كتي: القوات المسلحة عززت الأمن بالجنوب.. ولابد من تنسيق أوسع لحماية الحدود

أكد عمر كتي، رئيس مجلس السياسات الخارجية والعلاقات الدولية بفريق الحوار والمصالحة السياسي، أن الملفات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء لا يمكن مناقشتها بمعزل عن المشهد الإقليمي العام، نظراً للتداخل الجغرافي والأمني الذي تشهده المنطقة الممتدة من الصحراء الكبرى وصولاً إلى سواحل المحيط الأطلسي، مروراً بدول شمال أفريقيا ومناطق ما وراء الصحراء، بما يشمل نيجيريا والكاميرون وغرب أفريقيا.
وأوضح كتي، في تصريحات لقناة “سلام”، رصدتها صحيفة الساعة24، أن المنطقة تشهد في الآونة الأخيرة نشاطاً غير مسبوق لمجموعة من الأنشطة غير المشروعة، من بينها تحركات تنظيم داعش، والاتجار بالبشر، وتجارة المخدرات، وتهريب الأسلحة، مشيراً إلى أن هذه التهديدات أصبحت هاجساً أمنياً حقيقياً للدول المتاخمة للصحراء الكبرى.
وأضاف أن مرحلة ما بعد أحداث الربيع العربي في عام 2011 أدت إلى فقدان بوصلة التنسيق الأمني التي كانت قائمة سابقاً، سواء على مستوى التعاون الثنائي بين الدول أو ضمن تجمع دول الساحل والصحراء، وهو ما انعكس سلباً على قدرة هذه الدول في مواجهة التحديات الأمنية المتصاعدة.
وفي هذا السياق، حذر كتي من أن أي ضربات عسكرية، سواء كانت أمريكية أو من قبل أي قوة دولية أخرى، قد تشكل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي، لا سيما في منطقة جنوب ليبيا التي وصفها بـ “الهشة أمنياً”.
وأشار إلى أن هذه المخاطر ازدادت بعد فرار عدد من قيادات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي نحو جنوب ليبيا وجنوب الجزائر، وصولاً إلى مناطق تُعد ملاذات آمنة، مثل دارفور ومناطق النزاع الأخرى.
ولفت كتي إلى أن الوضع الأمني في جنوب ليبيا يشهد تحولاً نسبياً، مع انتشار القوات المسلحة الليبية في مناطق مرزق والمناطق المحاذية للحدود الجزائرية، ما ساهم في تعزيز مستوى التنسيق الأمني والحد من احتمالات تمدد أو إعادة تموضع تنظيم داعش، مشيراً إلى أن التقارير الدولية تؤكد أن الجماعات الإجرامية والتنظيمات المتطرفة أعادت تكييف أنشطتها وفق الواقع الأمني الجديد، ما يستدعي مزيداً من التنسيق الإقليمي والدولي لمواجهة هذه التحديات المتحولة والمعقدة.
وأكد أن القدرة على التحكم في تحركات الجماعات غير النظامية، سواء كانت جماعات مسلحة أو تعمل بأسلوب عصابات، تُعد من أصعب الملفات الأمنية، مشيراً إلى أن هذا النوع من التهديدات يفوق في كثير من الأحيان قدرة الجيوش النظامية على التعامل معه بكفاءة عالية.
وأردف: أن الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيما داعش والقاعدة، تعتمد في تحركاتها على أساليب التخفي والعمل السري، ما يزيد من تعقيد مواجهتها. وأضاف أن السلطات الأمنية في ليبيا، خصوصاً الجهات المسؤولة عن تأمين المناطق الحدودية المتاخمة للصحراء، تواجه مهمة بالغة الصعوبة، تتمثل في الحد من تسرب المقاتلين ومنع محاولاتهم تشكيل خلايا صغيرة أو كبيرة داخل الأراضي الليبية.
وأشار كتي إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل تعود إلى تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية، مستشهداً بتسلل مجموعات مسلحة من الجزائر إلى ليبيا في سنوات سابقة، رغم وجود دولة ومؤسسات أمنية وعسكرية فاعلة آنذاك، لافتاً إلى أن السيطرة الكاملة على مساحات حدودية شاسعة ومفتوحة تبقى أمراً بالغ الصعوبة إذا اعتمدت الدولة فقط على إمكانياتها الذاتية.
وفي الوقت نفسه، شدد كتي على أن التهديد لا يقتصر على داعش وحده، بل يمتد ليشمل منظومة أوسع من الجماعات المتطرفة، مؤكداً أن مواجهتها تتطلب تفعيل التنسيق الأمني المشترك وتعزيز الآليات الإقليمية للتعاون الدولي بين دول الساحل والصحراء، بهدف الحد من نفوذ هذه التنظيمات ومنع تمددها في المنطقة.
ورأى أن ليبيا، بحكم موقعها الجغرافي، تُعد جزءاً حيوياً من فضاء الساحل والصحراء الأفريقي، مشدداً على أن تأمين البلاد يبدأ من خارج حدودها وليس من الداخل فقط، وأن ذلك لا يتحقق إلا عبر مجموعة من الأدوات تشمل التنسيق الأمني والاستخباراتي، والتعاون الاقتصادي، وتعزيز الشراكة بين دول الساحل والصحراء.
وبيّن أن ليبيا قصّرت خلال العقدين الأخيرين في بناء تنسيق فعال ومستدام مع دول الساحل والصحراء، وهو ما أسهم في اتساع هامش تحرك التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها داعش، داعياً إلى مراجعة هذه السياسات وتصحيحها بشكل عاجل.
واعتبر أن التدخل الأمريكي في منطقة الساحل والصحراء جاء نتيجة مباشرة لضعف القوى المحلية والإقليمية الموجودة على الأرض، مشيراً إلى أن دول المنطقة فشلت في حماية نفسها أو تشكيل جبهة إقليمية موحدة قادرة على مواجهة التهديدات الأمنية المتصاعدة.
ورأى كتي، أن القاعدة الأساسية في العلاقات الدولية تقوم على أن التدخل الإقليمي الفاعل هو ما يمنع التدخل الدولي، إلا أن حالة الانقسام والتشظي التي تعيشها دول الساحل والصحراء حالت دون ذلك، ما دفع قوى دولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى التدخل مباشرة لضمان مصالحها الاستراتيجية.
وتابع: وجود داعش في منطقة الساحل والصحراء ليس أمراً جديداً، كما أن الحديث عن التنسيق الأمني مع القوى الدولية ليس مستحدثاً، إلا أن هذا التنسيق لم يرتقِ يوماً إلى المستوى المطلوب، وأن ما يحدث حالياً ليس تعاوناً حقيقياً، بل تدخل مباشر تفرضه المصالح، في ظل غياب غرف عمليات مشتركة وضعف التنسيق الميداني وتراجع التعاون مع دول الجوار.
وفي السياق ذاته، لفت إلى أن الأوضاع السياسية المضطربة في دول الساحل، لا سيما بوركينا فاسو ومالي، وسيطرة قيادات عسكرية جديدة على الحكم، إلى جانب تراجع دور المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، أسهمت بشكل كبير في إرباك المشهد الأمني وتعطيل آليات العمل المشترك، موضحاً أن الملف الأمني في المنطقة بات يُدار بشكل شبه كامل من قبل الولايات المتحدة، بعدما كانت الدول تشارك سابقاً في تنسيقه، مشيراً إلى أن عجز هذه الدول عن التنسيق فيما بينها أدى إلى هذا التحول، مستشهداً بحالة القطيعة السياسية والأمنية بين دول مثل نيجيريا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو.
وأكد أن هذه الاضطرابات السياسية انعكست بشكل مباشر على التنسيق الأمني الإقليمي، وهو ما تعانيه منطقة غرب أفريقيا بشكل واضح، مع استثناء بعض الدول التي لا تزال تتمتع بقدر من الاستقرار، مثل السنغال وغانا ونيجيريا.
وشدد على أن منطقة الساحل والصحراء تُعد فضاءً جغرافياً واحداً لا يمكن تجزئته أو الفصل بين شماله وجنوبه، نظراً للامتداد القبلي والاجتماعي والاقتصادي بين شعوبها، سواء من القبائل العربية أو الأفريقية. وأضاف أن ما يحدث في دول مثل تشاد والنيجر ينعكس بشكل مباشر على ليبيا، والعكس صحيح، مؤكداً أن المنطقة تشكل وحدة جغرافية وسياسية واقتصادية مترابطة المصير، وتمثل بوابة أمنية واستراتيجية واحدة.
وفيما يتعلق بمدى تهديد ليبيا بتسلل عناصر داعش، أوضح أن الخطر قائم ودائم، سواء من نيجيريا أو النيجر أو موريتانيا، مشيراً إلى أن التعامل معه يتطلب درجة عالية من الاستعداد الأمني المستمر، لأن الخطر قد يظهر في أي وقت.
كما أكد أن الضربات الأخيرة ضد التنظيمات المتطرفة تُعد، من وجهة نظره، ضربات “واجبة”، في ظل الدور الذي تلعبه القيادة العسكرية الأمريكية في حماية منطقة الساحل والصحراء، وذلك بناءً على تفاهمات مع عدد من دول المنطقة، محذراً من أن استمرار ضعف التنسيق الإقليمي سيجعل المنطقة مهددة بشكل دائم.
وقال كتي، إلى أن السيناريوهات المرتبطة بنشاط التنظيمات المتطرفة ليست افتراضية، بل قائمة بالفعل، إلا أن شدتها وقوتها تختلف من مرحلة إلى أخرى تبعاً للظروف السياسية والأمنية. وأضاف أن الحديث عن وجود داعش لا ينبغي حصره في الجنوب الليبي فقط، بل يجب النظر إليه ضمن الإطار الأشمل لمنطقة الساحل والصحراء بأكملها باعتبارها فضاءً جغرافياً واحداً مترابطاً اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، وأن الفصل بين جنوب ليبيا وجنوب الجزائر أو شمال تشاد والنيجر ومالي هو فصل غير واقعي نظراً لسهولة الحركة داخل هذه المناطق الصحراوية.
وأشار كتي إلى أن أحد السيناريوهات المعروفة دولياً يتمثل في لجوء بعض القوى المتصارعة على السلطة داخل دول المنطقة إلى الاستعانة بتنظيمات متطرفة مثل داعش أو القاعدة لتحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية ضد الحكومات القائمة، مؤكداً أن هذا النمط من التحالفات المؤقتة سبق أن حدث في عدة دول، من بينها الجزائر وليبيا وتشاد والنيجر ومالي، مستشهداً بحالات موثقة استعانت فيها أطراف محلية بتنظيم القاعدة أو جماعات مرتبطة بداعش.
وأضاف أن هذه الظاهرة لا تقتصر على ليبيا وحدها، بل تمثل إشكالية مشتركة تعاني منها معظم دول الإقليم، مشيراً إلى ما يشهده السودان من اتهامات بتعاون بعض الأطراف المسلحة مع جماعات متطرفة في سياق الصراع الداخلي، وأن التنظيمات الإرهابية تتسم بمرونة عالية، إذ لا تتردد في استخدام أي وسيلة تضمن لها البقاء، سواء عبر التحالفات المؤقتة أو الانخراط في أنشطة غير مشروعة مثل تجارة المخدرات والاتجار بالبشر.
وأكد، من واقع خبرته ومعرفته الميدانية بمدينة مرزق، أن بعض الجماعات المعارضة في دول الجوار سبق أن اتخذت من مناطق في جنوب ليبيا قواعد انطلاق لعملياتها، مشيراً إلى أن شهود عيان رصدوا في فترات سابقة مشاركة عناصر متطرفة إلى جانب معارضات مسلحة ضد حكوماتها، خاصة في تشاد، وذلك قبل عام 2021، مؤكداً أن تنظيم داعش والجماعات المشابهة قادرة على إعادة التموضع وتغيير أساليبها وفق المعطيات المتاحة، سواء عبر الاختباء أو تشكيل خلايا، أو استغلال شبكات التهريب العابرة للقارات، بما في ذلك مسارات تجارة المخدرات الممتدة من سواحل الأطلسي مروراً بالساحل والصحراء وصولاً إلى البحر الأحمر، محذراً من أن مواجهة هذه التهديدات تتطلب فهماً إقليمياً شاملاً، وليس معالجات أمنية جزئية أو محلية.









