الشيباني: الأرقام الواردة في تقرير ديوان المحاسبة “مفزعة”

أكد الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، عبد الرحيم الشيباني، أن التأخر في إصدار تقرير ديوان المحاسبة يثير تساؤلات كبيرة حول مستوى الشفافية والحوكمة المالية في ليبيا.
وقال الشيباني، في تصريحات لقناة “التناصح”، رصدتها صحيفة الساعة24، إن الملاحظة الأولى في هذا التقرير تتعلق بتأخر صدوره، وهو ما يفرض على الديوان الإجابة عن سؤال جوهري: لماذا تأخر التقرير كل هذه المدة؟ وأضاف: أن هذا التأخير أدى إلى فقدان التقرير جزءًا من قيمته كأداة للتقييم والرقابة، ليصبح أشبه بتقرير إحصائي أو تقرير استقرار اقتصادي فقط.
وأوضح أن حجم العمل المطلوب لإعداد التقرير لم يكن العامل الوحيد وراء التأخير، مشيرًا إلى أن ديوان المحاسبة يغطي فقط المؤسسات الواقعة تحت سيطرة حكومة الدبيبة في المنطقة الغربية، ما يجعل التقرير غير شامل للنظام المالي العام للدولة.
وأشار الشيباني، إلى أن الأرقام الواردة في التقرير “مفزعة”، حيث ارتفع الدين العام من 84 مليار دينار ليبي إلى أكثر من 300 مليار دينار، أي ما يعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف الرقم السابق. مبيناً أن بعض أرقام التقرير المتعلقة بالرسوم وعوائد بيع النقد الأجنبي، والتي بلغت 27 مليار دينار، تم استخدام 22 مليار منها لتمويل الميزانية، وهو ما يتعارض مع القانون، ما يطرح تساؤلات حول إمكانية محاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات بعد مرور سنة كاملة.
وأضاف أن التقرير، الذي يتكون من حوالي 700 صفحة، لم يكن من السهل مراجعة جميع ملاحظاته، لكنه ركز على أبرز الجوانب المتعلقة بالإنفاق الحكومي والأرقام الكبيرة، بالإضافة إلى حركة مصرف ليبيا المركزي، حيث لوحظت بعض الفروقات التي قد تؤثر على مصداقية البيانات.
كما أشار الشيباني، إلى أن تأخر نشر التقرير حتى نهاية 2025، رغم تغطيته لسنة 2024، أفقده جزءًا كبيرًا من قيمته، محذرًا من أن التأخير يحوله إلى تقرير “تاريخي” ويحد من إمكانية اتخاذ إجراءات فورية لمعالجة أي تجاوزات أو مخالفات مالية. كما أكد أن هذا التأخير يمثل خللاً أساسيًا في عمل الديوان، داعيًا إلى مزيد من الشفافية والوضوح أمام الرأي العام لضمان إدارة الأموال العامة وفق القوانين ومبادئ الحوكمة الرشيدة.
وشدد على أن المؤسسة الوطنية للنفط فقدت سيطرتها وإرادتها حتى على بعض الشركات التابعة لها، ما يثير تساؤلات جدية حول مصير الإيرادات النفطية في ليبيا.
وأوضح الشيباني، أن المؤسسة تمتلك جميع التفاصيل، لكنها لن تجيب بصراحة لأنها فقدت إرادتها، مضيفًا أن هذا التلاعب بالإيرادات يشمل عدم توريدها إلى مصرف ليبيا المركزي، ما يطرح أسئلة جوهرية حول من يملك القرار، وكيف يتم التصرف بهذه الإيرادات، وما إذا كانت تُستخدم في شكل مبادلات أو بيع خارج سيطرة المؤسسة، بما في ذلك من خلال شركة “أركنو”.
وأكد الشيباني، أن الإجابة على هذه الأسئلة تقع على عاتق الحكومة ووزارة النفط، مشددًا على أن السلطة السيادية في التصرف بالموارد، خصوصًا النفط، هي حق أصيل للوزارة والحكومة، وليس للمؤسسة التي تُعد سلطة تنفيذية وإدارة فنية فقط، مضيفًا أن التركيز على المؤسسة وحدها مضلل، فهي أوضحت العجز في الإدارة منذ سنوات.
ورأى أن العجز في الإيرادات النفطية ليس جديدًا، موضحًا أن تقرير ديوان المحاسبة أظهر عجزًا نسبته 30% في عام 2024، مقارنة بعجز 10% في الفترة بين 2022 و2023، وهو ما يعكس تفاقم المشكلات المالية على مدى السنوات الماضية.
وبينّ الشيباني أن البيانات الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي في ديسمبر 2025 كانت بمثابة “ورقة حمراء”، إذ أظهرت أن الإيرادات حتى منتصف ديسمبر بلغت حوالي 501 مليون دولار، ثم ارتفعت إلى مليار دولار بنهاية الشهر، ما يعكس سرعة التغير وضرورة الإفصاح الفوري للضغط على الجهات المعنية وضمان الشفافية.
وشدد الباحث في الشؤون الاقتصادية، على أهمية مسؤولية الحكومة والجهات الرسمية في الإفصاح عن البيانات المالية والإيرادات، مشيرًا إلى أن ديوان المحاسبة يتحمل مسؤولية متابعة الأرقام، لكنه قد يتنصل من هذه المسؤولية بسبب ضغوط سياسية محتملة.
وأوضح أن مجلس النواب يجب أن يستدعي رئيس ديوان المحاسبة لمساءلته حول تأخر إعداد التقرير لمدة سنة كاملة، موضحًا أن سبب هذا التأخير قد يكون مرتبطًا بوجود ضغوطات من أطراف سياسية أو محاولات ابتزاز، مؤكدًا أن البحث عن المعلومات وإظهارها للليبيين يظل من واجب الديوان.
وأشار إلى أن غياب الإفصاح عن الإنفاق والإيرادات، والتي قد تصل إلى 50% من الموارد، أدى إلى تداعيات كبيرة على الاقتصاد الوطني، منها انخفاض قيمة الدينار، وارتفاع تكلفة المعيشة، فضلاً عن شح السيولة، والذي كان سببها سحب العملة خارج سلطة مصرف ليبيا المركزي.
وأكد أن المسؤولية الأساسية عن هذه الإشكالات تقع على حكومة الدبيبة، والتي تعد الحكومة الرسمية، مشددًا على أن وزير النفط، بوصفه عضو مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط، يتحمل مسؤولية مباشرة في الإشراف على الإنفاق والرقابة.
وختم الشيباني، قائلا إن ديوان المحاسبة يمتلك القدرة على متابعة الأرقام والاطلاع عليها، إلا أن الضغوط السياسية أو الرغبة في تجنب المشاكل قد تجعل أداء الديوان أقل فاعلية، مؤكدًا ضرورة مساءلة المسؤولين لضمان الشفافية المالية وحماية أموال الدولة.









