركزي، بشأن الإيرادات والإنفاق العام والاحتياجات وما صُرف على ميزانيات القطاعات، يستند إلى بيانات غير دقيقة، مشيرًا إلى أن حالة الانقسام الحالي وغياب البيانات بين الحكومتين، وعدم وجود حسابات ختامية دقيقة لدى القطاعات، يجعل المؤشرات الواردة في التقرير غير متزنة ولا تحمل القيم الفعلية في تقدير البيانات.
وأوضح الكاديكي، في تصريحات لقناة “الوسط”، رصدتها صحيفة الساعة ٤أن التقرير اعتمد على الإرادة النقدية وما ينفق وما يُقدم من بيانات، إلا أن جزءًا مهمًا من الإيرادات الحكومية غير مثبت في التقرير، وعلى رأسها إيرادات الضرائب والعوائد المتحققة من بعض الأصول، رغم كونها إيرادات كبيرة.
وأضاف أن الوضع خطير للغاية، إذ يوجد عجز كبير داخل الموازنة، يتم تغطيته عبر الضريبة المفروضة على سعر الصرف، وهو ما كان الخبراء قد حذّروا منه سابقًا. وأشار إلى أن تعاملات المصرف المركزي، في عمليات الصرف والاعتمادات شهدت إنفاقًا كبيرًا، وفق تقارير ديوان المحاسبة والمدعي العام، التي كشفت وجود اعتمادات غير حقيقية تم صرفها دون تحقيق أي عوائد للمصرف المركزي، ما شكّل عبئًا على الدولة.
وبيّن الكاديكي، أن بعض الاعتمادات الممنوحة سجّلت فاقدًا يتجاوز 30 مليارًا، وهي أرقام كبيرة لم تحقق أي عائد، ولم تُذكر في التقرير المالي الأخير، رغم خطورتها. مشيرا إلى أن الإيرادات الضريبية الحقيقية غير متحققة، في ظل غياب دور المصارف التجارية وتراجع السيولة وسداد الضرائب، مؤكداً أن هذه العوامل مجتمعة ستؤدي إلى تعزيز التضخم الحالي.
واعتبر الكاديكي، أن الأرقام المتضخمة، المتعلقة بالأصول والإيرادات المحققة من بيع النفط والاحتياطيات الأجنبية لا تعبر عن الوضع الحقيقي للاقتصاد الليبي، مؤكداً أن البلاد تواجه انهيارًا اقتصاديًا حقيقيًا، وأن عدم اتخاذ إجراءات جادة قد يجعل سنة 2026 نقطة فارقة في الانحدار الاقتصادي الكلي الذي يشهده الوضع الراهن.
وقال الكاديكي، إن حجم التضخم الحالي بلغ نحو 61 مليار دينار، بعدما كان في حدود 22 إلى 30 مليارًا ناتجًا عن مرتبات موظفي الدولة، مشيرًا إلى أن التضخم الحقيقي بدأ مع الارتفاع الكبير في الأجور خلال السنوات الماضية.
وأوضح أن المرتبات وفق قانون 15 كانت تتراوح بين 250 و380 دينارًا، بينما أصبحت اليوم متضخمة بشكل غير مسبوق، لافتًا إلى أن مرتبات بعض الفئات، مثل الوزراء والسفراء، تتراوح بين 26 و30 ألف دينار، فيما تصل مرتبات بعض الجهات إلى 140 ألف دينار شهريًا.
وأكد أن سبب التضخم الرئيسي هو القفزة في قيمة المرتبات والمرتبات الموحدة والإفراجات، موضحًا أن هناك 90 ألف ملف في الانتظار، الأمر الذي أدى إلى توسع كبير في الجهاز الإداري واعتماد متزايد على التوظيف في القطاع العام، رغم أن التعيينات جيدة لليبيين، لكن غياب التوجه نحو دعم القطاع الخاص والقروض وفرص العمل خارج الحكومة فاقم الأزمة.
وتابع: استمرار الوضع الحالي خطير جدًا، وأن عدم قدرة الدولة على تغطية المرتبات سيقود إلى عجز كبير، وقد يدفع نحو تقليص الوظائف كما حدث عامي 2007 و2008، حين تم نقل موظفين إلى برامج أخرى أو منحهم فرص عمل خارج المؤسسات العامة. مشيراً إلى أن السياسة الحالية للمصرف المركزي تتضمن ثلاثة أشكال من التضخم هي: تضخم في الأصول، وفي المرتبات، وتضخم في الإنفاق العام الحكومي.
وحذّر الكاديكي، من أن أي إجراءات غير واقعية قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة. وأضاف أن المصرف المركزي قد يتجه إلى الاعتمادات أو طباعة العملة مقابل الدولار أو الاستناد إلى اتجاهات أخرى مثل الرهن، وهو أمر وصفه بـ “الخطير جدًا”.
واستشهد الكاديكي، بأمثلة من الأزمات السابقة، محذرًا من تكرار سيناريو الرهونات البنكية ورهن الأصول والاستثمارات كما حدث في أزمات مالية دولية، أو كما جرى داخل ليبيا في 2011، معتبرًا ذلك تهديدًا مباشرًا للاقتصاد.
وشدد على ضرورة تعزيز إدارة حماية الرصيد الليبي، وحماية الإيرادات، والأصول، والبحث عن إيرادات بديلة.
وأوضح الخبير الاستراتيجي في التنمية الاقتصادية، أن وزارة المالية تعتمد في عملها على الإنفاق الموجه للقطاعات المالية المختلفة، من مخصصات المركبات والخدمات والشركات العامة، مشيرًا إلى أن الوزارة تعمل اليوم في ظل غياب الميزانية العامة للدولة، ما جعلها أكبر جهة تتحمل الإنفاق على الموارد والقطاعات بشكل كبير جدًا، وهو رقم وصفه بأنه ضخم للغاية.
وذكر أن تضخم الإنفاق ناتج عن عدم وجود ميزانيات تقديرية وموحدة، إضافة إلى الانقسام السياسي الذي خلق التزامات مالية متزايدة لتغطية احتياجات القطاعات. وكشف أن وزارة التخطيط المالي تعمل على إعداد وتجميع الميزانيات التقديرية لكل القطاعات، والوقوف على الاحتياجات والعوائد الاستثمارية المتحققة، مثل عوائد الزراعة والجباية، غير أن غياب التغذية الراجعة والدقة المحاسبية، إضافة إلى عدم وجود حسابات ختامية، يجعل تحديد الميزانيات الفعلية أمرًا صعبًا.
واعتبر الكاديكي، أن هذا الوضع ينعكس في ارتفاع دائم للميزانيات، مؤكدًا أن معالجة الخلل لن تتحقق إلا بإغلاق الحسابات، وتقييم الإيرادات المتحققة، وضبط الإنفاق العام بشكل محاسبي دقيق، وفق القوانين واللوائح المالية المعمول بها.
وفي حديثه عن السياسة الاقتصادية، أوضح الكاديكي، أن استمرار العمل بالاستراتيجية الحالية للمصرف المركزي، دون إجراء تقييم دقيق قد يدفع البلاد نحو مخاطرة كبيرة، خاصة مع احتمال قفز أسعار النفط، واستمرار الإنتاج عند حدود مليون ومئتي ألف برميل يوميًا، وهي كمية ثابتة منذ عام 1980.
وأكد أن الصدمة الاقتصادية قد تحدث بشكل مفاجئ إذا تكررت الأخطاء نفسها، لأن الصدمات – بحسب قوله – لا تملك إدارة مسبقة، وتأتي نتيجة الانزلاق المالي المتكرر، محذرًا من أن المفاجآت المالية عادة ما تظهر كأزمات مفاجئة يصعب التنبؤ بها.
ودعا الكاديكي، إدارة المصرف المركزي، وخبراءه إلى التنبؤ بالمخاطر وعدم السماح بانزلاق مالي جديد، مشيرًا إلى أن الاعتماد على الإيراد النقدي لتغطية جزء من الإنفاق الحكومي أصبح سياسة ثابتة لدى السياسة النقدية، بينما تبقى السياسة المالية هي الحلقة الغائبة والخطر الحقيقي بسبب غياب الحكومة الموحدة والميزانية المستقرة والضرائب المنظمة.
ونوه بأن توحيد الحكومة والميزانية، وإغلاق الحسابات، وتفعيل السياسة المالية للدولة، هو الطريق نحو تحقيق استقرار مالي وسياسي في ليبيا.









