الشريف: احتياطات الذهب مؤشر مطمئن للاقتصاد الليبي

اعتبر أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي علي الشريف، أن المؤشر الوحيد المطمئن حاليًا للاقتصاد الليبي يتمثل في الاحتياطيات الدولية للبلاد، بينما جميع المؤشرات الاقتصادية الأخرى لا تزال ضعيفة، مبينًا أن الاحتياطيات البالغة نحو 146 طنًا من الذهب تعزز قوة الاقتصاد الوطني.
وأوضح الشريف، في تصريحات لقناة “الوسط”، رصدتها “الساعة 24” أن مصرف ليبيا المركزي يمر بفترة عصيبة نتيجة التحديات الاقتصادية والسياسية التي خلفتها المرحلة السابقة.
وتابع، أن المصرف المركزي تسلم منظومة مالية ضخمة من الإدارة السابقة، لكنه وجد نفسه أمام انقسامات سياسية عميقة أثرت على جميع المؤسسات المالية والنقدية والتنفيذية في البلاد. مشيراً إلى أن المركزي تمكن خلال الفترة الماضية من تحقيق نوع من التوحيد، وإن لم يكن كاملاً بعد، لكنه يمثل خطوة مهمة نحو استقرار الاقتصاد الوطني.
وأضاف الشريف أن المصرف يمتلك حالياً جزءاً من الصلاحيات والإجراءات المالية، لكنه لا يزال يتأثر بالانقسامات السياسية القائمة، ما ينعكس على جودة البيانات المالية المتاحة.
كما لفت إلى أن البيانات الحالية أحياناً تُظهر فائضاً في الميزانية، غير أن هذا الفائض لا يعكس الواقع الاقتصادي الفعلي، نظراً لغياب دمج نفقات الحكومة الليبية المشكلة من قبل مجلس النواب. وأكد أن إضافة نفقات الحكومة في شرق البلاد ستكشف العجز الفعلي في الميزانية، مشدداً على وجود خلل بين العجز في الميزان التجاري والفائض الظاهر في الموازنة العامة، منوهاً إلى أن المصرف المركزي يعمل وفق الظروف الحالية ولا يستطيع تجاوز هذه التحديات.
وبينّ الشريف أن المركزي يسعى حالياً لتحقيق استقرار محدود للاقتصاد الوطني، رغم محدودية الموارد والسيطرة المالية المتاحة له، مؤكداً أن جهوده ضرورية لتأمين مسار اقتصادي مستقر نسبيًا في ليبيا.
كما أشار إلى أن الفائض المالي المعلن حالياً في الميزانية يُعد “مؤقتاً” وأحياناً “غير حقيقي”، إذ إن البيانات الرسمية لا تعكس الصورة المالية الكاملة. وبيّن أن هذا الفائض نجم عن عوائد بيع العملة الصعبة التي بلغت نحو 21 مليار دينار، لكنه لا يعني فائضاً فعلياً في الموازنة، خاصة مع عدم شمول بعض بنود الإنفاق الحكومي في البيانات الرسمية.
وشدد الشريف على أن الظروف الاقتصادية الراهنة قد تعيق المصرف من مواصلة جمع الضرائب على بيع العملة، ما يضع الموازنة تحت ضغط مستمر وهو ما يؤشر إلى أهمية توحيد الموازنة العامة تحت إشراف المركزي مباشرة.
وأضاف أن استمرار الإنفاق خارج الموازنة سيضع البنك في موقف صعب، وقد يدفعه إلى اتخاذ إجراءات مثل تخفيض قيمة الدينار، وهو ما سيكون له تأثير سلبي كبير على الاقتصاد والمواطنين. ومن هنا، بيّن أن توحيد الموازنة سيكون له أثر إيجابي مباشر، من خلال ضبط الطلب على العملة الصعبة وتنظيم سوق الدولار، إلى جانب تحسين قدرة المصرف على إدارة الاحتياطيات.
وبخصوص البيانات المالية التي ينشرها المصرف المركزي، رأى الشريف أنها تهدف في المقام الأول إلى خلق انطباع بالاستقرار أكثر من كونها تعكس الواقع المالي الحقيقي، مؤكداً ضرورة دمج الموازنات المختلفة لضمان صدقية الأرقام وعكس الوضع الاقتصادي الليبي بدقة.
ولفت الشريف، إلى أن الأزمة الليبية الحالية تكمن أساسًا في مشكلة العمالة وفاتورة المرتبات، وهي نتيجة مباشرة للتحول الذي شهدته البلاد منذ عام 1978 نحو النظام الاشتراكي، الذي أدى إلى تصفية القطاع الخاص وجعل الدولة المستوعب الرئيسي للقوى العاملة.
وأوضح أن محاولات إعادة إنعاش القطاع الخاص بعد عام 1988 باءت بالفشل، إذ لم يتمكن القطاع من إنتاج نفسه من جديد، وأصبح أي نشاط خاص موجود محدوداً وغير مؤثر، مما جعل الدولة مضطرة لاستيعاب جميع العمالة ضمن المنظومة الحكومية.
وأكد الشريف أن فاتورة المرتبات تضاعفت بشكل كبير بعد ثورة 2011، ووصلت الآن إلى نحو 61–62 مليار دينار، ومن المتوقع أن تتجاوز 70 مليار دينار، ما يجعل بند المرتبات يمثل أكثر من 55% من الموازنة العامة، ويشكل بند الدعم حوالي 40%، أي أن هذين البندين يشكلان نحو 93% من الموازنة العامة، متسببين في محدودية الموارد المتاحة لبقية البنود الأساسية.
وحذر أستاذ الاقتصاد، من تداعيات هذه الهيكلية على قدرة الدولة على توفير فرص العمل للمواطنين، مؤكداً أن الحل يتطلب خطة طويلة الأجل تشمل تنويع قاعدة الاقتصاد عبر استثمارات محلية وأجنبية تخلق فرص عمل جديدة وتخفف العبء على الدولة. كما نبه إلى أن أي انخفاض في أسعار النفط إلى نحو 54–55 دولارًا للبرميل قد يؤدي إلى عجز المصرف المركزي والخزانة العامة عن تسديد المرتبات، معتبراً أن المرتبات تمثل “الخط الأحمر الأخير” للدولة، وأي توقف فيها يعني فشل الدولة في أداء مهامها الأساسية.
واعتبر الشريف أن المؤشر الوحيد المطمئن حاليًا للاقتصاد الليبي يتمثل في الاحتياطيات الدولية للبلاد، بينما جميع المؤشرات الاقتصادية الأخرى لا تزال ضعيفة.
وبيّن أن الاحتياطيات البالغة نحو 146 طنًا من الذهب تعزز قوة الاقتصاد الوطني، خاصة بعد إعادة تقييمها بالسعر السوقي الحالي للذهب، الذي أصبح ملاذًا آمنًا للمستثمرين عالميًا، كما أن هذا الحجم من الاحتياطيات يكفي لتغطية احتياجات الدولة من الواردات لأكثر من ثلاث إلى أربع سنوات، ما يمنح الاقتصاد مؤشراً نسبياً على القوة والاستقرار رغم الظروف الراهنة.
وفي هذا السياق، أوضح الشريف أن المصرف المركزي يوازن بين استخدام هذه الاحتياطيات للمحافظة على قيمة الدينار وتجنب التدهور، وبين عدم الإفراط في استخدامها لتغطية العجز المالي، مؤكداً أن جزءاً منها استُخدم في إعادة تقييم الأصول، بما في ذلك أرباح السندات والودائع وعوائد الذهب.
وشدد على أهمية وضع استراتيجية دقيقة لإدارة الاحتياطيات، بحيث يوازن المصرف بين السياسات النقدية ودوره في ضبط قيمة العملة، مشيراً إلى أن أي نجاح في تحقيق الأهداف الاقتصادية مرتبط أيضاً باستقرار الموازنة العامة للدولة، لأن أي خلل فيها يحد من قدرة المصرف على أداء مهامه بفعالية.
ولفت إلى وجود مجموعة عمل متخصصة تهدف إلى تحقيق هذا التوازن بين سياسات المصرف والاستخدام الأمثل للاحتياطيات لضمان استقرار الاقتصاد على المدى المتوسط والطويل.
وأضاف الشريف أن المصرف المركزي حقق تقدماً كبيراً في ملف الشمول المالي والتحول نحو الاقتصاد الإلكتروني، رغم التحديات السابقة، مشيراً إلى أن الاقتصاد الليبي كان يعتمد بالكامل على النقد عام 2013، ولم تكن هناك أي معاملات إلكترونية، لكن مع مرور الوقت، بدأ المواطنون تدريجياً بالتحول نحو الخدمات المصرفية الإلكترونية.
وذكر أن المجلس الجديد للمصرف وضع خطة واضحة لتنظيم توفير السيولة النقدية، مع تعزيز الشمول المالي وتحفيز المواطنين على استخدام الوسائل الإلكترونية في معاملاتهم، مؤكداً أن الوصول إلى اقتصاد “صفر نقدي” غير ممكن بالكامل، نظراً لاعتماد الاقتصاد التقليدي على النقد، لكنه وصف نسبة التقدم الحالية بأنها جيدة ومشجعة، متوقعاً ارتفاعها خلال السنوات المقبلة.
وبحسب الشريف، فإن نحو 90% من رواتب المواطنين تُصرف حالياً عبر الوسائل الإلكترونية، مما قلل الاعتماد على النقد تدريجياً، ومن المتوقع أن تمتد هذه النسبة لتشمل غالبية العمليات المالية قريباً.
وتابع: هناك تحديات قد تؤثر على سير العملية، أبرزها مشكلات البنية التحتية للاتصالات، والحاجة إلى دمج العمالة الوافدة وقطاع الأعمال في المنظومة المصرفية لضمان دفع مستحقاتهم إلكترونياً عبر البطاقات وأنظمة الدفع الحديثة الأخرى.
وفي ختام حديثه، أكد الشريف أن المصرف المركزي يسعى لاستكمال هذا التحول بما يعزز الاقتصاد الوطني ويقلل الاعتماد على النقد، مع التركيز على دمج جميع الأطراف الاقتصادية في إطار الشمول المالي الكامل.









