الشبعاني: إنشاء مجلس وطني لسلامة الهوية ضرورة ملحة لحماية الدولة
حذّر أستاذ القانون العام مجدي الشبعاني من خطورة ما وصفه بـ “الاختراق المنهجي” لمنظومة السجل المدني والرقم الوطني، مؤكداً أن ما يجري يتجاوز نطاق الحالات الفردية أو جرائم التزوير التقليدية.
وأوضح الشبعاني في مداخلة على قناة «ليبيا الأحرار» رصدتها «الساعة 24» أن المؤشرات الحالية توحي بوجود عملية واسعة ومنظمة تمتد إلى مختلف مكاتب السجل المدني في العاصمة طرابلس وبنغازي والعديد من المدن خاصة الحدودية، ما يعتبر دليلاً على فساد منظّم وليس مجرد تجاوزات معزولة. وأضاف أن الأمر يمسّ الأمن القومي الليبي بصورة مباشرة، نظراً لكون هذه الأرقام المزوّرة “تخلق شعباً جديداً لا يحمل المكتسبات القانونية ولا الجنسية الليبية”.
وأشار الشبعاني إلى أن حجم التلاعب وانتشاره بشكل متوازٍ في عدة مناطق يعكس وجود معرفة مسبقة بالثغرات التقنية داخل منظومة الرقم الوطني، أو حتى وجود حالات تواطؤ سهلت عمليات الاختراق. واعتبر أن القضية تتجاوز مفهوم “جريمة التزوير” لتصل إلى مستوى تغيير ديموغرافي محتمل واستغلال لضعف مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية.
وتحدث الشبعاني عن جملة من الدوافع التي أسهمت في تنامي هذه الظاهرة، من بينها الاستفادة من المنح المالية التي صُرفت للثوار بعد 17 فبراير 2011، وكذلك المنح المباشرة التي قدمها مصرف ليبيا المركزي في 2012، إضافة إلى الحصول على بطاقات الدولار حينها. كما كشف أن بعض أفراد التنظيمات الإرهابية، ومن بينهم عناصر من تنظيم “داعش” في سرت، تمكنوا أيضاً من الحصول على جوازات سفر ليبية عبر أرقام وطنية مزوّرة.
وبيّن لأستاذ القانون العام، أن الخلل الجوهري يكمن في ضعف البنية التقنية لنظام الرقم الوطني، وغياب أدوات التحقق الدقيقة مثل البصمة “البيومترية”، مما استُغل في منح أرقام وطنية عبر إجراءات بسيطة تعتمد على إفادات من السجل المدني، ليتمكن بعدها الشخص من التنقل بين مكاتب مختلفة دون تتبع دقيق. وبمجرد حصوله على جواز سفر، وإدراج بصمته في المنظومة الوطنية، يصبح جزءاً من النظام الليبي الرسمي.
ولفت الشبعاني إلى وجود مكاسب مالية وحوافز مرتبطة بالحصول على المواطنة، إضافة إلى استغلال هذه الثغرات في اختراق البنية السكانية لبعض المناطق الحساسة. وأشار إلى دراسات أظهرت تضخماً غير طبيعي في أعداد بعض القبائل ذات الامتدادات خارج ليبيا، خصوصاً في مناطق مثل الكفرة، فضلاً عن ارتباط هذه الظاهرة باستحقاقات الانتخابات. وأكد بأن ما حدث يمثل “اختراقاً منظماً وخطيراً”، داعياً إلى التعامل معه كملف أمن قومي يتطلب إجراءات جذرية وحلولاً تقنية صارمة لإعادة ضبط منظومة الهوية الليبية.
وقال الشبعاني، إن السلطة التنفيذية فشلت في إدارة ملف الرقم الوطني، موضحًا أن الدولة كانت تمتلك قبل عام 2011 مبادرات لإنشاء بطاقة شخصية إلكترونية تعتمد على البيانات البيومترية مثل بصمة العين، أو بصمة الإصبع، أو حتى الـ”DNA”، ما يجعل التلاعب مستحيلاً ويحقق مستوى أعلى مستوى من الحماية، كما هو معمول به في معظم دول العالم.
وأردف: أن منظومة الرقم الوطني التي بدأ العمل بها منذ 2012 صاحبها عيوب جوهرية، أبرزها عدم ربطها بأي مؤشرات “بيومترية” واعتمادها فقط على تاريخ الميلاد. وأوضح أن تغيير تاريخ الميلاد لأي سبب قانوني كان يؤدي إلى تغيير الرقم الوطني نفسه، ما تسبب في امتلاك بعض الأشخاص أكثر من رقم وطني، وهو خلل بنيوي خطير.
وأشار إلى أن موظفين داخل مكاتب السجل المدني اكتشفوا هذه الثغرات واستغلّوها، ما فتح الباب أمام منح أرقام وطنية مزورة، واستبدال بيانات متوفين، وتسجيل أشخاص غير ليبيين، لافتًا إلى وجود قوائم لأشخاص تحصلوا على جوازات سفر بأرقام وطنية غير قانونية. كما تبين، وفق قوله، أن بعض قضايا غسل الأموال وفتح الشركات وتحركات مالية مشبوهة تمت بجوازات وأرقام وطنية صادرة بطريقة مزورة.
وكشف الشبعاني أن التلاعب لم يقتصر على الأفراد، بل وصل إلى تضخيم سجلات الناخبين في بعض البلديات، حيث ارتفع عدد السكان في إحدى الدوائر من 500 إلى 30 ألفًا قبيل العملية الانتخابات، وهو ما أثار الشبهات ودفع النيابة العامة للتحقيق.
وأكد أن النيابة العامة باشرت منذ عامين حملة تدقيق واسعة، وأعدّت وثائق رسمية وقّع عليها المحامي العام ومسؤولو الأحوال المدنية، وتمت إحالة عشرات الآلاف من الملفات – من بينها نحو 34 ألف ملف – إلى وكلاء نيابة مختصين للتدقيق، واصفًا عمل النيابة بأنه “جهد رقابي ووقائي بالغ الصعوبة”. ورغم هذا الجهد، يقول الشبعاني إن المنظومة ما زالت تعاني من الخلل ذاته، ما يعني أن التزوير قد يستمر في ظل عدم معالجة السبب الجذري للمشكلة.
وسلط الشبعاني الضوء على مشكلة استراتيجية أعمق تتمثل في تفاوت أعداد السكان المسجلة لدى الجهات الحكومية المختلفة: فمصرف ليبيا المركزي يورد رقمًا، والإحصاء رقمًا أقل بمليون تقريبًا، والأحوال المدنية رقمًا آخر مختلف تمامًا، وكذلك الهيئة الوطنية للمعلومات. وعزا ذلك التضارب إلى غياب قاعدة بيانات موحّدة وعدم وجود تعاون مؤسساتي فعّال بين الجهات الرسمية، قائلاً: إن هذا الوضع يقوّض حماية السجلات الرسمية ويعيق أي إصلاح حقيقي.
ورأى الشبعاني أن فتح الملفات الأصلية والتحقق من الوثائق الأساسية هو السبيل الوحيد لكشف حجم التلاعب، مؤكدًا أن ما يجري ليس معالجة تقنية، بل “تحقيق جنائي لإثبات الوقائع”. واعتبر أن الملفات التي أعلنت عنها النيابة العامة بشأن سلامة الهوية الوطنية الليبية تكشف وجود “اختلالات داخلية وخارجية” حقيقية تستوجب تدخلاً عاجلاً وإصلاحات جذرية. وقال إن المؤشرات التي اعتمدت عليها النيابة جاءت من جهات عدة، بينها المخابرات والأحوال المدنية والأجهزة الرقابية، بما يعكس حجم المشكلة وخطورتها.
ودعا الشبعاني إلى توحيد الجهود وإنشاء مجلس وطني لسلامة الهوية الوطنية يصدر بقرار من المجلس الرئاسي، أو مجلس الوزراء، على أن يضم ممثلين عن مكتب النائب العام والجهات الفنية المختصة، ويتولى المراجعة المباشرة، وتحليل المخاطر، وتقييم القوانين، ومتابعة منظومة الرقم الوطني والأحوال المدنية عبر جسم رقابي دائم.
وأقرّ أستاذ القانون العام أن الإجراءات الحالية تظل عاجزة عن وقف الاختراقات إن لم تُدعّم بمنظومة تقنية صارمة، قائلاً إن الأنظمة الحديثة لا تمنح الموظفين صلاحية تعديل البيانات، إذ تكون مرتبطة بتقنيات تشفير، ومراقبة دورية، وبصمات بيومترية تخزن لدى الجهات المختصة. وأوضح أن هذا النوع من الحوكمة يمنع الحصول على أرقام وطنية مزورة تُستغل لاحقاً في تأسيس شركات أو الحصول على اعتمادات أو عقود حكومية.
وتابع: أن تغليظ العقوبات المرتبطة بتزوير الأرقام الوطنية بات ضرورة ملحّة، إضافة إلى إصدار قانون حماية الهوية الوطنية، وهو تشريع غير موجود حتى الآن رغم الحاجة الماسة إليه. كما شدّد على ضرورة إطلاق حملات توعية للمواطنين والمسؤولين على حدّ سواء، نظراً لغياب الإدراك بخطورة هذه الاختراقات.
وحذر الشبعاني من أن السجل المدني بوضعه الراهن، ومع وجود عشرات الآلاف من القيود غير الصحيحة، قد يشكل عائقاً خطيراً أمام إجراء انتخابات رئاسية يمكن الوثوق بنتائجها. مختتماً حديثه بالقول: إن النيابة العامة والجهات القضائية أدت دورها خلال العامين الماضيين بتنقية البيانات والكشف عن المخالفات، لكن استمرار الخلل يتطلب استراتيجية طويلة المدى وتأسيس جهة وطنية مختصة بحماية الهوية ومراقبة المنظومة التقنية، لضمان عدم تكرار الاختراقات، وصون السيادة الوطنية.









