بوالرايقة: إدارة ملف حادث الطائرة تتطلب دقة استخباراتية وصبرًا استراتيجيًا

أكد الباحث في شؤون الأمن القومي فيصل بو الرايقة أن رفض ألمانيا التعامل مع الصندوق الأسود للطائرة الليبية المنكوبة لا يعكس ضعفاً تقنياً، بل يأتي ضمن حسابات دقيقة للكلفة والخسارة والمصلحة الوطنية الألمانية.
وأشار بو الرايقة، في تصريحات لقناة “ليبيا الحدث”، رصدتها “صحيفة الساعة 24″، إلى أن الجانب الألماني يتعامل مع الملف بحذر شديد نظراً لأبعاده التقنية والسياسية والاستخباراتية، مشيراً إلى أن المصلحة الوطنية العليا التي تمثلها وزارة الخارجية وجهاز الاستخبارات الخارجية في برلين، تقوم بتقدير كلفة الحادث وخطورته، وتضع احتمالاً لتحوله إلى قضية سياسية أو استخباراتية، معتبراً أن جهاز الاستخبارات الألماني من أفضل أجهزة الاتحاد الأوروبي، ويطبق أعلى المعايير الدولية، في حين يمتلك نحو 6,500 عنصر حول العالم، معظمهم متخصصون في العلوم السياسية والاقتصادية والهندسية، ويصدرون مئات التقارير الشهرية ويجيبون على استفسارات البرلمان الألماني، بميزانية تقديرية تصل إلى مليار يورو، بهدف حماية الأمن القومي للبلاد.
وأضاف أن المسؤولية الألمانية تجاه الحادث شديدة الحساسية، نظراً لتأثيراته المحتملة على المصالح الدولية والأمن الإقليمي، خاصة أن مسار الطائرة مر عبر الأراضي التركية خلال فترة تصعيد إقليمي بدأت من ديسمبر 2022. وشدد على أن الملف قد يرتبط بالملفات الاستراتيجية، مثل الغاز في المتوسط، وأن الألمان يحتفظون بذاكرة تاريخية قوية تجاه هذه القضايا، ما يدفعهم للتعامل معها بحذر بالغ.
كما تطرق الباحث إلى أهمية وجود غرف أزمة وطنية لمعالجة تداعيات الحادث، مشيراً إلى أن حادث الطائرة الليبية الذي وقع قرب أنقرة شمل ضحايا متنوعين من جنسيات متعددة، بينهم قبارصة وفرنسيون، إضافة إلى مسؤولين رفيعي المستوى في الجيش الليبي في الغرب، ما يضفي على الحادث بعداً أمنياً وسياسياً معقداً.
ولفت بو الرايقة إلى أن الجانب التركي يمتلك مؤسسات وطنية مختصة في الأمن القومي والتعامل مع الأعمال التخريبية، وأن التعاون بين هذه المؤسسات والأطراف المعنية يعد ضرورياً لاحتواء تداعيات الحادث وحماية الأمن الوطني.
كما نوه إلى أن المملكة المتحدة هي الأخرى تعتمد على معايير دقيقة في معالجة القضايا الحساسة، مع مراعاة التوازن بين الجوانب التقنية والسياسية، والحرص على عدم اتخاذ قرارات عشوائية قد تُستغل سياسياً. وأوضح أن البرلمانات والأعراف الديمقراطية البريطانية تجعل أي تسريب للمعلومات مسألة حساسة للغاية، وهو ما يعكس خبرة طويلة في التعامل مع الأزمات، بما في ذلك حوادث سابقة وقضايا مشابهة في هولندا وفرنسا.
كما تناول الباحث ما يُعرف بـ “الصندوق البرتقالي”، أو ما تعارف على تسميته بالصندوق الأسود واصفاً إياه بأنه حاوية للمعلومات الحساسة جداً، تُستخدم لمتابعة وتحليل الأداء في اللحظات الحرجة، مثل مراقبة الأنظمة الأساسية أثناء العمليات وتقييم أي خلل محتمل أو تهديد استثنائي. وأوضح أن النظام البريطاني يعتمد على “زاوية رادار خماسية” أي تقييم شامل يمتد إلى 360 درجة لتحليل المخاطر المحتملة، مع مراعاة الأبعاد السياسية والتقنية والتأثير على التعويضات المحتملة.
وأكد بو الرايقة أن المملكة المتحدة تحرص على أن تكون الإجابات والتحليلات منسقة بعناية، بعيداً عن العشوائية، مع اهتمام بالغ بالمخاطر السيبرانية، والتهديدات، مضيفاً أن ما أبرزته رئيسة الاستخبارات البريطانية مؤخراً خارج الأعراف المعتادة يعكس حساسية الملفات الأمنية وتعقيد معالجتها. واعتبر أن المملكة المتحدة تعد نموذجاً في إدارة المخاطر الأمنية والسياسية، من خلال مؤسسات محترفة وقديمة، تضمن اتخاذ القرارات بعناية ودقة، مع مراعاة العوامل التقنية والسياسية والتاريخية.
ورأى بو الرايقة أن ملف الطائرة المنكوبة حساس للغاية، لذلك لا يمكن لتركيا تسليم هذا الملف لأي دولة تُصنف بأنها غير محايدة، وأوضح أن تحديد مفهوم الدولة غير المحايدة مرتبط بعقلية المخابرات التركية.
ولفت بو الرايقة إلى وجود تمييز واضح بين الدول المحايدة والدول ذات الأجندة الخاصة، مؤكداً أن تركيا تدرك أن هذا الملف قد يُستخدم في عمليات الضغط والتأثير الاستراتيجي على الأطراف الأخرى.
وأضاف أن للملف بعداً أمنياً بامتياز وليس قانونياً، وأن التجارب السابقة أظهرت ارتباط هذا النوع من الملفات بالعمليات العدائية وأعمال التخريب ومكافحة الإرهاب.
وأشار إلى أن الأتراك يستخدمون مصطلح “التحييد الاستراتيجي” لفهم طبيعة الملف، خصوصاً في سياق شرق المتوسط، مؤكداً أن الأمن والسياسة مرتبطان بشكل وثيق ويخدم كل منهما الآخر. مبيناً أن الانتقال السريع للمعلومات بين المخابرات الوطنية ووزارة الخارجية التركية يعكس وجود خيط رفيع بين الجوانب الأمنية والسياسية في إدارة الملف.
وبينّ بو الرايقة أهمية فهم العقلية التركية وسرعة تحركها منذ اللحظة الأولى، بما في ذلك تكليف وزراء الداخلية والعدل والدفاع والطيران المدني بمهمة التعامل مع الملف. وأوضح أن المجلس القومي التركي للمخابرات أعاد تعريف دوره بعد التعديلات الدستورية الأخيرة، مع التركيز على جمع المعلومات من مصادر تركية مفتوحة وربطها بالعمل الدولي.
وأشار الباحث إلى حساسية العمليات المتعلقة بالملف، موضحاً أن المسافة بين أنقرة وطرابلس، والتي تبلغ حوالي 1900 كيلومتر، تلعب دوراً مهماً في العمليات الأمنية والطيران المخصص لنقل الشخصيات، مع مراعاة بروتوكولات التفتيش داخل الأجواء التركية. ولفت إلى أن إعداد السيناريوات المتعددة للملف يسمح لصناع القرار بفهم المخاطر، والتحركات المحتملة، مع تغطية جميع الجوانب لضمان إدارة دقيقة وحذرة.
وأكد بو الرايقة أهمية دقة التعامل مع المعلومات المتعلقة بالتحقيقات، مشدداً على أن الشركة المصنعة للطائرات لا يمكنها الإدلاء بأي تصريحات إلا بعد فتح الصندوقين الأسودين واستعراض كامل التسجيلات، موضحاً أن العملية تتبع سلسلة من الخطوات المنطقية والمهنية التي تبدأ بالتحليل الدقيق للصندوقين. مشيراً إلى أن التحقيقات تُدار بمهنية عالية، بعيداً عن أي توجيه سياسي، مع مراعاة التحكم الكامل في السياق العملي قبل الانتقال إلى الجوانب الأخرى من الملف.
وأكد الباحث في شؤون الأمن القومي، أن التعامل مع البيانات يتم عبر مجلس المخابرات الوطنية التركية، وأن من يطلع على هذه المعلومات يجب أن يكون ضمن دولة محايدة، مع وجود ضوابط صارمة لمنع أي تسريبات أو سوء استخدام، مشيراً إلى أن حق كتابة التقرير والنشر يقع ضمن اختصاص جهاز المخابرات التركية.
وتابع: المسؤولية تقع على المستوى التنفيذي والسياسي الأعلى، وليس على المستويات الأدنى التي لا تتعلق بالسياسة الخارجية التركية، مؤكداً أن العلاقة مع ليبيا تحتل أهمية كبيرة، مشيراً إلى زيارات رفيعة المستوى، مثل زيارة رئيس الوزراء التركي في أغسطس الماضي، ومقابلاته مع رئيس مجلس النواب المستشار صالح، بما يعكس استقرار العلاقات الثنائية.
وأشار بو الرايقة إلى أن الهدف هو الحفاظ على وحدة ليبيا ومنع أي انقسام، مع مراعاة مصالح الأطراف في شرق المتوسط، والحفاظ على الملفات تحت السيطرة بهدوء ومنطقية. وأكد ضرورة وجود حضور ليبي ودولي منضبط خلال تشكيل اللجان الفنية والقانونية لضمان الشفافية والدقة في المعالجة.
وحذر من أن أي خطأ في معالجة الملفات الحساسة قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، بما في ذلك التأثير على الرأي العام المحلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو استغلال القرارات الدولية المتعلقة بخروج القوات الأجنبية والمرتزقة وفق قرارات مجلس الأمن.
واستطرد: الملف سيأخذ وقتاً كافياً لإتمام المعالجة الاستراتيجية والتهدئة الإعلامية، بما يتوافق مع مفهوم الأمن القومي، مؤكداً أن الصبر الاستراتيجي ضروري لإعادة صياغة الملف بشكل محكم ودقيق.
وأكد بو الرايقة أن أي شبهات تتعلق بأعمال تخريبية تتطلب تتبع مسار كامل للحادث، بدءاً من مكان انطلاق الطائرة، مروراً بمالطا، ومن هم المقربون منها، وبروتوكول الأمن الذي تم تطبيقه في طرابلس، وصولاً إلى الدولة التركية. وشدد على تعقيد الأمر، مشيراً إلى تشابه الاتهامات الحالية مع حادثة لوكربي، حيث اتهمت الولايات المتحدة ليبيا في ديسمبر 1988 بتورط اثنين من الضباط الليبيين في حادثة طائرة “بان آم 103″، وهو ما رفضه القذافي باعتباره مسألة سيادة، قبل أن يتدخل القضاء الهولندي لاحقاً.
وعن التحركات الحالية، رأى بو الرايقة أن الأتراك هم الجهة الأقوى والأكثر تأثيراً في هذه الملفات، وأن أي إجراءات لا يمكن تمريرها دون تدخلهم المباشر، فيما اعتبر الجانب الليبي الحلقة الأضعف نظراً للانقسام السياسي والتحديات التي تواجه وزارة الخارجية، مما يستلزم وجود دولة قوية قادرة على مواجهة الأطراف الفاعلة في هذا الملف تحت الظروف الراهنة.









